د. أمين حسن عمر يكتب: تبديل العملة قرار سديد

تبديل العملة قرار سديد بلا شك وذلك بعد العواقب الوخيمة للحرب على الوضع النقدي بالبلاد. وقرار حكومة السودان بالأمس هو إجراء حتمي ومستحق سياسياً واقتصادياً، لكنه في الوقت ذاته لا يخلو من تحديات و يترتب عليه تعقيدات كبيرة في ظل وجود أجزاء من البلاد خارج السيادة النقدية ،فمن حيث صحة القرار والضرورات الإستراتيجية.
فالقرار صائب من الناحية الاقتصادية والأمنية الإستراتيجية لعدة أسباب أهمها هو :
إبطال الكتلة النقدية المنهوبةفقد شهدت الخرطوم والمدن الرئيسية نهباً واسعاً للمطابع، الخزائن المركزية، والمصارف التجارية.وكذلك إتسع تزوير العملة بواسطة استخبارات دول لضرب الإقتصاد الوطني وكانت العملة المنهوبة والمزيفة تُستغل لتغذية المجهود الحربي للمليشيات وشراء السلاح والمستلزمات ورغم التغيير الجزئي الذي حدث فهو لم يكن كافيا لمعالجة الوضع بوجه ناجع وفعال.
أمين حسن عمر: التهاون طريق الهوان.. على القيادة أن تحسم
و القرار مهم كذلك لتجفيف شبكات التزوير فقد انتشرت عملات مزيفة بدرجة عالية من الاحترافية نتيجة الاستيلاء على معدات ومواد الطباعة وكذلك نتيجة لتزوير العملة بواسطة جهات ذات إحتراف ربما هي تابعة لدول أو إستخبارات دول.
وكذلك القرار مهم لإعادة الكتلة النقدية للنظام المصرفي فأكثر من 90% من السيولة كانت تتداول خارج القطاع المصرفي و الاستبدال يجبر الأفراد والكيانات على إيداع الأموال في البنوك لتغييرها، مما يعيد الهيبة والسيادة للنقد الوطني. وكذلك يكشف الجهات التي إستغلت ظروف الحرب لتنظيم مافيات مالية على حساب الشعب
وعلى الجانب النقدي والمصرفي فالقرار يشل قدرة المليشيات على استخدام الكتلة النقدية الضخمة المنهوبة بحوزتها. مما يرفع الضغط الهائل على البنوك العاملة في الولايات الآمنة بسبب شح السيولة. وهو يعمل على الحد من المضاربة بالعملة الأجنبية بعد سحب السيولة الزائدة من السوق الموازي. لكن ذلك يحدث مع مخاطر خلق ركود اقتصادي إذا لم يُضخ قدر كافٍ من النقد الجديد لتعويض القوة الشرائية.
والقرار بلا شك يحقق هدف تعزيز سيادة الدولة والبنك المركزي على الملف الاقتصادي. بيد أنه يبقى التحدي في دارفور وكيفية تلافي الآثار
ويُعد وضع إقليم دارفور (ومناطق سيطرة المليشيات) المعضلة الأكبر، حيث تفتقر تلك المناطق للغالبية العظمى من الفروع المصرفية الناشطة وتمتنع المليشيات عن التعامل بالعملة الجديدة. لذلك و لتلافي الآثار الكارثية على المواطنين هناك ولتجنب الانفصال الاقتصادي للإقليم، فإن الأمر يتطلب حزمة من التدابير السياسات.
وأهم هذه السياسات هو الاعتماد والتوسع في الحلول الرقمية ، و الاعتماد على التطبيقات المصرفية (مثل أو كاش وفوري و “بنكك” والشبكات الإلكترونية الأخرى) للتداول التجاري اليومي والمعاملات بين الأفراد. وبصدد هذه فلابد ان تتم معالجة ناجعة للمشكلات التقنية التي تعطلها أحيانا بما يسبب حرجا وعسفا بالمواطنين ، والمسارعة بفتح باب إنشاء المصارف الرقمية والحسابات المصرفية الرقمية وتفعيلها عن بُعد لتشجيع التحويلات الإلكترونية لمواجهة غياب النقد الورقي.
ومن الضروري كذلك إقامة مراكز ومنافذ استبدال للعملة في الولاية الشمالية وولايات كردفان المحاذية لإقليم دارفور، بحيث تمكّن تجار الإقليم والمواطنين المسافرين من تبديل أموالهم ومدخراتهم دون عناء الوصول للمركز.
وبطبيعة الحال لابد من منح استثناءات وتمديد زمني للمواطنين في المناطق المتأثرة بالحرب لاستبدال الفئات القديمة حتى لا تتآكل مدخرات المواطنين البسطاء الذين يحفظون أموالهم منازلياً.
ويتوجب على الحكومة ان تشجع عمليات المقاصة السلعية والتجارة بالآجل أو الاعتماد على العملات الصغيرة غير المشمولة بقرارات الإلغاء السريع للتخفيف من حدة أزمة السيولة اليومية.
واتوقع بلا شك ان تعمد الحكومة في الإصدار الجديد إلى حذف ثلاثة أو أثنين من الأصفار لجعل قيمة العملة أكثر تعبيرا عن حقائق الإقتصاد.
