فك احتكار الوقود حتى لا يتحول إلى احتكار جديد .. القرار يحتاج إلى «تأهيل المستورد» لا مجرد فتح باب الاستيراد

الترحيب بقرار فتح استيراد Jet A-1 لا يعني أن نغفل عن الخطر الكامن في طريقة تنفيذه.

فالقرار، في صورته الحالية، قد يحمل في أحشائه بذرة انتشار جديد للمغامرين والوسطاء إذا تحول مفهوم «فتح المنافسة» إلى مجرد السماح لكل من يستطيع توفير الضمان المالي بالتقدم للحصول على حق الاستيراد.

وهنا يجب أن نكون واضحين:

ليس كل من يستطيع إيداع 200 كجم من الذهب مؤهلاً لاستيراد وقود الطائرات.

فالذهب يستطيع أن يوفر ضماناً مالياً، لكنه لا يصنع خبرة في وقود الطائرات، ولا يوفر سجلاً مهنياً، ولا يعرف مواصفات Jet A-1، ولا يستطيع إدارة سلسلة إمداد حساسة تبدأ من المصفاة أو الميناء وتنتهي في خزانات المطار وجناح الطائرة.

وقد أصبح شرط الضمان الذهبي جزءاً من منظومة تمويل استيراد المنتجات البترولية وفق إجراءات بنك السودان المركزي. (CBOS)

و من هنا يجب ألا تتحول الضمانة المالية إلى معيار التأهيل الوحيد.

من يستطيع استيراد الوقود؟

السؤال الصحيح ليس:

من يملك الذهب؟

وإنما:

من يملك القدرة والخبرة والسجل المهني لاستيراد وقود الطائرات؟

وهذا يتطلب نظام Pre-Qualification واضحاً قبل السماح لأي شركة بالدخول في عملية الاستيراد.

ويجب أن يشمل ملف التأهيل:

  • خبرة الشركة في تجارة واستيراد المنتجات البترولية.
  • Track Record موثق لعدة سنوات.
  • خبرة سابقة في Jet A-1 إن وجدت.
  • الخبرات الفنية والإدارية للعاملين.
  • السجل المالي والائتماني.
  • القدرة على تمويل الشحنات.
  • القدرة على تأمين الإمدادات بصورة مستمرة.
  • الخبرة في النقل والتخزين والمناولة.
  • علاقات الموردين العالميين.
  • سجل الالتزام بالعقود.
  • عدم وجود سوابق في الغش أو التلاعب في الفواتير.
  • القدرة على الالتزام بالمواصفات العالمية.
  • خطة واضحة للمخزون الاستراتيجي.
  • خطة الطوارئ في حالة انقطاع الإمدادات.

الـ Track Record يجب أن يكون شرطاً، وليس ميزة إضافية.

هيئة واحدة لا تكفي

وهنا يجب ألا يكون قرار التأهيل بيد وزارة الطاقة وحدها.

نحن نتحدث عن سلعة ترتبط مباشرة بسلامة الطيران، وبالنقد الأجنبي، وبالتجارة الخارجية، وبالنقل الجوي، وبالمواصفات القياسية.

ولذلك أقترح تشكيل لجنة تأهيل وطنية مستقلة لوقود الطائرات تضم على الأقل:

  1. وزارة الطاقة والنفط

لتقييم مصدر الوقود، كميات الاستيراد، السوق البترولي، والإمدادات.

  1. بنك السودان المركزي

لتقييم القدرة المالية، الضمانات، مصادر التمويل، والتحويلات الخارجية.

  1. الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس

لتكون مسؤولة عن جانب المواصفات والاختبارات وشهادة المطابقة.

  1. سلطة الطيران المدني

لأن Jet A-1 ليس مجرد منتج بترولي؛ إنه مادة تدخل مباشرة في منظومة سلامة الطيران.

  1. غرفة النقل الجوي

لأن شركات الطيران هي المستهلك النهائي، وهي الأكثر قدرة على تقييم أثر السعر وجودة الخدمة واستمرارية الإمداد.

  1. شركة مطارات السودان

باعتبارها الجهة المعنية بالبنية التحتية للمطارات، والتخزين والمناولة والتزويد داخل المطار وفق الهيكل المؤسسي المعتمد.

  1. جهات رقابية ومالية ذات صلة

بحيث لا تصبح عملية التأهيل مجرد إجراء إداري للحصول على رخصة.

نحتاج إلى نظام نقاط وليس مجرد رخصة

يمكن مثلاً إنشاء نظام تقييم من 100 نقطة:

المعيار الوزن
Track Record والخبرة السابقة 25%
الخبرة الفنية في وقود الطائرات 15%
القدرة المالية والتمويل 15%
الموردون العالميون ومصادر الإمداد 10%
أنظمة الجودة والسلامة 15%
التخزين والنقل وسلسلة الإمداد 10%
الالتزام الضريبي والمالي والجمركي 5%
خطة الطوارئ والمخزون الاستراتيجي 5%

السودان يتجه إلى رفع الدعم تدريجياً عن الوقود
و لا تحصل الشركة على حق الاستيراد إلا إذا تجاوزت حداً أدنى للتأهيل.

