الحرب الإقليمية و عبور الطيران الإثيوبي .. هل يستعيد السودان موقعه في الممرات الجوية الإقليمية؟

يشهد القرن الإفريقي و البحر الأحمر مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها التطورات العسكرية والسياسية بين إثيوبيا وإريتريا ومصر و السودان، بما يجعل المجال الجوي أحد أهم عناصر الأمن القومي و الاقتصاد الإقليمي.
و في مثل هذه الظروف، لا ينبغي النظر إلى الطيران الإثيوبي العابر باعتباره مجرد حركة طائرات فوق أراضي الدول، وإنما باعتباره جزءاً من شبكة جوية استراتيجية تربط:
شرق إفريقيا ↔ القرن الإفريقي ↔ البحر الأحمر ↔ الخليج ↔ مصر ↔ أوروبا.
و تزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة للسودان بسبب موقعه الجغرافي؛ إذ يمثل Khartoum FIR حلقة طبيعية بين المجال الجوي الإثيوبي من جهة، والمجالين المصري والسعودي وممرات البحر الأحمر من جهة أخرى.
15 رحلة أسبوعياً في مهبّ التوقف .. كيف يتأثر الطيران السوداني بخروج مطار الرياض من الخدمة؟
و تؤكد خطة الطوارئ الخاصة بـKhartoum FIR الصادرة عن ICAO أن المجال الجوي السوداني يرتبط تشغيلياً بعدد من الـFIRs المجاورة، من بينها Addis Ababa، Cairo، Jeddah، Nairobi، Entebbe و N’Djamena، وأن خطة الطوارئ وُضعت أساساً لضمان استمرار سلامة الطيران أثناء تعطل تقديم خدمات الحركة الجوية من Khartoum ACC.
ماذا يحدث للطيران الإثيوبي إذا اتسعت الحرب؟
من غير المرجح أن تتوقف Ethiopian Airlines بصورة كاملة لمجرد تصاعد الأزمة الإثيوبية–الإريترية.
الأرجح أن تقوم شركات الطيران بإعادة تصميم مساراتها، وتجنب مناطق الخطر، واستخدام بدائل جنوبية أو شرقية وفقاً لحالة المجالات الجوية المختلفة.
و قد تتجه بعض الحركة إلى:
إثيوبيا → كينيا → شرق إفريقيا
أو:
إثيوبيا → جيبوتي → البحر الأحمر → الخليج
أو، عندما تسمح الظروف الأمنية والتشغيلية:
إثيوبيا → السودان → مصر/البحر الأحمر/الخليج.
و هنا تظهر أهمية السودان.
السودان أمام فرصة استراتيجية
من الخطأ أن ينظر السودان إلى هذه التطورات باعتبارها تهديداً فقط.
فالأزمات الجوية الإقليمية ترفع قيمة الممرات البديلة.
و إذا تمكن السودان من استعادة إدارة مجاله الجوي بصورة آمنة و موثوقة، فإن موقعه الجغرافي يمكن أن يتحول من مشكلة أمنية إلى أصل استراتيجي واقتصادي.
لكن يجب أن نكون واضحين:
لا يمكن إعادة فتح المجال الجوي السوداني بمجرد قرار سياسي.
فالمشغلون وشركات التأمين والسلطات الأجنبية تحتاج إلى أدلة فنية مقنعة على أن الطيران فوق السودان أصبح آمناً.
و ما زالت EASA، في نشرتها الخاصة بالمجال الجوي السوداني CZIB-2023-01R8، توصي مشغليها بعدم الطيران في المجال الجوي السوداني على جميع الارتفاعات والمستويات بسبب المخاطر المرتبطة بالعمليات العسكرية وأنظمة الدفاع الجوي، وقد مُدّدت صلاحية النشرة حتى 31 يناير 2027.
لذلك فإن القاعدة الأساسية التي يجب أن تحكم الموقف السوداني هي:
السلامة أولاً، ثم استعادة الحركة، ثم تعظيم العائد الاقتصادي.
و ماذا عن CCT؟
هنا يجب أن نكون دقيقين.
إن CCT ليس بديلاً عن الدولة صاحبة المجال الجوي.
فقد أنشئت ترتيبات الـContingency بعد تعطل خدمات Khartoum ACC، وكان الهدف منها المحافظة على سلامة الحركة الجوية واستمرار التنسيق بين الـFIRs المتأثرة.
وتوضح خطة ICAO أن الدول المعنية تقدم إلى CCT المعلومات المتعلقة بمناطق الخطر والتطورات التشغيلية، وأن تنفيذ خطة الطوارئ تتم متابعته بصورة مستمرة.
ومن هنا يرى المركز أن السودان لا يحتاج إلى الدخول في مواجهة مع CCT أو ICAO، ولكنه يحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة.
يجب أن يكون:
CCT = Coordination
وليس:
CCT = Decision Making
أي:
السودان يقيّم ويقرر،
والـCCT ينسق،
وICAO تسهّل،
والمجالات الجوية المجاورة تتعاون.
