تصاعدت وتيرة الوضع الميداني والإنساني في السودان بشكل لافت، خصوصاً في إقليم النيل الأزرق، مع تزايد استخدام الطائرات المسيرة تزامناً مع تحذيرات أممية بالغة الخطورة بشأن الانهيار الوشيك لمنظومة المساعدات الإنسانية في البلاد.
وتعرضت مدينة الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق، لهجوم بالطائرات المسيرة التابعة لقوات “الدعم السريع” لليوم الثاني على التوالي، بعد الهجوم الأول المماثل الذي شنته، أول من أمس الأحد. وأكد شهود أن الهجمات تجددت على المدينة، في حين لم تصدر جهات رسمية أي بيان بخصوص هذا الهجوم حتى اللحظة لمعرفة حجم الأضرار التي وقعت. وتسببت هجمات الطائرات المسيرة ليل الأحد في مقتل شخص على الأقل، وتدمير محطة وقود ومبان أخرى في المدينة.
الجيش يؤكد بقاء جبل كدم تحت سيطرته بعد إعلان الدعم السريع
من الذى قاد مخطط تفكيك الجيش السودانى ؟!…وماهو موقف الدولة من القوات (المشتركة) …
الجيش السوداني يتصدى لمسيرات استهدفت أم درمان والخرطوم
وقالت حكومة إقليم النيل الأزرق، في بيان، إن الأوضاع الأمنية في مدينة الدمازين تحت السيطرة، مشيرة إلى أن القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها في حال استعداد للتعامل مع محاولات استهداف المدينة بالطائرات المسيرة. وأشار البيان “إلى أن الأجهزة المختصة تتابع محاولات العدو استهداف الدمازين بالطائرات المسيرة”، مؤكداً جاهزية الجيش ممثلاً في الفرقة الرابعة – مشاة التي تتخذ الدمازين مقراً لها للتعامل مع أي تهديدات أمنية. وحث البيان المواطنين على عدم الانسياق وراء الإشاعات والأخبار المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، ودعاهم إلى استقاء المعلومات من المصادر الرسمية والموثوقة، ومواصلة حياتهم بصورة طبيعية.
وكان رئيس هيئة أركان الجيش الفريق أول ياسر العطا اتهم إثيوبيا بالسعي إلى استغلال الحرب المندلعة في البلاد للتوسع داخل الأراضي السودانية والسيطرة على مناطق حدودية، وربط بين اتهامات الخرطوم السابقة لأديس أبابا بدعم “الدعم السريع” وبين ما وصفه بمخطط إثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر. وقال العطا في تصريحات صحافية، إن إثيوبيا تحاول استغلال ظروف الحرب، من أجل السيطرة على أراضٍ ومناطق سودانية، من بينها الفشقة وجبل حلاوة وقيسان والكرمك والدمازين، وبيّن أن هذه المحاولات قد تكون جزءاً من مخطط إثيوبي أوسع للوصول إلى البحر الأحمر، مؤكداً أن الخرطوم لن تسمح بتنفيذه.
غارات جوية
في سياق متصل، شهدت جبهات القتال في ولايات كردفان تصعيداً في العمليات العسكرية تمثل في غارات جوية للجيش واشتباكات ميدانية في إطار مساعي الأخير للانتقال إلى وضعية الهجوم وتوسيع نطاق السطوة والسيطرة. وبحسب مصادر عسكرية، فإن الطيران الحربي التابع للجيش شن غارات جوية مكثفة على تمركزات ومتحركات تابعة للجماعة في منطقة صريف عنكوش الواقعة بين مدينتي الخوي وأبو زبد بولاية غرب كردفان. وأشارت المصادر ذاتها إلى أن الغارات أسفرت عن خسائر بشرية في صفوف القوات المعادية، فضلاً عن تدمير عدد من المركبات القتالية.
من ناحيته، أكد قائد العمل الخاص بكردفان محمد ديدان أن سلاح الجو التابع للجيش تمكن خلال سبتمبر (أيلول) الجاري من اعتراض جميع تحركات “الدعم السريع” في محاور كردفان و”سحق ثلثي قواتها التي كانت تناور في هذه المحاور”، وأوضح أن الجماعة تراهن الآن فقط على تجميع مجموعات صغيرة وتعتمد على الاستنفار المباشر والمرتزقة الأجانب القادمين من ليبيا وجنوب السودان وإثيوبيا، و”في كل مرة تحتاج إلى أشهر لتجميع متحرك ثم يقضي عليه سلاح الجو في لحظات”.
يأتي ذلك في وقت يواصل الجيش فرض معادلة ميدانية جديدة بعد التقدم الاستراتيجي الأخير الذي حققه بالسيطرة على منطقة حمرة الوز في شمال كردفان، مما أسهم في تأمين طرق الإمداد والصادرات وتشديد الحصار على تحركات “الدعم السريع”.
وضع كارثي
في الأثناء، يشهد إقليم دارفور وضعاً عملياتياً وإنسانياً كارثياً متأثراً باستمرار المواجهات العسكرية بين الجيش و”الدعم السريع” إذ تتواصل المعارك في محاور عدة، خصوصاً في ولاية شمال دارفور ومحيط الفاشر، مما أدى إلى موجات نزوح جديدة ومتكررة من القرى والمناطق المتضررة، مع تصاعد أزمة الغذاء.
