مقترح عسكرة أمن الطيران يثير مخاوف بشأن مستقبل المطارات السودانية

أثار مقترح متداول بشأن إسناد مهام وعمليات أمن الطيران (AVSEC) في المطارات السودانية إلى جهات عسكرية، جدلاً واسعاً في أوساط المهتمين بقطاع الطيران، وسط تحذيرات من أن أي تغيير جوهري في منظومة أمن الطيران المدني ينبغي أن يراعي بصورة صارمة المعايير الدولية والاشتراطات الفنية المعمول بها في المطارات المدنية.
و يأتي الجدل في وقت يواجه فيه قطاع الطيران السوداني تحديات استثنائية منذ اندلاع الحرب، شملت تضرر البنية التحتية وتعطل عدد من المطارات، فضلاً عن محدودية التشغيل وضرورة استعادة ثقة شركات الطيران والمنظمات الدولية في بيئة الطيران السودانية.
و رغم أن إسناد بعض المهام الأمنية إلى القوات النظامية قد يُطرح باعتباره استجابة للظروف الأمنية الاستثنائية، فإن مختصين في مجال أمن الطيران يرون أن أمن الطيران المدني تخصص مهني وفني له متطلبات تختلف عن مهام الأمن العسكري التقليدية.

معايير دولية لا تحتمل الاجتهاد
يرتبط أمن الطيران المدني بصورة مباشرة بمنظومة المعايير التي تضعها منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، ولا سيما الملحق السابع عشر (Annex 17) الخاص بأمن الطيران.
و تقوم منظومة أمن الطيران على وجود برنامج وطني واضح، وتحديد دقيق للمسؤوليات، وتدريب وتأهيل العاملين، وإجراءات تفتيش و مراقبة تتوافق مع طبيعة المخاطر التي تستهدف الطيران المدني.
و يرى مراقبون أن أي تغيير في الجهات المسؤولة عن تنفيذ إجراءات أمن الطيران في المطارات السودانية يجب ألا يتم بمعزل عن سلطة الطيران المدني أو خارج الإطار التنظيمي والفني المعتمد دولياً، حتى لا يترتب عليه أي تأثير على تقييم السودان في برامج التدقيق الأمني الدولية.

المخاوف من ارتفاع مخاطر التشغيل
و لا تتوقف تداعيات أي تغيير في منظومة أمن المطارات عند الجانب التنظيمي، إذ ترتبط قرارات شركات الطيران أيضاً بمستويات المخاطر الأمنية والتشغيلية والتأمينية.
و يقول مختصون إن شركات الطيران وشركات التأمين تضع بيئة التشغيل والأمن في الاعتبار عند تحديد جدوى الرحلات وتكاليف التأمين، الأمر الذي يجعل استقرار منظومة أمن الطيران والتزامها بالمعايير الدولية عاملاً مهماً في جذب الناقلات الأجنبية والحفاظ على خطوط الربط الجوي مع السودان.
و بالتالي، فإن أي خطوة ينظر إليها دولياً باعتبارها تراجعاً في منظومة أمن الطيران المدني قد تؤثر سلباً على فرص توسيع التشغيل الجوي، خصوصاً في مرحلة يسعى فيها السودان إلى إعادة بناء قطاع الطيران و استعادة حركة الملاحة الدولية.

أمن الطيران ليس بديلاً عن الأمن العسكري
و يشير متخصصون إلى وجود اختلاف جوهري بين الأمن العسكري و أمن الطيران المدني.فأفراد أمن الطيران يتلقون تدريبات متخصصة تتعلق بتفتيش المسافرين و الأمتعة، و استخدام أجهزة الكشف و الفحص، والتعامل مع المواد الخطرة والمتفجرات، والتعرف على أساليب التهديد والتدخل غير المشروع في الطيران، إضافة إلى تطبيق إجراءات أمنية دقيقة داخل المطارات.
و في المقابل، فإن التدريب والعقيدة العسكرية يركزان على التعامل مع التهديدات الأمنية والعسكرية وفق طبيعة المهام الموكلة للقوات المسلحة والأجهزة النظامية.

