رشان اوشي : من يدفع الفاتورة؟ (٢) تماسيح الوقود في ورطة

دولة رئيس الوزراء، د. كامل إدريس.. أزمة الوقود لا تبدأ عند محطات التوزيع حتى تهتف أمامها، و إنما تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ من شروط الاستيراد، و من الجهات التي تستطيع الحصول على الدولار، و من سعر الصرف، و من السياسات التي قررت من يدخل السوق و من يخرج منه، و من الجهات التي تملك القدرة على عبور كل هذه الحواجز.

هذه هي الحقيقة مجردة، و انت أدرى الناس بها.

وفي الجانب الآخر من الأزمة، وجد “تماسيح الوقود” أنفسهم أمام ورطة لم تكن في الحسبان. سعوا إلى احتكار استيراد الوقود، لكنهم أصبحوا لاحقاً أسرى له، يواجهون وحدهم الأزمة التي ساهمت سياسات الحكومة نفسها في صناعتها.
فعندما اتجهت وزارة الطاقة والنفط إلى وضع شروط تعجيزية لاستيراد الوقود، خرج عدد من المنافسين من السوق، و انحصرت دائرة الاستيراد في عدد محدود من الشركات.
و بذلك أصبح توفير الوقود مسؤولية عدد قليل من الموردين، يتناوبون على استيراده.

كان الموردون يحصلون على الدولار بالسعر الرسمي من بنك السودان، في حدود (5 ) آلاف جنيه للدولار، عندما وصل سعره في السوق الموازي إلى نحو (8) آلاف جنيه. تراجعت قدرة البنك المركزي على توفيره، وجد الموردون أنفسهم أمام خيارين، اما انتظار الدولار الرسمي، أو البحث عنه في السوق الموازي.
لكن حتى السوق الموازي جف تماماً من النقد الأجنبي.
و هنا تحولت قصة الاحتكار إلى ورطة. فالشركات التي احتكرت الاستيراد لم تعد تملك رفاهية التراجع؛ عليها أن توفر الوقود، وفي الوقت نفسه أن تبحث عن الدولار لتمويل الاستيراد.

رشان اوشي تكتب : من يدفع الفاتورة؟..(١) كيف آل قوت 40 مليون سوداني إلى سيطرة ثلاثة رجال؟
و القصة لا تقف عند البنزين و الجازولين فقط.غاز الطبخ يسير في الاتجاه نفسه، بعدما أصبح خاضعاً للسياسات ذاتها، إذ اشترطت وزارة الطاقة على موردي غاز الطبخ إيداع (40) كيلوغرام من الذهب كضمان.
و هي سياسات من شأنها أن تفضي إلى تركيز السوق في أيدي عدد محدود من الشركات القادرة على توفير هذه الضمانات.
كل ذلك يدفعنا إلى طرح تساؤلات مشروعة : من هم المستفيدون فعلياً من هذه المنظومة؟ من يملك القدرة على توفير هذه الكميات من الذهب كضمان؟ ومن أين يأتي الذهب؟
الإجابة التي لا يمكن إنكارها : توجد شركات و أشخاص يجمعون بين تجارة الذهب و استيراد الوقود.

إذا كان بنك السودان نفسه اتجه إلى شراء الذهب عبر وكلاء، مما تسبب في انهيار العملة المحلية ، هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى توضيح شفاف للرأي العام، وتقع مسؤوليته على بنك السودان المركزي.
لذلك، فإن تغيير الطاقم الحكومي وحده لن يكون كافياً إذا بقيت السياسات نفسها التي تدير سوق الوقود ومعاش الناس. المطلوب ليس فقط تغيير الأشخاص، و إنما مراجعة السياسات التي صنعت الاحتكار، و رفعت كلفة الاستيراد، و وضعت سلعة استراتيجية مثل الوقود تحت رحمة عدد محدود من المستوردين.

محبتي و احترامي
رشان اوشي




رشان اوشي‎

صحيفة سودانية تكتب في السياسة والتحقيقات الاستقصائية، عملت بعدد من الصحف السودانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.