الجفاف وتراجع المراعي يهددان المواشي في دارفور

تواجه الثروة الحيوانية في السودان عقبات متفاقمة بعد نفوق أعداد هائلة من المواشي في مناطق عرفت تاريخياً بإنتاج أنواع مختلفة من القطعان، بخاصة في ولايات إقليم دارفور الخمس، نتيجة تأخر هطول الأمطار، مما أدى إلى انعدام المراعي ومصادر المياه، وبالموازاة يعاني أصحاب المواشي والتجار تراجعاً في صحة حيواناتهم مع انخفاض أسعارها.

ويعد السودان من أغنى الدول العربية والأفريقية بثروته الحيوانية، إذ تقدر أعداد الحيوانات بنحو 103 ملايين رأس، منها 30 مليوناً من الأبقار و37 مليون رأس أغنام و33 مليون رأس ماعز و3 ملايين من الإبل، بينما يستفيد نحو 26 مليون سوداني من قطاع الثروة الحيوانية.

تدهور الغطاء النباتي في السودان.. أزمة بيئية تهدد الثروة الحيوانية والزراعة

وزير الثروة الحيوانية: مدينة الإنتاج الحيواني بالشمالية مشروع استراتيجي للتصدير

وفي ظل الأزمة أعلنت غرفة طوارئ جبل عيسى بمحلية المالحة شمال دارفور عن نفوق 420 رأساً من الضأن لجهة أن المنطقة تواجه ظروف الجفاف، محذرة من تفاقم الخسائر بسبب ما أصاب المواشي في الإقليم بصورة عامة.

وسبق أن أشار برنامج الأغذية العالمي إلى أن الجفاف بات من أبرز التهديدات التي تواجه المواشي في دارفور، لافتاً إلى أن الإقليم يشهد ظروفاً جافة بصورة غير معتادة، على رغم أن الموسم الحالي يفترض أن يكون موسم أمطار.

مخاوف وخسائر
يقول محمد عمران، وهو صاحب قطيع مواشٍ في ولاية شمال دارفور، إن “المخاوف تتزايد وسط التجار وملاك المواشي في مناطق عدة من ولايات إقليم دارفور بخاصة في شماله، من نفوق ثروتهم الحيوانية وتكبد خسائر بسبب قلة الأمطار التي قادت بدورها إلى إفراز مشكلات كبرى متمثلة في انعدام المراعي الطبيعية، إلى جانب نضوب مصادر المياه، مما تسبب بتدهور صحة الحيوانات ونفوق المئات منها خصوصاً الضأن”.

وأضاف عمران أن “غالبية السكان يعتمدون في مصادر أرزاقهم بصورة كبيرة على تربية القطعان والتجارة بها فيما أصبحت مهددة بالهلاك، مما أجبرهم على بيعها بأسعار منخفضة في محاولة لتقليل الخسائر أو قطع مسافات طويلة بحثاً عن الكلأ والمياه في ظل أخطار قائمة على الطرق بانتشار عصابات النهب المسلح، مما يجعل التنقل خلال المواسم أمراً مستحيلاً”.

وأشار صاحب المواشي إلى أن “التحديات التي تواجه الثروة الحيوانية في دارفور بدأت منذ اندلاع الصراع بين الجيش و’الدعم السريع‘، إذ أسهمت العمليات العسكرية بحرق وتلوث المراعي، واليوم تعاني التغيرات المناخية، لا سيما أن الأسر والتجار في بحث متواصل عن حلول بديلة حتى لا يكون مصيرها النفوق”.

تراجع الأسعار
في السياق ذاته، أوضح آدم التوم أحد التجار في سوق طويلة شمال دارفور أن “شح الأمطار ونقص المراعي امتدت تداعياتهما إلى أسواق المواشي، إذ إن التجار يقطعون مسافات وهم في حال ترحال مستمر لإيجاد أسواق لبيع المواشي، لكنهم يصطدمون بتدني الأسعار نتيجة زيادة المعروض”.

وأشار التوم إلى أن “الجفاف يعد من أقوى الأسباب في تدافع أصحاب المواشي والتجار على تصريف قطعانهم بصورة اضطرارية، والمخاوف تتصاعد في شأن مزيد من الانخفاض في الأسعار بسبب تدهور صحة الحيوانات، مما يجعلها بلا قيمة”.