مصطفى سليمان يكتب: وعود 27 أغسطس تتبخر .. والإضراب يلوح في أفق شركة مطارات السودان
و لا يعني ذلك بالضرورة أن وجود القوات النظامية في المطارات يمثل مشكلة في حد ذاته، فالمطارات تحتاج بطبيعتها إلى مستويات متعددة من الحماية الأمنية، لكن المسألة الأساسية تكمن في الفصل الواضح بين مهام الحماية الأمنية العامة ومهام أمن الطيران المتخصصة، مع ضمان التنسيق بين مختلف الجهات.

مخاوف من تعدد المرجعيات
و من أبرز التحديات التي يمكن أن تنشأ في حال إعادة توزيع اختصاصات أمن الطيران دون إطار تنظيمي واضح، مسألة تعدد المرجعيات داخل المطار.
فالمطار بيئة شديدة الحساسية تتطلب تحديداً دقيقاً للجهات المسؤولة عن التفتيش، والدخول إلى المناطق المقيدة، ومراقبة العاملين، وفحص الأمتعة والشحنات، والاستجابة للتهديدات.
ويعد وضوح الصلاحيات وتوحيد الإجراءات من العناصر الأساسية في أي منظومة أمنية فعالة، خصوصاً أن إجراءات التفتيش يفترض أن تطبق وفق معايير موحدة على المسافرين والعاملين والجهات المختلفة دون استثناءات غير مبررة.

بين الحاجة الأمنية ومتطلبات الطيران المدني
و يرى مراقبون أن الظروف الأمنية التي يمر بها السودان تفرض تعزيز حماية المطارات، وليس إضعافها، لكن تعزيز الأمن لا يعني بالضرورة تحويل منظومة أمن الطيران المدني إلى منظومة عسكرية.
فالخيار الأكثر انسجاماً مع طبيعة الطيران المدني، وفق هذا الطرح، يتمثل في تقوية إدارات أمن الطيران، وزيادة أعداد العاملين المؤهلين، و تحديث أجهزة التفتيش والمراقبة، ورفع مستوى التدريب، وتحسين التنسيق بينها وبين القوات النظامية والأجهزة الأمنية الموجودة في المطارات.
و تبقى القوات النظامية جزءاً مهماً من المنظومة الأمنية العامة للمطار، خصوصاً في مواجهة التهديدات الخارجية وحماية المنشآت، لكن تنفيذ مهام أمن الطيران المتخصصة ينبغي أن يستند إلى الكفاءة الفنية والتأهيل والمرجعية التنظيمية الواضحة.

الحفاظ على بوابة السودان إلى العالم
و يواجه السودان في المرحلة المقبلة تحدياً أكبر من مجرد تأمين المطارات؛ إذ يحتاج إلى إعادة بناء قطاع الطيران وفق أسس تتيح استعادة ثقة شركات الطيران والمنظمات الدولية والمستثمرين.
ومن هنا، فإن أي مقترح يتعلق بإعادة هيكلة أمن الطيران يحتاج إلى دراسة دقيقة من الجهات المختصة، تشمل الجوانب الأمنية و القانونية و الفنية، و مدى توافقه مع متطلبات منظمة الطيران المدني الدولي، و تأثيره المحتمل على التشغيل والتأمين وحركة شركات الطيران.

و في ظل الظروف الحالية، تبدو الحاجة أكبر إلى تطوير منظومة أمن الطيران المدني لا استبدالها، وإلى بناء شراكة واضحة بين سلطة الطيران المدني والأجهزة الأمنية والعسكرية، بحيث تقوم كل جهة بدورها وفق اختصاصها، مع وجود تنسيق فعال يمنع الثغرات وتداخل الصلاحيات.
فالمطار ليس مجرد منشأة أمنية؛ بل هو بوابة السودان إلى العالم، و أي قرار يمس منظومة أمنه و سلامته يجب أن يُقاس أولاً بقدرته على حماية المسافرين و الطائرات، و الحفاظ على استمرارية التشغيل، و عدم إبعاد السودان عن منظومة الطيران المدني الدولية.

طيران بلدنا

Exit mobile version