التيجاني عبد القادر حامد.. رحيل المفكر السوداني وبقاء الأثر

في رحيل هرم سوداني
بحسب الفقد ألما أن يكون وفاة، وانتقالا إلى العالم الباقي عن عالمنا الفاني، وبحسب الألم أن يكون مرتبطا بفقد رجل كبير القدر حقا، وهذا القدر صاغه مزيج من البساطة، والعمق، والهدوء، والغزارة، والرزانة، وخفة الروح، وهو ما لا يجتمع إلا فيمن عرفوا أنهم يوما راحلون عن عالم الفناء إلى عالم البقاء. وفوق ما ذكرت، يزداد الألم مع مباغتة الرحيل وصعقة المفاجأة.
التيجاني عبد القادر حامد (أم دم، شمال كردفان، 1951-الدوحة، 2026)، الأسمر، مربوع القامة، طويل الصمت، عميق التفكير، هكذا تبدى لي عندما سنحت الأقدار بلقاء عابر، أثناء تجهيزي للدكتوراه حول إيزوتسو. وكنت بصدد إعداد التصور الأولي، فساقتني الأقدار للقاء أكاديمي مغربي لطيف المعشر، وقضينا وقتا نتحدث، ثم قال لي: يجب أن تلتقي البروفيسور التيجاني عبد القادر، فهو مهتم بإيزوتسو، ولا شك سيفيدك.
إبراهيم شقلاوي يكتب: التجاني عبد القادر.. كان أكبر من السياسة
كان يسدد الألفاظ باتجاه الفكرة والممارسة لا الأشخاص، ويتكلم بهدوء الواثق، ورزانة الباحث، وورع المؤمن
وافقت على الفور مع شيء من الحياء، لعلمي بأن الرجل قد يكون مشغولا، والمفكرون عموما قوم يبدو العالم بالنسبة لهم كعابر سبيل، فما بالك بأهل العالم نفسه، فكيف أقتحم على الرجل مجاله؟
وحدث، ودخلت على الرجل، وتركني المغربي وحدي معه ومضى، وكأنه كان يعرف ما سيحصل. ابتسامة ودودة، وصوت هادئ بالكاد تتبين كلماته، وأسئلة مركزية في الموضوع، اختتمها بعبارة:
“جيد.. أعتقد أن لديك تصورا كافيا لصياغة المقترح.. تذكر أن العمل في القرآن بركة.. يكفيك هذا شرفا”.
تحدثنا سريعا في أمور عامة أخرى. كان يشعر بالراحة في قطر، وكان قد انتقل إليها حديثا، وأثنى على الجو العام، وسألني: منذ كم أنت هنا في قطر؟ فحدثته. تجنبت الحديث عن السودان لأن الجو نفسه لم يكن يسمح بالكثير من الحديث، وكنت قد اطلعت على نقده العميق للحالة العامة في السودان، ولم أرد تقليب الأوجاع على رجل أعرف انشغاله بالسودان، وهو انشغال لازمه حتى لحظة انتقاله إلى العالم الباقي، حيث نرجو له فيه من الرحمات ما يليق بفضل الله تعالى على عالم منح دينه ووطنه الأولوية في كل شيء.
وهنا يجب الالتفات إلى أمور، وقد سنحت لي الفرصة للاطلاع على بعض حواراته القليلة في الصحف السودانية، والتي كشفت عن نقد سياسي وفلسفي عميق للسياسة السودانية، وكشفت عن تجرد وسمو في الحوار والفكر، ودقة في الألفاظ تنم عن معرفة أكاديمية رصينة، مع وضوح في الطرح من غير تبسيط مخل، ما ينم عن وضوح في الرؤية ونضج في الفكر.
توفي صباح الجمعة بالعاصمة القطرية الدوحة، عن عمر ناهز 80 عاما، وذلك بعد علة مرضية لم تمهله كثيرا، وأثار خبر رحيله موجة حزن عميقة في نفوس الإسلاميين لمكانته العلمية الرفيعة بينهم
كان يسدد الألفاظ باتجاه الفكرة والممارسة لا الأشخاص, ويتكلم بهدوء الواثق، ورزانة الباحث، وورع المؤمن. لو شاء لمضى وراء بريق المناصب، بل اكتفى بالمضي مع الأفكار والتعبير عنها.
ومن جانب آخر، فإن نقد التيجاني للتجربة لم يكن ليعني التخلي عن الفكرة، ولا الانكفاء جريا وراء المثال، بل على العكس، كان يعني النقد الفاحص، والتمحيص، والتدقيق، بل ابتكار مقاربة لمخاطبة الأزمة وجذورها ومآلاتها.
تنبأ التيجاني بملامح ما يشهده السودان اليوم، قبل سبعة أعوام تامة من اليوم، وقال مخاوفه بلغة أكاديمية، والناس عندما تفعل هذا فإنها تدفع الثمن من صحتها النفسية، ومقاومتها لعوادي الزمن، وتأثيرات العمر الذي ينحت بإزميله بصبر في صخرة الأجساد البشرية.
