تفكيك أسباب أزمة الجوع في السودان

لم يعد المواطن السوداني يدفع ثمن الحرب المستمرة منذ أكثر من 3 سنوات في أمنه واستقراره فقط، بل تضاعفت معاناته وبات الحصول على الغذاء معركة يومية، بفعل ضعف المساعدات الإنسانية، وتراجع القوة الشرائية للعملة الوطنية (الجنيه) والجفاف الذي يضرب أجزاء من البلاد.

وتواجه مناطق عدة أزمة غذاء، خاصة تلك التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في ولايات دارفور وكردفان، إلى جانب نقص الغذاء في مراكز الإيواء ومخيمات النازحين، نتيجة تراجع تمويل المنظمات الإنسانية الوطنية والوكالات الأممية.

البحث عن رغيف.. 216 عائلة تفر من الجوع إلى مخيم طويلة بدارفور

وقال مدير برنامج الأغذية العالمي بالإنابة كارل سكاو -عقب زيارته الخرطوم منتصف سبتمبر/أيلول الجاري- إن تمويل البرنامج المخصص للسودان انخفض بنحو النصف هذا العام، في وقت تدفع فيه الحرب مزيدا من الناس إلى الجوع، بينما تؤدي أزمة الشرق الأوسط إلى ارتفاع الأسعار وتراجع ميزانيات المساعدات.

وذكر سكاو -لوكالة رويترز- أن تمويل السودان هذا العام لا يتجاوز نحو نصف ما تلقاه برنامج الأغذية العالمي العام الماضي، حين بلغ 645 مليون دولار، بينما لم يتجاوز التمويل 206 ملايين بعد مرور نحو 3 أرباع العام.

ودفع شح الموارد منظمات دولية وجهات وطنية ووكالات أممية إلى تقليص الحصص الغذائية الشهرية للأسر النازحة، أو قصر توزيعها على المناطق المصنفة من بين الأشد معاناة من الجوع.

أزمة مركبة

وقال الناشط في غرف الطوارئ عمر الأطرش -للجزيرة نت- إن عددا من المطابخ بالعاصمة وولايات أخرى، التي تعتمد على المنح المباشرة، أوقف تقديم الوجبات أو خفّضها، في وقت تتزايد فيه أعداد النازحين إلى أم درمان وكوستي بولاية النيل الأبيض، الفارين من المعارك المتصاعدة شمال وغرب كردفان.

وزاد من حدة الأزمة شحّة الأمطار في الولايات المنتجة للذرة، وهي الغذاء الرئيسي للسودانيين، إذ قفزت أسعارها منذ مطلع سبتمبر/أيلول الجاري، قبل أسابيع من موسم الحصاد، بدلا من أن تتراجع كما جرت العادة في المواسم السابقة.
إعلان

وقال محمد عبد القادر، ممثل شركة تجارية في بورصة القضارف للحبوب -للجزيرة نت- إن أسعار الذرة ارتفعت نحو 25% خلال شهر، مدفوعة بمؤشرات على تراجع الإنتاج والمساحات المزروعة، نتيجة شح الأمطار وارتفاع كلفة الإنتاج.

وتوقع استمرار ارتفاع الأسعار مع زيادة الطلب على الذرة، التي تستخدم بعض أصنافها في صناعة أعلاف الحيوانات، مشيرا إلى أن شح الأمطار سيضر بالمراعي أيضا، بما قد يدفع أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء إلى الارتفاع.

ويرى خبراء في العمل الطوعي أن تراجع القوة الشرائية للجنيه السوداني، بالتزامن مع الارتفاع المتواصل في أسعار السلع والخدمات، يشكل “ضغطا اقتصاديا” يضاعف وطأة الأزمة الإنسانية الناجمة عن الحرب.

وزادت أسعار المحروقات كلفة نقل المنتجات الزراعية والغذائية بين الولايات، كما رفعت كلفة عمليات الإغاثة والتوزيع التي تنفذها المنظمات المحلية والدولية، مما قيّد قدرتها على الوصول إلى المناطق الأكثر تضررا ونزوحا، وفق الخبراء.

سلاح الغذاء

في المقابل، قال وزير الزراعة والري السوداني عصمت قرشي -للجزيرة نت- إن الموسم الزراعي الذي يقترب من نهايته “يبشر بإنتاج جيد” رغم شح الأمطار في بعض المناطق بفعل تغير المناخ، وخروج مساحات واسعة من دارفور وكردفان من دائرة الإنتاج، وارتفاع تكاليفه بسبب إغلاق مضيق هرمز.

