الصحافة الورقية في السودان أمام اختبار العودة

على رغم مرور عام ونصف العام على عودة الحياة تدرجاً إلى العاصمة الخرطوم، فإن الصحف الورقية السودانية لا تزال في احتجاب كامل، ودور التوزيع والمطابع مغلقة ومدمرة، في وقت تحولت فيه بعض الأكشاك والمكتبات، التي تعوّد القراء التحلق حولها من أجل الاطلاع على مانشيتات الجرائد بشغف، إلى ركام جراء سقوط القذائف وطلقات الرصاص، وكذلك تعرضت دور الصحف والمطابع لعمليات نهب وتخريب واسعة، وتشتت الصحافيون بين النزوح واللجوء.
40 شهرا من الغياب.. هل تعود الصحافة الورقية في السودان إلى سالف عهدها؟
ومع عودة عدد كبير من مؤسسات الدولة والقطاعين العام والخاص إلى ممارسة أنشطتها من الخرطوم، شرع ناشرون في ترتيبات استئناف صدور عدد من الصحف الورقية، وكذلك أوصت ندوة إعلامية في الخرطوم، نظمها مركز الفضاء للثقافة والإعلام، بوضع خطة وطنية لإعادة صدور الصحف الورقية شيئاً فشيئاً مع مراعاة المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية وسلوك الجمهور، إضافة إلى توصيات مؤتمر قضايا الإعلام السوداني الذي عُقد في الخرطوم بمشاركة أكثر من 100 صحافي وصحافية، إذ طالب من خلاله المشاركون بضرورة دعم الحكومة السودانية للناشرين من أجل استئناف صدور الصحف الورقية.
دعم الدولة
في السياق، يقول الأمين العام لاتحاد الصحافيين السودانيين صلاح عمر الشيخ إن “الخطوة تتجاوز مجرد عودة الصحف إلى المطابع، إذ تتعلق بمصير صناعة كاملة، وبقدرتها على استعادة مكانها نظراً إلى أن قطاع الصحافة الورقية، بوصفه نشاطاً استثمارياً خاصاً يعتمد على الإعلان والتوزيع والمبيعات، ومنذ اندلاع الحرب تلقى ضربة قاسية، ودخلت الصناعة مرحلة الشلل التام”.
وأضاف أن “الحل يتمثل في تدخل الدولة من خلال دعم الناشرين لفترة موقتة في المرحلة الأولى لنحو ستة أشهر حتى يتمكنوا من مواصلة الصدور بصورة منتظمة، ومع مرور الوقت تتحسن الظروف التشغيلية، وتعيد الصحف الورقية تشكيل علاقتها بالجمهور”.
واقترح الشيخ اعتماد نموذج الصحافة الورقية-الرقمية المتكاملة، من خلال امتلاك الصحف الورقية موقعاً إلكترونياً ومنصات رقمية إلى جانب النسخة المطبوعة من أجل المواكبة، وبخاصة في ظل التحول المتزايد للجمهور نحو المنصات الرقمية، لذلك تبدو الخطوة الأكثر واقعية تقوم على مؤسسات هجينة تجمع بين الحضور الرقمي الأساس وإصدارات ورقية”.
آليات مستقلة
في المنحى ذاته، رأى الصحافي السوداني عباس محمد إبراهيم أنه “يمكن للصحافة الورقية السودانية أن تستعيد جانباً مهماً من نشاطها، وعودتها تمثل خطوة ضرورية لاستعادة المجال العام وحماية ذاكرة البلاد المهنية، لكن عودة المطابع وحدها لا تعني تعافي الصحافة”.
ونوه إلى أن “أي مبادرة تقدمها السلطة الحالية لدعم الناشرين يجب أن تقوم على آلية مستقلة وشفافة، وألا تتحول إلى وسيلة لشراء الولاءات أو فرز المؤسسات على أساس موقفها من الحرب، فقد نمت خلال أعوام الصراع المسلح أنماط من الصحافة القائمة على الاصطفاف والدعاية، مستفيدة من تمويل طرفي النزاع وحمايتهما، بينما ظلت المؤسسات المستقلة تعمل بإمكانات محدودة وفي ظل أخطار كبيرة”.
ونبه إبراهيم إلى أن “المطلوب حالياً ليس فقط تمويل الطباعة، بل إعادة بناء بيئة موائمة تشمل حرية العمل والوصول إلى المعلومات وحماية الصحافيين، وكذلك ضمان التوزيع ودعم التحول الرقمي واستدامة المؤسسات، كذلك ينبغي أن يتاح الدعم وفق معايير مهنية معلنة لجميع الناشرين المستقلين، من دون وصاية سياسية أو تدخل في المحتوى”.
وتابع “استعادة الصحافة السودانية لن تقاس بعدد الصحف التي تعود إلى الأكشاك والمكتبات، بل بقدرتها على العمل بحرية ومساءلة جميع أطراف الحرب وخدمة حق السودانيين في معرفة الحقيقة بعيداً من خطاب التعبئة والاستقطاب”.