لقد سار التيجاني خلف الفكرة، وساقته أيضا إلى مسارات جغرافية في الشرق والغرب، فطالت محطته الماليزية والأمريكية، ثم الإماراتية، وختاما القطرية، حيث تقاعد تاركا بصمة وبسمة في قلوب وأرواح من عايشوه في مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، والذي تقاعد عن العمل به قبل ثلاثة أشهر من وفاته، تاركا بصمة سجلها من رثاه وفقده وعرفه. فبادر د. إبراهيم الأنصاري، عميد كلية الشريعة، بإقامة العزاء له في قاعة مجمع الشيخ عبد الله الأنصاري، في لفتة تعبر عن الوفاء.
وقديما قيل: “بيننا وبينهم الجنائز”، وجنازة التيجاني كانت شاهدة على ما كان عليه من محبة للخير، وروح غامرة بالعلم، واللطف، ونبل المعشر، والكياسة. يبقى من ذكره ما يجب الاعتبار به من وجوب الانحياز للعلم، والسير وراء الفكرة، وعدم الانخداع بالمظاهر الزائفة الزائلة، وأهمية الاعتبار بنقده البنيوي للحالة السودانية.
رحمه الله رحمة الأبرار، وأنزله منازل الصالحين.
إنه المفكر والأكاديمي السوداني والإسلامي البارز، توفي صباح الجمعة بالعاصمة القطرية الدوحة، عن عمر ناهز 80 عاما، وذلك بعد علة مرضية لم تمهله كثيرا، وأثار خبر رحيله موجة حزن عميقة في نفوس الإسلاميين لمكانته العلمية الرفيعة بينهم.
وولد التيجاني في “أم دم” بشمال كردفان، غربي السودان، عام 1951، وتخرج في جامعة الخرطوم (كلية الآداب-قسم الفلسفة) بمرتبة الشرف، وحصل على الماجستير في الفلسفة من جامعة الخرطوم (1984)، والدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة لندن (1989)، ودكتوراه في محاسبة المصارف الإسلامية من جامعة هل (HULL) في بريطانيا.
بلغت مؤلفات البروفيسور التيجاني أكثر من 60 كتابا وبحثا، أبرزها “حوار مع الشيخ الإمام الصديق الضرير حول مكافأة شركات التأمين التعاوني (الإسلامي)”، و”تعميق إسلام نظام الاقتصاد السوداني”، و”السلم البديل الشرعي للتمويل النقدي”
عمل التيجاني أستاذا للعلوم السياسية بجامعة الخرطوم، وله مؤلفات عديدة في مجالات الفقر والديمقراطية والفكر الإسلامي، وعمل مستشارا لوزير المالية والاقتصاد الوطني، ورئيسا للجنة الاستشارية العليا للصكوك الحكومية. وتعاون مع بعض الجامعات، منها جامعة الخرطوم، وجامعة الجزيرة (إسلام المعرفة)، وجامعة أم درمان الإسلامية، وعمل رئيسا وعضوا في العديد من اللجان العلمية والفنية.
ومن أبرز إنجازات عبد القادر المساهمة في تغيير البيئة الاستثمارية في أكبر مصرف إقليمي (البنك الأهلي التجاري-جدة) من الاستثمار التقليدي إلى الاستثمار اللاربوي، والمساهمة في تصميم وهيكلة أكبر صندوق إسلامي استثماري في العالم، صندوق المتاجرة بالأسهم العالمية (GTEF)، والعمل على تصميم بديل شرعي للجاري مدين (Overdraft)، وإعداد دليل عمل لمحاسبة صيغ التمويل الإسلامي، واقتراح بديل شرعي للقرض يقوم على عقد السلم، والمساهمة في إعداد صكوك السلم لمملكة البحرين من خلال مجمع الفقه الإسلامي.
وبلغت مؤلفات البروفيسور التيجاني أكثر من 60 كتابا وبحثا، أبرزها “حوار مع الشيخ الإمام الصديق الضرير حول مكافأة شركات التأمين التعاوني (الإسلامي)”، و”تعميق إسلام نظام الاقتصاد السوداني”، و”السلم البديل الشرعي للتمويل النقدي”، و”التمويل النقدي وسوق ما بين البنوك”، و”إجارة العين لمن باعها إجارة منتهية بالتمليك”، و”اقتراض الدولة بالفائدة الضرورة والبدائل”، و”دور التأمين التعاوني في معالجة المماطلة”.
رحم الله المفكر والأكاديمي السوداني البروفيسور التيجاني عبد القادر حامد، صاحب الأثر العلمي والفكري الممتد في أجيال من الباحثين، والذي أثرى المكتبة السودانية والعربية.
درس بجامعة الخرطوم، ونال منها درجة الماجستير في فلسفة السياسة عام 1984، ثم حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة لندن عام 1989، قبل أن تمتد مسيرته الأكاديمية بين السودان وماليزيا والولايات المتحدة والإمارات وقطر.