وأكد قرشي عدم وجود مجاعة أو نقص في الغذاء بالبلاد، معتبرا أن ما تشهده بعض المناطق “سياسة تجويع واستخدام الغذاء سلاحا” وحمّل قوات الدعم السريع مسؤولية منع وصول الغذاء إلى المدنيين في مناطق سيطرتها.

واتهم الوزير قوات الدعم السريع أيضا بنشر الخوف والفوضى، ومنع المزارعين من فلاحة أراضيهم، ونهب محاصيل صغار المزارعين.

وفي المقابل، رفض مسؤول بالمكتب الإعلامي لتحالف السودان التأسيسي “تأسيس” الذي يقوده الدعم السريع، اتهامات الحكومة، وقال إن مناطق سيطرتهم لا تعاني أزمة غذائية، وإن أسعار السلع في نيالا جنوب دارفور أفضل منها بالخرطوم.

وأضاف المسؤول، الذي طلب حجب هويته، أن السلطات في الخرطوم تعرقل وصول المساعدات إلى المتضررين من الحرب في دارفور وكردفان، بينما تعمل وكالة العون الإنساني التابعة للتحالف على تسهيل عمل المنظمات وتوزيع المساعدات في مناطق عدة.

من جانبه، قال صالح عبد الله، صاحب متجر في جنوب الخرطوم -للجزيرة نت- إن تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية صاحبه ارتفاع متواصل في أسعار السلع الأساسية. ومع تآكل الدخول وفقدان ملايين المواطنين مصادر رزقهم، باتت غالبية الأسر عاجزة عن تأمين وجباتها اليومية.

وووفقا لمتطوعين بولاية النيل الأبيض، التي تستضيف مئات الآلاف من ضحايا الحرب، يواجه النازحون في المناطق الآمنة ومراكز الإيواء ارتفاعا متواصلا في تكاليف المعيشة، فيما لم تعد المساعدات المالية كافية لتلبية احتياجاتهم، مما يزيد الضغط على مجتمعات الاستضافة التي تعاني بدورها من ضغوط اقتصادية.
إغلاق التكايا

وفي الخرطوم، يقول عثمان الجندي، مؤسس وصاحب تكايا “فكة ريق” إن الدعم المقدم للمطابخ الخيرية وغرف الطوارئ من المنظمات الأجنبية والوطنية ورجال البر والإحسان تراجع بشدة خلال الفترة الماضية، مما أدى إلى إغلاق معظمها. ويشير إلى أنه أوقف 11 تكية في ولاية الخرطوم، ولا يدير حاليا سوى مطبخين.

ويعزو عثمان -في حديث للجزيرة نت- تراجع الدعم إلى عدة عوامل، أبرزها:

ضعف موارد المنظمات الأجنبية والوطنية، وطول أمد الحرب الذي أثّر في قدرة رجال المال والأعمال على مواصلة تبرعاتهم.
عودة عدد من المتطوعين إلى أعمالهم بعد استعادة الخرطوم وولايتي الجزيرة وسنار.
ارتفاع أسعار المواد الغذائية اللازمة لإعداد الوجبات للمتضررين.

ويرى أن الحاجة إلى المطابخ الخيرية تزداد مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات إلى مستويات تفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين، مقترحا أن تنشئ الحكومة والمنظمات أسواقا بأسعار مخفضة لتخفيف أعباء المعيشة.

وكانت منظمة الأغذية والزراعة العالمية (فاو) قالت إن الأمطار التراكمية خلال موسم يونيو/حزيران-سبتمبر/أيلول جاءت دون المتوسط في معظم مناطق إنتاج المحاصيل، مما أثر في إنبات المزروعات ونموها وأثار مخاوف بشأن إنتاج الحبوب عام 2026.

ويقول برنامج الأغذية العالمي إن نحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع في السودان، بينهم 5 ملايين في مستويات الطوارئ، بينما اضطر إلى تقديم حصص غذائية جزئية بسبب نقص التمويل.




تحرير سودافاكس

فريق التحرير في شبكة سودافاكس الإخبارية، المنصة الإعلامية الرقمية السودانية المستقلة التي تأسست عام 2012.يضطلع فريق التحرير بمتابعة الأحداث الجارية وتوثيقها لحظةً بلحظة، ويشمل ذلك الأخبار العاجلة والتقارير الإخبارية والبيانات الرسمية والمستجدات الميدانية في السودان والمنطقة العربية. يعمل الفريق وفق معايير الصحافة المهنية القائمة على الدقة في النقل والتحقق من المصادر، تحت إشراف رئيس التحرير حسن بشير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.