وفكرة حذف الأصفار وإعادة تقييم العملة ليعادل الألف جنيه جنيهاً واحداً هي أداة محاسبية وتنظيمية ممتازة للسيطرة على الاقتصاد، لكنها بطبيعة الحال ليست حلاً سحرياً للاقتصاد الكلي ما لم تُصحب بإصلاحات هيكلية وضبط للمالية العامة.
والهدف الحقيقي من “حذف الأصفار” هو عملي ونفسي وليس إقتصادي إلا من حيث الأثر العملي والنفسي على الإقتصاد .
فحذف الأصفار لا يزيد ولا ينقص من القوة الشرائية الحقيقية للمواطن؛ فالسلعة التي تشتريها بـ 1000 جنيه قديم ستشتريها بـ 1 جنيه جديد.و المكاسب تكمن في الجوانب التشغيليةفحسب وهي في المقام الأول تمثل تسهيلا المعاملات والمحاسبة التخلص من الأرقام الفلكية في الميزانيات، النظام المصرفي، وشاشات الصرافة لإزالة العبء الحسابي. وكذلك يحقق حذف الأصفار إعادة الاعتماد على الفئات الصغرى والسك المعدني و توفير تكلفة طباعة الأوراق النقدية ذات القيمة المنخفضة، حيث تدوم العملات المعدنية لعقود مقارنة بالورقية التي تتلف بسرعة. وأهم من ذلك كله إعطاء انطباع بقوة العملة واستعادة جزء من الهيبة للجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية.
وكما أسلفنا الخطوة ممتازة من الناحية الفنية واللوجستية لضبط الكتلة النقدية، ولكن نجاعتها تواجه عدة تحديات وأولها هي تكلفة الإصدار المرتفعة فعملية طباعة اوراق نقدية ذات مواصفات تأمينية عالية وسك عملات معدنية جديدة تحتاجان لتغطية مالية غير يسيرة بالعملة الصعبة في وقت يعاني فيه البنك المركزي من شح الاحتياطي.
وكذلك هناك خطر “التضخم النفسي فتجار القطاع الخاص والمحلات قد يميلون لتقريب الأسعار نحو الأعلى عند التحول للعملة الجديدة (مثلاً: ما كان قيمته 1500 جنيه قديم قد يُباع بـ 2 جنيه جديد بدلاً من 1.5)، مما قد يسبب موجة تضخم قصيرة المدى.
ونقول للحكومة الأمل أقدمي ولا تترددي فهي ليست المرة الأولى لتبديل العملة وفي كل الحالات السابقة كانت العاقبة محمودة . فقد شهدت العملة الوطنية في السودان منذ الاستقلال في عام 1956 عدة تحولات وإصلاحات نقدية كبرى، حيث مرّ الاقتصاد السوداني بخمس محطات رئيسة لتغيير اسم أو شكل أو نظام العملة، وكان أولها إصدار الجنيه السوداني الأول في العام 1956 – 1957، فعقب الاستقلال مباشرة، تم الاستغناء عن “الجنيه المصري” و”الجنيه الاسترليني” اللذين كانا متداولين في فترة الحكم الثنائي.
وأصدرت “لجنة العملة السودانية” في سبتمبر 1956 أول عملة سودانية مستقلة بكامل فئاتها الورقية والمعدنية، قبل أن ينتقل حق الإصدار رسمياً لبنك السودان المركزي فور تأسيسه عام 1960. وبعد إنقلاب مايو أو ثورة مايو أيما الإسمين أحببت تمت إعادة طباعة وتحديث الأوراق النقدية و قام بنك السودان المركزي بإجراء تغيير تقني وشكلي على الأوراق النقدية في العام 1970. وكان الهدف الأساس أمنياً وفنياً لإدخال تقنيات حديثة لحماية العملة من التزوير ولإضافة رموز بصرية تعكس السيادة الوطنية والتراث السوداني.
ثم جاء التحول إلى الدينار السوداني مع حذف صفر واحد في العام 1992بعد إنقلاب الإنقاذ أو ثورتها كيفما إخترت الإسم ،ورافق هذا التغيير سحب كامل للكتلة النقدية السابقة، وكان يحمل إبعاداً سياسية واقتصادية لامتصاص التضخم ومحاولة احتواء الأموال المتداولة خارج النظام المصرفي. بيد أنه و تطبيقا لبنود اتفاقية السلام الشامل لعام 2005 الصادرة لتوحيد النظام النقدي بين الشمال والجنوب، تم إلغاء الدينار والعودة إلى “الجنيه السوداني” بمعدل استبدال 1 جنيه جديد = 100 دينار (أو 1,000 جنيه من إصدار ما قبل العام 1992).
لكن بعد انفصال دولة جنوب السودان عام 2011 وطرحها لعملتها الخاصة، سارع البنك المركزي السوداني لإصدار طبعة جديدة من الجنيه السوداني وإلغاء الطبعة القديمة لمنع تدفق النقد الموجود في الدولة الجديدة وإرباك الاقتصاد الشمالي. وهكذا ترون أن العملة تغيرت خمس مرات من قبل وتغيرت جزئيا بقرار بنك السودان بعد اندلاع الحرب بتغيير فئات الألف والخمسمائة جنيه ولم يكن ذلك كافيا لمواجهة التزوير والتزييف والأغراق للجنية في حرب مسعورة ومسٌعرة من الداخل والخارج ضد الإستقرار الإقتصادي للدولة
فيا حكومتنا أقدموا وأسرعوا وتحلوا بالحزم والحكمة أولستم حكومة الحوكمة ؟