تحديات وتحولات
على الصعيد ذاته، أشار السكرتير العام لنقابة الصحافيين السودانيين محمد عبدالعزيز إلى أنه “بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الغياب شبه الكامل للصحف الورقية، أصبح السؤال يتجاوز موعد استئناف الطباعة إلى شكل السوق التي ستعود إليها الصحف، هل لا يزال هناك جمهور يدفع مقابلها، وسوق إعلان قادر على تمويلها، ونموذج توزيع يمكنه الوصول إلى القراء؟
ولفت إلى أن “عودة الصحافة الورقية في السودان ممكنة من حيث المبدأ، خصوصاً مع عودة بعض المؤسسات للعمل في العاصمة الخرطوم، وبدء دراسة استئناف الصدور من جديد، لكن خلال الأعوام الماضية حدثت تحولات للقراء نحو المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، اللتين باتتا بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجمهور مصدرين رئيسين للأخبار. وعلى رغم تفاوت مستوى المهنية والدقة فيها، فقد رسخت نمطاً جديداً في استهلاك الأخبار يقوم على السرعة الفورية والوصول المجاني أو المنخفض الكلفة إلى المحتوى”.
ونوه عبدالعزيز إلى أن “الحرب أسهمت في تراجع القدرة الشرائية لملايين السودانيين، لا سيما بالنسبة إلى الكماليات من الحاجات، ومن ثم فإن الصحف الورقية بعد عودتها للصدور من جديد ستواجه أزمة كبيرة في التوزيع نظراً إلى أن غالبية السودانيين لن يستطيعوا شراء صحف يومية في ظل الوضع الحالي”.
وبين السكرتير العام لنقابة الصحافيين السودانيين أن “عودة الصحافة الورقية تحتاج إلى نموذج مختلف عن دورة العمل التقليدية، إذ يشمل صيغاً متنوعة داخل مؤسسة إعلامية متعددة المنصات، والصحيفة المطبوعة يمكن أن تكون حاضرة أيضاً على الموقع الإلكتروني والهاتف ومنصات التواصل، مع إنتاج التحقيقات والملفات والتحليلات والمواد المرئية والصوتية، عندها يصبح الورق جزءاً من المنتج الصحافي، بينما تتوزع بقية أشكاله على المنصات التي اعتاد الجمهور استخدامها، وسيعتمد استمرار أي نموذج على القيمة التي يقدمها للقارئ، خصوصاً في مجالات التحقيق والتحليل والملفات التي يصعب العثور عليها في ظل التدفق اليومي للمحتوى الرقمي، وتظل المعادلة الاقتصادية حاسمة وبخاصة كلفة استيراد الورق والطباعة والتوزيع، إضافة إلى ضعف إقبال القراء وتراجع سوق الإعلان”.
وواصل يقول “نحن في نقابة الصحافيين السودانيين ننظر إلى الخطوة من زاوية أوسع، وهي الحفاظ على الصحافة المهنية المستقلة، الورق وسيلة من وسائل النشر، بينما الصحافة مهنة ووظيفة عامة ترتبط بحق المجتمع في المعرفة والوصول إلى المعلومات ومساءلة أصحاب السلطة. ومن هذا المنظور، ينبغي أن تتزامن عودة المؤسسات مع توفير بيئة آمنة للصحافيين وضمان حرية الصحافة، وحماية استقلال المؤسسات الإعلامية من الاستقطاب السياسي والعسكري، وإعادة بناء البنية التحتية للمهنة، وكذلك معالجة أوضاع آلاف الصحافيين الذين فقدوا وظائفهم بسبب الحرب”.
نموذج جديد
في الواقع، لم تبدأ أزمة الصحافة السودانية مع اندلاع الحرب، بل سبقتها بأعوام طويلة من التآكل البطيء الذي أصاب الصناعة بأكملها. فمنذ العقد الأخير من حكم الرئيس السابق عمر البشير، كانت الصحف الورقية تخوض معركة بقاء يومية في مواجهة الرقابة والانكماش الاقتصادي وارتفاع أسعار الورق والأحبار المستوردة وتراجع القوة الشرائية للقراء. وخلال تلك الأعوام، أغلقت عشرات الصحف أبوابها أو تحولت إلى الصدور المتقطع، فيما تقلصت أعداد النسخ المطبوعة إلى مستويات متدنية.
وبحسب الأمين العام السابق لمجلس الصحافة والمطبوعات السوداني حسام الدين حيدر، “كانت هناك نحو 21 صحيفة سياسية ورياضية تصدر قبل الحرب، لكن معظمها توقف مع اندلاع القتال”.
وأشار إلى أنه “على المدى البعيد، قد لا تكون القضية الحقيقية هي عودة الصحف إلى الخرطوم بقدر ما هي قدرة الصحافة السودانية على بناء نموذج جديد يضمن الاستمرارية والاستقلالية”.
ولفت حيدر إلى أنه “يمكن أن تشكل مرحلة ما بعد الحرب فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الصحافة بوصفها إحدى ركائز السلام والدولة المدنية، لا كونها مجرد صناعة متعثرة تسعى إلى النجاة، بل مؤسسة تضطلع بدور محوري في المصالحة المجتمعية ومراقبة السلطة وصون الحقيقة”.







