أبشر حسين يكتب: عَوَج الدرب… ما بين معاوية التجاني سعد والموسم المسرحي بالمسرح القومي بأم درمان

عَوَج الدرب… ما بين معاوية التجاني سعد والموسم المسرحي بالمسرح القومي بأم درمان

أبشر حسين

قد يبدو العنوان غريبًا للوهلة الأولى: ما العلاقة بين معاوية التحاني سعد والمسرح القومي بأم درمان؟
الأول سليل أسرة التحاني سعد، تلك الأسرة العريقة المعروفة بالكرم و المحافظة على القيم والتقاليد، وهو سبط مك وعمدة الجعليين بأم درمان، عباس رحمة الله؛ فأمه كلتوم بنت العمدة عباس رحمة الله.

أبشر حسين يكتب: عبد الرحمن كرز… رجلٌ من الزمن الجميل

وكغيره من أفراد الأسرة، كان معاوية مشهورًا بالكرم الشديد، هو وإخوته. كان منزلهم مفتوحًا للضيوف، وكان كرمهم يتجاوز مجرد إطعام الطعام إلى مستوى راقٍ من حسن استقبال الضيف وإكرامه، والوقوف إلى جانب الناس، والسعي في حل مشاكلهم. كان بيت التحاني سعد دارًا مفتوحة للناس، ومنارة للوعي ونشر العلم والثقافة. تعلمنا منهم الكثير، وكانت جلساتهم وونساتهم مدرسة قائمة بذاتها، د. زهير ،استاذ مبارك،صالح ،مولانا على، مبارك التجاني، سعد ،الرشيد ،فيصل ومعتصم فكان لهم دور كبير في فتح دروب المعرفة أمامي وأمام أصدقاء معاوية. كانت تلك المجالس تجمع بين الأنس والفائدة؛ نضحك ونتسامر، وفي الوقت نفسه نتعلم ونستمع إلى أحاديث توسع مداركنا وتفتح أمامنا نوافذ جديدة على الحياة والثقافة والمجتمع.
ومن هنا جاء لقب «عَوَج الدرب» الذي أطلقناه على معاوية التحاني،فكل من يعرف معاوية وإخوته، إذا كان مارًا بأحد شوارع بانت، لا يمرّ مرورًا عابرًا؛ بل يعرج إلى منزل التحاني سعد. وهكذا لم يعد «عوج الدرب» مجرد وصف لحركة في الطريق، بل أصبح لقبًا لمعاوية؛ فكرمه كان يجعل الناس يغيّرون طريقهم ويخرجون عن مسارهم المعتاد ليصلوا إليه. أصبح الرجل مقصدًا، وصار بيته محطة لا يستغني عنها من عرفه وألف مجلسه.
ومن هنا تأتي المفارقة الجميلة مع المسرح القومي بأم درمان. كان للمسرح القومي موسم مسرحي يمتد عدة أشهر في السنة، تُعرض خلاله العديد من المسرحيات، وكان الموسم المسرحي في حد ذاته حدثًا ينتظره الناس. ولم يكن المسرح مجرد مكان لمشاهدة عرض، بل كان مناسبة اجتماعية وثقافية وفنية تلتقي فيها أم درمان والخرطوم، ويتجمع حولها الناس من مختلف الأحياء.
وأذكر أنه خلال الموسم المسرحي كانت هناك مواصلات مخصصة لنقل رواد المسرح من المحطة الوسطى بالخرطوم إلى المسرح القومي بأم درمان. وكان خط المواصلات يسلك طريقًا يمر بالشارع الواقع بين حديقة الموردة والنيل، أي أنه كان يخرج قليلًا عن الطريق المعتاد بين حديقة الموردة وسوق الموردة؛ وكأنه «يعوّج الدرب» حتى يصل إلى المسرح القومي.
وهنا تكتمل الحكاية: معاوية كان يعوّج الناس الدرب إليه، والمسرح القومي كان يعوّج المواصلات الدرب إليه. الأول كان يجذب الناس بكرمه وأنسه وثقافته، والثاني كان يجذبهم بالفن والمسرح والمعرفة والمتعة. والمهم في تاريخ المسرح القومي أن الموسم المسرحي نفسه أصبح جزءًا من ذاكرة أهل أم درمان؛ فلم يكن مجرد عرض مسرحي، وإنما مناسبة اجتماعية وفنية ينتظرها الناس، خصوصًا في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات.
