الطاهر ساتي يكتب: حريةُ الفوضى ..!!

:: تُعاقب قوانين أمريكا وبريطانيا من يغلق الطرقات ويعطل حركة السيارات بالسجن والغرامة.. لك حق حشد أنصارك في الساحات، والتعبير عن غضبك بما تشاء من الهتاف، ويُعاقبونك في حال تعطيلك مصالح الآخرين بإغلاق الطرق، ولذلك هي دولٌ غير ديمقراطية..!!
:: ولكن في جمهورية السودان الديمقراطية، يستطيع المواطن إغلاق الطرق بمنتهى الحرية والسلام والعدالة..وبالأمس أغلق بعض أهل جبيت بشرق السودان الطريق القومي، احتجاجاً على برمجة قطوعات الكهرباء، ولم تفعل السلطات أي شيء، لأن الدولة ديمقراطية، أي ليست شمولية مثل أمريكا..!!

الطاهر ساتي يكتب: = من أرشيف اليوم العاشر للحرب .. ( تكتيك الغادر )

الطاهر ساتي يكتب: الكودة.. شكراً لهذا النجاح..!!

الطاهر ساتي يكتب: الثروة المبددة..!!
:: يكفي السرد الساخر لما يحدث هنا وهناك، ونبدأ الحقيقة المُرّة.. فبغض النظر عن عدالة القضية من عدمها، فإن ما يتوهمه بعض أهل جبيت وهم يغلقون الطريق، بمظنة أن هذا نوع من “حرية التعبير”، ليس في الواقع سوى “فوضى كاملة الدسم”، وإدمانها يُدمر ما تبقى من دولة..!!
:: و غياب هيبة القانون وصمت السلطات أمام تتريس شرايين البلاد، لا يعكس نظاماً ديمقراطياً معافى كما يتوهم البعض، بل يجسد حالة من السيولة الأمنية والسياسية التي تدفع ثمنها لقمة عيش المواطن البسيط، وصحة المرضى المارّة أدويتهم وأغذيتهم بتلك الطرقات..!!
:: فليكن غضب أهل جبيت مشروعاً، ولنقل إن قرار إدارة الكهرباء بإدراج مدينتهم في برمجة القطوعات خاطئ، ولكن هل تداوى العلة بالعلة؟، وهل تُعالج الأزمة بالأزمة؟ أم أن إغلاق الطرق لم يعد يسبب الأزمات؟.. والمعاناة لن تطال المسؤول، بل سيتجرعها العالقون في هجير الطريق..!!
:: :: ثم إن أزمة الكهرباء في بلادنا عامة، تضرب الخرطوم وكل ولايات السودان، وهي أزمة إدارة، وشح موارد، وسوء تخطيط، وبرمجة القطوعات تشمل الجميع بـ”التساوي” وبلا استثناء لأي مدينة، فبماذا تتميز جبيت عن الجميع، بحيث لا تُدرج في البرمجة..؟؟
:: تعطيل مصالح العباد، وإيقاف شاحنات البضائع، ليس تعبيراً عن رأي، بل هو اعتداءٌ على حقوق الناس وحرياتهم في الحركة والحياة، وسلوكٌ لا يقبله دينٌ أو منطق، فلا يمكن أن تطالب بحقك في “الضوء” عبر سلب الآخرين حقهم في “المرور”..!!
:: وسائل التعبير السلمي كثيرة؛ كالاعتصام أمام مكاتب الشركة، ثم تقديم المذكرات الاحتجاجية, وهكذا.. أما “تتريس” الطرق القومية، فهو سلوك يضر بالوطن والمواطن، ومن المحن أن يضر بمن (يِتَرِّسون) أيضاً، ولكنهم لا يشعرون أنهم يحرقون أصابعهم بأيديهم..!!
:: فلينتبهوا، ليس أهل جبيت فحسب، بل كل أهل السودان، و(يتعظوا)، ويتعلموا من دروس مرحلة العبث التي ساقت البلد الى الحرب .. ليس كل حجر يوضع في منتصف الطريق بطولة ونضالاً، فلقد تحولت المتاريس في بلادنا من درع يحمي الثوار إلى خنجر يطعن خاصرة البلاد ..!!
:: نعم، كان الترس فكرة نبيلة، حجراً صغيراً يمنع عربات الأمن والشرطة من الدخول إلى الأحياء ومطاردة الشباب، أي كان الترس يحمي ظهر الشباب من الخراطيش وصدورهم من الرصاص، ولكن تم تحويله إلى عقوبة جماعية يفرضها المحتج على جاره قبل أن يفرضها على حاكمه..!!
:: أي منطق هذا الذي يجعلنا نعاقب سائق عربة يبحث عن قوت يومه، ونمنع مريض الكلى من الوصول إلى المستشفى، ونحرم الأسواق من السلع بحجزها في الطرق، ثم نسمي كل ذلك نضالاً؟.. لنرفع المتاريس من عقولنا قبل شوارعنا، فالوطن لا يُبنى بحجر يسد الطريق، بل بفكرة تفتحه..!!




الطاهر ساتي

كاتب صحفي ومحلل سياسي سوداني عمل بعدد من الصحف السودانية من بينها صحيفة الصيحةش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.