السودان لا ينبغي أن يبقى في حالة الطوارئ إلى الأبد
مرت أكثر من ثلاث سنوات على توقف خدمات Khartoum ACC في ظروف الحرب.
وقد آن الأوان للتفكير في الانتقال التدريجي من:
Contingency Airspace Management
إلى:
Sovereign Airspace Management
أي استعادة السودان لقدرته الوطنية على إدارة مجاله الجوي، مع استمرار التعاون الكامل مع ICAO والدول المجاورة.
وهذا لا يعني الانعزال عن النظام الدولي.
بل يعني أن السودان يعود إلى موقعه الطبيعي:
دولة صاحبة سيادة على مجالها الجوي، تقدم خدمات الملاحة الجوية وفق المعايير الدولية، وتتعاون مع المجتمع الدولي دون أن تتنازل عن اختصاصها الوطني.
ما الذي ينبغي أن يفعله السودان؟
يجب أن يبدأ فوراً في إنشاء منظومة وطنية متخصصة لإدارة المخاطر الجوية:
Sudan Airspace Safety & Coordination Cell
تضم سلطة الطيران المدني، خدمات الملاحة الجوية، المطارات، الأرصاد، السلامة، الأمن، والجهات العسكرية المختصة بالتنسيق المدني–العسكري.
وتتولى:
• تقييم المخاطر الجوية والأمنية.
• تحديد مناطق الخطر.
• تقييم مخاطر الصواريخ والدفاع الجوي.
• متابعة GPS Jamming وSpoofing.
• تقييم الاتصالات والملاحة والمراقبة.
• تحديد الممرات الآمنة.
• مراجعة NOTAMs.
• تقييم قدرة وحدات ATC.
• التنسيق مع الـFIRs المجاورة.
• إصدار التوصيات الخاصة بفتح أو تعديل المسارات.
ويجب أن يصبح القرار مبنياً على:
Risk Assessment → Safety Case → Route Design → Coordination → NOTAM → Implementation
وليس على رد الفعل السياسي.
الممرات الآمنة قبل الفتح الشامل
المركز لا يدعو إلى فتح Khartoum FIR بالكامل بصورة مفاجئة.
بل يدعو إلى تحديد:
Safe Air Corridors
تبدأ من القطاعات التي يمكن إثبات سلامتها، ثم تتوسع تدريجياً كلما تحسنت الظروف الأمنية وقدرات CNS/ATM.
وهذا يسمح للسودان باستعادة الحركة بصورة تدريجية دون المجازفة بسلامة الطائرات.
بورتسودان يجب أن يكون جزءاً من الحل
يجب ألا يبقى Port Sudan مجرد مطار بديل.
بل يجب تطويره ليصبح:
Eastern Sudan Air Navigation Hub
قادرًا على دعم الحركة الجوية والتنسيق مع:
Addis Ababa FIR
Cairo FIR
Jeddah FIR
Nairobi FIR
وغيرها من المجالات الجوية المرتبطة بشبكة المنطقة.
وهذا يتطلب الاستثمار في:
ADS-B – VHF – VSAT – AFTN/AMHS – Surveillance – ATM – AIM – Meteorology
ثم الانتقال لاحقاً إلى:
ATFM – CPDLC – SWIM – Digital NOTAM
الرسالة الأهم
السودان يجب ألا ينظر إلى الطيران الإثيوبي باعتباره خصماً.
كما لا ينبغي أن يمنحه امتيازاً خاصاً.
بل يجب أن يقول للجميع:
المجال الجوي السوداني مفتوح للطيران المدني وفق متطلبات السلامة والقواعد المنشورة، وليس أداة في الصراع السياسي.
وبذلك يستطيع السودان التعامل مع Ethiopian Airlines وEgyptAir وQatar Airways وEmirates وSaudia وTurkish Airlines وKenya Airways وغيرها وفق قاعدة واحدة.
وهذا هو الموقف الذي يحفظ للسودان:
السيادة + الحياد + السلامة + المصلحة الاقتصادية.
الخلاصة
إن الأزمة الإقليمية الحالية قد تكون تهديداً للسودان، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح أمامه فرصة استراتيجية لاستعادة دوره الطبيعي في شبكة الطيران الإقليمية.
والخطر الحقيقي ليس فقط أن يفقد السودان بعض الرحلات العابرة.
الخطر الأكبر هو أن تعتاد شركات الطيران على مسارات بديلة، فتفقد Khartoum FIR موقعه التاريخي في شبكة الحركة الجوية، ويخسر السودان بذلك ليس فقط رسوم العبور، وإنما جزءاً من أهميته الجيو-اقتصادية.
ولهذا فإن موقف السودان يجب أن يكون:
لا مواجهة مع CCT، ولا تبعية له.
لا مواجهة مع ICAO، بل شراكة معها.
لا استخدام للمجال الجوي كسلاح سياسي.
ولا تنازل عن السيادة الجوية السودانية.
إن الهدف الحقيقي هو:
استعادة السيطرة التشغيلية على Khartoum FIR وفق أعلى معايير السلامة الدولية.
المركز السوداني لدراسات وبحوث الطيران
12 أكتوبر 2026