ولفت إلى أن “التطورات التي تهدد الثروة الحيوانية في السودان أصبحت مقلقة لكل من ينشط في تربية المواشي، بخاصة الأسر في ظل الوضع الإنساني المأزوم في دارفور، مما دفعهم إلى الترحال للحيلولة دون تفاقم أوضاعهم المعيشية، لكن من المؤسف أنه تتربص بهم عصابات الطرق ويدفعون أرواحهم ثمناً للحفاظ على مواشيهم”.

ونوه التاجر بأن “الأمر يستدعي تدخلات عاجلة من المنظمات لتفادي الخسائر المادية والبشرية، بعدما فشلت الجهود في العثور على مصادر للمياه ومراعٍ خضراء، إذ إن الأمر يجعل المواشي أكثر عرضة للأمراض التي انتشرت في دارفور معقل إنتاج الحيوانات والإسهام في نفوقها في ظل عدم توافر اللقاحات بسبب الحرب”.

تدابير وحلول
على صعيد متصل أشار فضل الله بخيت أحد الرعاة في محلية السلام بشمال دارفور إلى أن “الإقليم يواجه انهياراً شبه كامل للمواشي، إذ كانت تهددها الأمراض في موسم الخريف مع صعوبة وصول اللقاحات، والآن من المؤسف أصبح الأمر مختلفاً، إذ تواجه الهلاك بسبب الجفاف في مناطق الرعي”.

وأوضح بخيت أن “أزمة نفوق المواشي في دارفور تشير إلى تداعيات أوسع للحرب على قطاع الثروة الحيوانية الذي يشكل مصدراً رئيساً لآلاف سكان دارفور، في ظل توقف حركة قطعان الماشية عبر الحدود بحثاً عن الأمان في بيئات أخرى”، وأردف “حالياً يبحث ملاك المواشي عن تدابير لحل الأزمة، إذ يقوم أصحاب الثروات الضخمة بشراء الأعلاف على رغم ارتفاع أسعارها، وينقلون المياه من أماكن بعيدة بواسطة صهاريج إلى مناطق الرعي لضمان صحة المواشي وعدم نفوقها، في حين يفشل البعض في توفير اشتراطات سلامتها”.

ومضى الراعي قائلاً “في تقديري أن الثروة الحيوانية في البلاد بصفة عامة، وعلى وجه الخصوص في دارفور، تحتاج إلى حماية وتدخلات حكومية عاجلة من الجهات المعنية بالأمر، حتى لا تفقد البلاد أحد ركائز الاقتصاد الوطني”.

تأثيرات اقتصادية
الباحث الاقتصادي عبدالوهاب جمعة قال إن “قطاع الثروة الحيوانية في المناطق التي عرفت تاريخياً بالإنتاج مثل إقليم دارفور، تأثر كثيراً بالمعارك، مما انعكس سلباً على أوضاع السكان والنشاط التجاري، وامتدت التداعيات إلى بنية الصادرات السودانية نتيجة انقطاع الطرق وإعاقة الحركة التجارية”.

وتابع جمعة “التغيرات المناخية أدت أيضاً دوراً أساساً في فقدان البلاد هذه الثروات لجهة نفوقها، إذ وجد أصحاب المواشي والسكان والمستثمرون أنفسهم أمام مشكلة الجفاف بسبب تأخر هطول الأمطار، مما أفقدها المراعي ومصادر المياه”.

وواصل قائلاً “كان السودان يعد من أبرز الدول العربية والأفريقية التي تتمتع بثروة حيوانية لافتة، إذ يمتلك أكثر من 103 ملايين رأس في مختلف أنواع الماشية موزعة على جميع الولايات، وظلت هذه الثروة داعمة للاقتصاد المحلي بمليارات الدولارات كونها مصدراً للنقد الأجنبي من عائدات صادرات المواشي إلى خارج البلاد التي أنهكها صراع طويل الأمد”.

وأشار الباحث الاقتصادي إلى أنه “صحيح أن تداعيات الحرب والجفاف كان لها تأثير كبير، لكن يمكن اجتياز الأضرار من خلال تفعيل المبادرات والتكافل المجتمعي، لا سيما أن أصحاب الشأن يتلمسون طرق المحافظة على صحة حيواناتهم وعلى ما تبقى منها واستعادة عافية مصادر أرزاقهم”.

وشدد في ختام حديثه على أهمية “المنظمات المحلية والدولية ودورها الفاعل في تعافي قطاع الثروة الحيوانية عبر تنفيذ الحملات للقضاء على الأمراض، فضلاً عن توفير الغذاء والمياه، وعدم غض النظر عن التحديات المعقدة التي تعجل بفقدان البلاد مصدراً اقتصادياً استراتيجياً”.

Exit mobile version