في يوم الأحد الماضي، انهارت خمس آبار متلاصقة في منجم “الزرع” التقليدي بمنطقة “الرقيق” في محلية النهود بولاية غرب كردفان، مما أدى إلى دفن عشرات العمال تحت الأرض، في واحدة من أسوأ كوارث التعدين في البلاد.
وبحلول الأربعاء، ارتفعت حصيلة الضحايا إلى أكثر من 80 قتيلا و50 مصابا، وفق ما أكده مسؤول الإعلام بغرفة طوارئ النهود سليمان أبو حميد للجزيرة نت. بينما لا يزال عدد غير معروف من المُعدّنين تحت الأنقاض.
60 قتيلاً بانهيار منجم ذهب في السودان.. وبحث عن عالقين
مصرع 15 عاملاً إثر انهيار منجم ذهب شمال السودان.. والشركة تكشف تفاصيل الحادث
وتشير المعلومات الأولية إلى أن مياه الأمطار التي تسربت إلى الآبار المتقاربة أدت إلى انهيار سلسلة منها، في وقت أشار فيه الناجون إلى أن الآبار كانت متلاصقة لدرجة أن انهيار واحدة جرف ما جاورها.
مأساة إنسانية
ويقول أحمد سليمان الخير، وهو أحد الناجين، للجزيرة نت إن “عمليات الإنقاذ استمرت طوال الليل باستخدام الأدوات البدائية نفسها التي نستخدمها في عملنا اليومي”. وأضاف: “لا نعرف كم شخصا لا يزال داخل الآبار، لكننا نسمع أصواتهم تضعف مع مرور الوقت”.
ووفق مسؤول الإعلام بغرفة طوارئ النهود، فإن أربعة ناجين مصابين بكسور متفاوتة جرى انتشالهم من المناجم المهدمة ونقلهم إلى مناطق أم بادر وفوجا قرب النهود، محذرا من أن غياب خدمات الرعاية الصحية في المدينة، بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها، يفاقم الكارثة، على حد قوله.
وأدانت شبكة أطباء السودان، في بيان صادر الأربعاء، ما وصفته بالإهمال الذي عرّض حياة العاملين للخطر، مؤكدة أن “التعدين في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، مع غياب اشتراطات السلامة ووسائل الحماية والإنقاذ، يشكّل خطرا مباشرا على حياة المدنيين”.
سلسلة انهيارات
ولم تكن كارثة منجم الزرع الأولى من نوعها، بل هي الحلقة الأحدث في سلسلة من الانهيارات الدامية التي تشهدها مناجم التعدين التقليدي أو عمليات البحث البدائية عن الذهب والمعادن في السودان.
ففي 23 يناير/كانون الثاني 2026، لقي 13 مُعدّنا مصرعهم وأُصيب 6 آخرون إثر انهيار خمس آبار مهجورة في منجم “أم فكرون” بمحافظة أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان، بعدما تسلل إليها بعض المعدنين وعملوا فيها بصورة غير مقننة، عقب قطع دعامات الآبار.
وفي 14 أبريل/نيسان 2026، لقي 6 معدنين مصرعهم إثر انهيار منجم للتنقيب العشوائي عن الذهب في منطقة “كليتي “التابعة لمحلية القنب والأوليب بولاية البحر الأحمر، وسط صعوبات بالغة واجهت عمليات البحث بسبب انعدام آليات الإنقاذ المدني.
وفي 5 يوليو/تموز 2026، قُتل 15 معدنا وأصيب آخر إثر انهيار منجم “محمد توفيق ” للتنقيب عن الذهب في منطقة سمنة بمحافظة وادي حلفا بولاية الشمالية، رغم صدور قرار بإغلاقه بعد تقييمات فنية أثبتت خطورته، وفقا لما أعلنته الشركة السودانية للموارد المعدنية.
عمق قاتل
ويكشف المسؤول الإعلامي أبو حميد أن “الآبار التي انهارت يبلغ عمقها نحو 200 متر، وهذا العمق الهائل يجعل أي عملية إنقاذ بالأدوات البدائية شبه مستحيلة”.
وينزل المعدنون، وفق المسؤول الإعلامي، إلى هذه الأعماق يوميا بحثا عن لقمة عيشهم، بلا أية وسائل حماية أو تهوية أو إضاءة آمنة، “ومع انهيار هذه الآبار، لم يعد أمامنا سوى الانتظار وانتشال الجثث واحدة تلو الأخرى”.
ولفت إلى وجود إصابات بين من حاولوا إنقاذ الآخرين، وأن أغلبية العاملين في المنجم من دارفور وكردفان، مشيرا إلى أن المنطقة شهدت خلال الفترة الماضية انهيارات، “إلا أن هذا العام هو الأسوأ”.
ذهب الحرب
وتأتي هذه الكوارث المتلاحقة، في وقت يشكّل فيه الذهب شريان الحياة الاقتصادي لقوات الدعم السريع في السودان، كما تفيد تقارير أممية.
وأعلن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في تقرير صادر بتاريخ 15 يوليو/تموز 2026 أن مبيعات الذهب تُعَد “مصدرا رئيسيا للإيرادات”.
وفي عام 2024، بلغ إنتاج الذهب المعلن في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية نحو 65 طنا، تم تصدير حوالي 28 طنا منها رسميا عبر ميناء بورتسودان بقيمة تقدر بنحو 1.6 مليار دولار، بينما تم تهريب ما يقرب من 48% من إجمالي إنتاج الذهب السوداني لهذا العام وفق التقارير الأممية.
وكشف فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان، في تقريره الصادر في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أن المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع أنتجت نحو 10 أطنان من الذهب في عام 2024، بقيمة تقدر بنحو 860 مليون دولار، يتم تهريبها عبر شبكات تمتد إلى ليبيا وتشاد، ثم إلى الأسواق العالمية.
عقوبات دولية
وأعلن مجلس الاتحاد الأوروبي، في بيان صادر بتاريخ 13 يوليو/تموز 2026، فرض عقوبات جديدة على السودان باستهداف تجارة الذهب، شملت حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب سوداني المنشأ الذي تم تصديره من السودان إلى الاتحاد الأوروبي أو إلى أي دولة ثالثة بعد 15 يوليو/تموز 2026، كما شمل الحظر بيع أو توريد أو تصدير مادتي “الزئبق و”السيانيد” المستخدمتين في التعدين.
وأعلن المجلس الفدرالي السويسري، في بيان صادر بتاريخ 9 سبتمبر/أيلول الحالي، انضمامه إلى عقوبات الاتحاد الأوروبي، بحظر شراء واستيراد الذهب السوداني، وكذلك حظر بيع بعض السلع المستخدمة في تعدين واستخراج الذهب، ودخلت هذه التدابير حيز التنفيذ في 10 سبتمبر/أيلول.
