هل يسير السودان في الطريق الذي سلكته الكونغو؟

قراءة في مرآة الكونغو وأرقام السودان واقتصاد الحرب

عندما انهارت العملة في الكونغو الديمقراطية بعد حرب 1998، لم تبدأ الأزمة من تجار العملة، بل من انقسام السلطة، وتراجع الإيرادات، وارتفاع نفقات الحرب، ثم عجز الحكومة عن تمويل التزاماتها فلجأت إلى البنك المركزي. بعد ذلك ارتفع التضخم، وتدهورت العملة، وأصبح الدولار عنوان الأزمة.
في عام 2000 بلغ التضخم في الكونغو نحو 550%، واتسعت الفجوة بين السعر الرسمي والموازي إلى أكثر من 500%. وكان الدرس واضحاً: لم تكن أزمة عملة بقدر ما كانت أزمة دولة فقدت السيطرة على مواردها واقتصادها.فهل نرى بعض ملامح هذا المسار في السودان اليوم؟

وزير المالية السوداني يكشف أسباب تراجع الجنيه السوداني وارتفاع الدولار

سوق الصرف والوقود يضغطان على الاقتصاد السوداني وسط الحرب

اقتصاد ينكمش ودولة تتراجع مواردها

خلال عامين فقط، انكمش الاقتصاد السوداني بنحو 40%. وعندما يتراجع الإنتاج بهذا الحجم، لا تتراجع معه حاجة الناس إلى الغذاء والدواء والوقود، بل يتحول جزء أكبر مما كان يُنتج محلياً إلى سلع مستوردة، فيرتفع الطلب على الدولار بصورة طبيعية.

في الوقت نفسه، تشير التقديرات إلى أن الإيرادات العامة لا تتجاوز 3.7% من الناتج المحلي، مقارنةً بنسب تتراوح عادة بين 15% و25% في كثير من الدول النامية.
وهنا يظهر السؤال الأصعب: كيف تموّل الدولة الحرب والرواتب والخدمات الأساسية وهي لا تجمع إلا جزءاً ضئيلاً من اقتصادها؟
حين يضعف الاقتراض وتندر المساعدات، يصبح التمويل عبر البنك المركزي هو الخيار الأسهل والأكثر خطورة.

عندما تسبق النقودُ الإنتاجَ

نما عرض النقود بنحو 74.7% خلال عام واحد. وعندما تزداد كمية النقود بوتيرة أسرع من إنتاج السلع والخدمات، ترتفع الأسعار وتتراجع القوة الشرائية.
لكن الأثر لا يتوزع بالتساوي. فالجهات التي تحصل على الأموال الجديدة أولاً تستفيد قبل أن ينتشر التضخم، بينما يدفع المواطن الثمن لاحقاً في الأسواق. ومن هنا تبدأ إحدى أخطر حلقات اقتصاد الحرب: امتيازات لفئات محدودة، وتضخم يتحمله الجميع.
وتزداد التشوهات مع اتساع فجوة الصرف. فبينما يدور السعر الرسمي للدولار حول 3,350 جنيهاً، تجاوز سعره في السوق الموازي 7,500 جنيه، أي بفارق يتجاوز 120%.

من يحصل على مليون دولار بالسعر الرسمي ثم يعيد بيعه في السوق الموازي يمكنه تحقيق ربح يقارب 125%، من دون إنتاج سلعة أو خلق وظيفة. وهذا هو الريع في أوضح صوره: أرباح مصدرها الامتياز والفجوة السعرية، لا الإنتاج والاستثمار.
عندها لا تعود المشكلة مجرد اختلاف بين سعرين، بل تتحول إلى بيئة كاملة تشجع المضاربة والفساد والوساطة أكثر مما تشجع النشاط الاقتصادي الحقيقي.

الذهب يمول السوق بدلاً من الخزانة

في عام 2025 أُعلن إنتاج نحو 70 طناً من الذهب، بينما لم يتجاوز الصادر الرسمي نحو 14.7 طناً. وبغض النظر عن الاختلافات المحتملة في تفاصيل القياس، فإن الفارق يطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كان الذهب يُنتج داخل البلاد، فلماذا لا يمر معظمه عبر القنوات الرسمية؟
الإجابة ترتبط بالحوافز. فعندما يكون سعر الدولار خارج النظام الرسمي أعلى كثيراً من داخله، يصبح إخراج الذهب أكثر ربحية من توريده عبر القنوات الرسمية. وهكذا يتحول جزء من أهم موارد البلاد إلى مصدر لتمويل السوق الموازي بدلاً من دعم الخزانة العامة والاحتياطي النقدي.
ولا يتوقف النزيف عند الذهب. فهجرة رأس المال لا تعني خروج الأموال فقط، بل خروج أصحاب الأعمال والشركات أيضاً. والشركة التي تنتقل إلى القاهرة أو نيروبي أو الخليج تنقل معها الوظائف والضرائب والخبرات والاستثمارات المستقبلية. لذلك قد تستمر بعض الخسائر الاقتصادية للحرب سنوات طويلة بعد توقف القتال.

ماذا تقول مرآة الكونغو؟

المقارنة لا تعني أن السودان سيكرر تجربة الكونغو بالحرف، لكنها تكشف تشابه بعض المؤشرات: تراجع الإيرادات، وارتفاع نفقات الحرب، والتوسع في التمويل النقدي، واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وضعف السيطرة على الموارد.
وفي التجارب المشابهة، لا تنهار العملة أولاً، بل تعلن انهيار أشياء سبقتها: الإنتاج، والإيرادات، والثقة، وقدرة الدولة على إدارة مواردها.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ارتفع الدولار؟
السؤال الأهم هو: لماذا أصبحت المضاربة على الدولار والذهب أكثر ربحية من الإنتاج والتصدير؟
الإجابة عن هذا السؤال تفتح الطريق لفهم الأزمة ومعالجتها. أما الاكتفاء بمراقبة سعر الدولار كل صباح، فهو يشبه النظر إلى مؤشر الحرارة واعتباره سبب المرض.
الدولار ليس أصل الأزمة السودانية، بل أكثر مؤشراتها وضوحاً.

شاذلي عبدالله

Exit mobile version