وتستقبل مخيمات طويلة، الخاضعة لسيطرة حركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور، هذه الأيام، أعداداً كبيرة من النازحين فروا من قرى متفرقة بشرق الفاشر جراء الجوع والعطش وانعدام الأمن. وأشار عدد من هؤلاء النازحين إلى أن الأوضاع الأمنية والمعيشية في ريف الفاشر عموماً، ودار سميات بشكل خاص، باتت مزرية ولا تطاق، لافتين إلى أن هذه الأوضاع دفعتهم إلى الفرار من قراهم بحثاً عن الأمن والغذاء والدواء والخدمات الأساسية، في ظل ضعف الأمطار وتداعيات الجفاف على السكان والثروة الحيوانية، وسط غياب المنظمات العاملة في المجال الإنساني. في حين قالت السلطة المدنية التابعة لحركة تحرير السودان بدائرة طويلة إن المنطقة استقبلت الأحد أفواجاً جديدة من النازحين الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم نتيجة استمرار الأوضاع الأمنية والإنسانية الصعبة. ونوهت بأن هذه الموجة الجديدة تأتي في وقت تواجه دائرة طويلة ضغوطاً متزايدة على الخدمات والموارد المتاحة، مع تزايد احتياجات النازحين إلى الغذاء والمياه ومستلزمات الإيواء والرعاية الصحية والحماية.
نفوق الماشية
في المنحى ذاته، أكدت غرفة طوارئ منطقة جبل عيسى بمحلية المالحة بولاية شمال دارفور نفوق 420 رأساً من الماشية بسبب المكوث، فترات طويلة، من دون مياه على إثر شح الأمطار هذا الموسم. وعزا رعاة الماشية سبب نفوق الماشية إلى الجفاف، وحالات التعرض للحرارة أثناء العطش، والبحث عن المياه، والسير مسافات طويلة والإنهاك. وقالت الغرفة إن بعض الرعاة الذين يملكون 80 رأساً فقدوا نحو 90 في المئة من ماشيتهم بسبب الجفاف، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة حدثت سابقاً عام 2012، وأضافت أن “هطول الأمطار لم يسهم في تدارك الوضع الصحي لهذه القطعان”.
وكانت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) قد حذرت من توجه مجموعات من رعاة الماشية إلى مناطق أخرى بحثاً عن المراعي بسبب الجفاف مما يعرضهم إلى خطر الألغام والمتفجرات.
انهيار وشيك
في السياق، حذرت المنظمة الدولية للهجرة من انهيار وشيك للنظام الإنساني في السودان خلال أسابيع، جراء نقص التمويل وتزايد الاحتياجات الإنسانية نتيجة استمرار العمليات العسكرية والهجمات، إلى جانب تداعيات موسم الأمطار. وأفادت المديرة العامة للمنظمة إيمي بوب بأن النظام الإنساني قد ينهار بالكامل إذا لم يتوفر تمويل جديد، في ظل احتدام الصراع وتزايد معدلات النزوح في البلد الذي تكاد حربه تكمل عامها الرابع.
وقالت المنظمة، في بيان، إن نطاق تغطية خط الإمداد الإنساني المشترك الذي تديره يتقلص، على رغم بقاء الاحتياجات الإنسانية عند مستويات قياسية، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى 15 مليون دولار للحفاظ على الحد الأدنى من القدرة التشغيلية لخط الإمداد لمدة 12 شهراً، بما يتيح دعم 305 آلاف شخص. ويرفع توفير 27 مليون دولار القدرة إلى نحو 570 ألف شخص، بينما يتيح تمويلاً بقيمة 42 مليون دولار توسيع العمليات لتقديم دعم فوري لما يصل إلى مليون شخص.
وحذرت المنظمة من أن أي تعطل في عمل خط الإمداد المشترك الذي يعد نظاماً لوجستياً للأمم المتحدة وشركائها لإيصال مواد الإغاثة الطارئة، ويشكل إحدى الركائز الأساسية للاستجابة الإنسانية في السودان، سيضعف قدرة أكثر من 100 شريك يستخدمون النظام على إيصال المساعدات المنقذة للحياة، فيما ستكون إعادة بناء النظام بعد انقطاعه معقدة ومكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً. ولفتت المنظمة إلى أن نقص المأوى يزيد أخطار الأمراض والعنف القائم على النوع الاجتماعي وتفكك الأسر والإخلاء من مواقع الإيواء المكتظة، ويرفع احتمال حدوث نزوح ثانوي بسبب الفيضانات في مواقع تجاوزت طاقتها الاستيعابية. وتوقعت نفاد المخزونات الحالية من مواد الإيواء والصرف الصحي ومستلزمات الإغاثة المنزلية الطارئة بحلول نهاية سبتمبر الحالي، بينما لا يمكن الحفاظ على القدرات التشغيلية والتخزينية لخط الإمداد إلا حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
وفي ظل التوقعات بنفاد مخزون مواد الإغاثة بحلول نهاية سبتمبر، أكدت المنظمة أن توفير التمويل خلال الفترة المقبلة سيكون حاسماً للحفاظ على قدرة آلية الإمداد الطارئ على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة الناجمة عن النزاع وموسم الأمطار في السودان.
وتشير إحصائيات المنظمة إلى أن عدد النازحين داخلياً يبلغ نحو 8.6 مليون شخص، إلى جانب 4.9 مليون عادوا من دول الجوار خلال الفترة الماضية.
