أبشر حسين يكتب: عبد الرحمن كرز… رجلٌ من الزمن الجميل


عبد الرحمن كرز… رجلٌ من الزمن الجميل
أبشر حسين
صديقي عبد الرحمن كرز رجلٌ من الزمن الجميل، وكريمٌ من الكرماء. عرفته أول الأمر من بعيد عن طريق أبناء خالته، ثم توثقت علاقتي به في مناسبتين لا أنساهما.
كانت الأولى عندما نزلت ضيفًا عليهم في مدينتهم (كرقس)، حيث استضافونا في منزل الأسرة عدة أشهر، فاستمتعنا بكرمهم الفياض وجودهم الذي لا يدانيه حد، وشعرنا أننا بين أهلنا لا بين مضيفين.
أبشر حسين يكتب: بيت العزاء… حين كانت أم درمان تتقاسم الحزن
أما الثانية، فكانت خلال إقامتنا في (بيت النمل) بنسختيه الأولى والثانية، في حي الضباط ثم الموردة، عندما كان كرز طالبًا بجامعة القاهرة فرع الخرطوم.
كان كرز – كما نناديه جميعًا دون أن نذكر اسمه الأول – حادَّ الذكاء، مدهشَ القدرة على التركيز في القراءة لساعات طويلة. ولا أنسى ذلك اليوم الذي أعطيته فيه رواية “مئة عام من العزلة” للروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز في الصباح، فلما عدت من الجامعة عصرًا وجدته قد فرغ منها كاملة. ولم يكتفِ بذلك، بل أخذ يفند أحداثها ويحلل شخصياتها، كأنه قرأها مرات عديدة من قبل.
كان يمنحك في مظهره انطباع الرجل البدوي البسيط، ولكن ما إن تغوص في أعماقه حتى تدرك أنك أمام رجل هضم الحياة، وعرف دروبها، واختزن في داخله خبرات ثرية وثقافة واسعة، لا يحتفظ بها لنفسه، بل يمارسها سلوكًا اجتماعيًا، وينقلها إلى الآخرين. وذلك هو ديدن المثقف الحقيقي، بل المثقف الثوري.
علق كرز يومًا على أحد منشوراتي، فقال إن أبشر كان كثير الصمت، يفضل الاستماع إلى الآخرين دون مقاطعة.
والحقيقة يا كرز، أنك نسيت كم كان عمرنا آنذاك. كنا في مطلع العشرينيات، فكيف لي ألا أصمت وأنا أجلس مستمعًا إلى القدال وهو يلقي على مسامعنا (مسدار أبو السرة لليانكي)، بينما تتوالى مداخلات وأسئلة سامي سالم ومحمد علي؟
وكيف لي أن أتكلم ونحن نستمع إلى الخطابات المتبادلة بين (ست الدار) والزين على لسان حميدة؟ وكيف أجرؤ على الخوض في البنيوية وأنا أحدق في وجه الخواض، محاولًا أن ألتقط خيوط ذلك العالم الفكري؟
وكيف أفهم الحداء والإلقاء المذهل عند إلياس فتح الرحمن، وصيحات “ريتا” في آهات عبد المنعم رحمة، وثوريات الكلمة، والرمزية، والهتافية عند محمد عبد الخالق وأبي ذر الغفاري؟
بل حتى عندما كان معتصم أزيرق يغني، كنت أشعر أنني في حاجة إلى قواميس كاملة لأفك طلاسم ذلك الإدهاش.
أتذكر تلك العصرية التي أمتعنا فيها محجوب شريف بحكاويه الجميلة، التي كانت تمنحك الإحساس بأنك شريك في الفعل الإنساني الذي كان يصنعه ذلك الرجل النبيل؟
كيف لا أكون صامتًا وأنا في محراب أولئك المبدعين؟ كنت أخشى أن تفوتني كلمة، أو يضيع مني معنى، فأفقد ترانيم الغناء المنغم، والشعر النبيل، والحكايات التي أنارت لنا الطريق، وأسهمت في تشكيل وعينا بالحياة والإنسان.
شكرًا لك يا كرز… على حسن الصحبة، وعلى تلك الأيام التي ما زالت تنبض بالحياة كلما مرّت بخاطرى.
بروف ابشر حسين