كان المسرح القومي أشبه بمنارة تجمع الناس حولها. وعلى خشبته شاهدنا أسماءً أصبحت جزءًا أصيلًا من ذاكرتنا الفنية، وفي مقدمتها الفكي عبد الرحمن، والفاضل سعيد، ومكي سنادة، وحمدنا الله عبد القادر،حسن عبد المجيد،بدر الدين هاشم،هاشم صديق، وفايزة عمسيب،الهادى صديق،على مهدى،عوض محمد،عثمان قمر الانبياء، وتحية زروق، وبلقيس عوض ،محمد شريف ،عوض صديق، وعبد العزيز العميري،عبد الواحد عبدالله، وتماضر شيخ الدين.عبد الرحمن الشبلى،عبد الحكيم الطاهر،قرنى،جلال البلال،احمد سليمان، النجاشى، والسمانى ويحيى والسديم، وفرقة الاصدقاء وغيرهم من الفنانين الذين جعلوا خشبة المسرح حياةً تتحرك أمام أعيننا(ومن الجيل ( من الرواد خالد ابو الروس،ميسرة السراج، وعثمان حميدة،احمد عثمان وعثمان النصيرى،السر قدور وابراهيم شداد).
وكانت مسرحيات مثل المك نمر، سنار المحروسة، إبليس،المنضرة، أكل عيش، الكسكتة، الفي راسو ريشة، نحن كده، النصف الحلو، على عينك يا تاجر، وخطوبة سهير من الأعمال التي ارتبطت بذاكرة المسرح السوداني وجمهوره، ثم اتسعت التجربة لتشمل نصوصًا عربية وعالمية، فأصبح المسرح القومي نافذة نطل منها على عوالم تتجاوز أم درمان والسودان.
ولم يكن جمهور المسرح يأتي إليه لمشاهدة المسرحية فقط؛ كان الذهاب إليه جزءًا من الحياة الاجتماعية نفسها. تخرج من بيتك، تلتقي الأصدقاء، تركب المواصلات، تعبر إلى أم درمان، ثم تجلس وسط جمهور تعرف معظمه ، وتعيش لحظات من الضحك والدهشة والتأمل. وبعد انتهاء العرض، تعود إلى بيتك وفي رأسك مشاهد وحوارات وشخصيات تظل معك أيامًا.
وحين أتأمل الآن هذه التفاصيل الصغيرة التي كانت تبدو لنا عادية في ذلك الوقت، أكتشف أنها كانت تصنع ذاكرة مدينة بأكملها.
كان بيت التحاني سعد أحد تلك البيوت التي تصنع الذاكرة، وكان المسرح القومي أحد تلك الأماكن التي تصنعها أيضًا.
معاوية التحاني سعد كان «عَوَج الدرب» إلى الكرم والأنس والمعرفة، والمسرح القومي كان «عَوَج الدرب» إلى الفن والثقافة والمتعة. فكلاهما كان مقصدًا يجعل الناس تغيّر طريقها.
وهكذا، في ذلك الزمان الجميل، كان هناك عَوَج درب إلى معاوية التحاني، وعَوَج درب إلى المسرح القومي؛ وكأن أم درمان كانت تعرف أن أجمل الأشياء في الحياة ليست دائمًا على الطريق المستقيم، وأن بعض الطرق لا بد أن نعوجها قليلًا حتى نصل إلى الناس الذين نحبهم، والأماكن التي نحبها. وهكذا لم تكن أم درمان مدينةً تسكنها الذكريات؛ كانت هي نفسها ذاكرة تمشي في شوارعها.
من الموردة إلى الصابرين، ومن خور أبو عنجة إلى بانت، ومن بيت التحاني سعد إلى المسرح القومي، كانت الأماكن ترسم للطفولة والشباب خرائط لا يستطيع الزمن محوها.
ذلك هو «عَوَج الدرب» الذي بقي مستقيمًا في الذاكرة.
بروف ابشر حسين(شاهد على الزمن الجميل)

Exit mobile version