وبذلك يصبح لدينا:

Financial Capacity + Technical Competence + Track Record + Safety + Quality

وليس:

Gold Deposit = Import Licence

لماذا هذا مهم بصورة خاصة في Jet A-1؟

لأن الخطأ في استيراد سلعة عادية قد يؤدي إلى خسارة مالية.

أما الخطأ في وقود الطائرات فقد يتحول إلى مسألة سلامة طيران.

وتؤكد IATA أن سلسلة وقود الطائرات تتطلب معالجة تحديات التلوث والتخزين والتوزيع والالتزام بالمواصفات الفنية، بالتعاون مع جهات المواصفات والهيئات التنظيمية والمصنعين. (IATA)

كما أن IATA تدعو صراحة إلى أن يكون أي مورد قادراً على استيفاء معايير السلامة والجودة والموثوقية قبل السماح له بتزويد الطائرات. (IATA)

إذن:

فتح السوق نعم، ولكن فتحه أمام المؤهلين فقط.

الذهب ضمان مالي وليس شهادة خبرة

هذه نقطة يجب أن تكون واضحة.

إذا كان بنك السودان يريد من خلال الضمان الذهبي حماية النقد الأجنبي ومنع المضاربة، فهذا مفهوم من الناحية المالية.

لكن يجب ألا تتحول هذه الضمانة إلى جواز مرور فني.

فالشركة التي تملك القدرة على تقديم الذهب قد تكون شركة ممتازة، وقد تكون شركة لا تمتلك أي خبرة في وقود الطائرات.

ولهذا يجب فصل الأمرين:

Bank of Sudan → Financial Qualification

Standards Authority → Quality Qualification

Civil Aviation Authority → Aviation Safety Qualification

Ministry of Energy → Petroleum Supply Qualification

Air Transport Chamber → User/Market Assessment

ثم تأتي النتيجة النهائية من خلال لجنة تأهيل مشتركة.

والأهم: لا نريد 50 مستورداً واحتكاراً جديداً

إذا فتحنا الباب بلا ضوابط، فقد ننتقل من:

احتكار عدد محدود من الشركات

إلى:

عشرات الشركات التي تتنافس على الحصول على حصة الاستيراد والذهب والعملة، بينما يظل عدد محدود منها قادراً فعلياً على التوريد.

وقد يصبح النشاط الحقيقي ليس استيراد الوقود، وإنما الحصول على الحق في الاستيراد ثم إعادة بيع هذا الحق أو الدخول في شراكات وعمولات.

وهنا نكون قد خلقنا سوقاً جديدة للمضاربة بدلاً من خلق سوق حقيقية للوقود.

لذلك يجب أن يكون الترخيص:

غير قابل للبيع أو التأجير أو التنازل عنه دون موافقة الجهة المختصة.

وأن يكون مشروطاً بتنفيذ حد أدنى فعلي من الكميات، مع سحب الترخيص من الشركة التي تحصل على الحصة ولا تنفذ.

والأفضل من ذلك: المنافسة على السعر

بدلاً من توزيع حصص الاستيراد بصورة إدارية، لماذا لا تكون المنافسة من خلال عطاءات شفافة؟

الدولة تحدد:

  • الكمية.
  • المواصفة.
  • ميناء التسليم.
  • موعد التسليم.
  • شروط الجودة.
  • الحد الأدنى للمخزون.
  • الضمانات.

ثم تتنافس الشركات المؤهلة على أفضل سعر وشروط توريد.

وهنا يمكن الاستفادة من الشركات العالمية المتخصصة.

فالمنافسة الحقيقية ليست فقط بين شركات سودانية؛ يمكن أن يدخل في منظومة التوريد لاعبون عالميون ذوو خبرة وسمعة مثل Shell Aviation وAir bp وTotalEnergies وغيرها، سواء بصورة مباشرة أو من خلال شراكات مع شركات سودانية مؤهلة.

وتوضح بيانات IATA أن شركات مثل Shell Aviation وAir bp وغيرها تشارك بالفعل في منظومات توريد وقود الطائرات ومعايير البيانات التجارية والتشغيلية للقطاع. (IATA)

السودان يحتاج إلى «سوق وقود طيران» وليس مجرد «رخص استيراد»

هذه هي الفكرة الأساسية.

يجب أن ننظر إلى Jet A-1 كسلسلة متكاملة:

Refinery / International Supplier

↓

Import

↓

Port / Pipeline / Transport

↓

Storage

↓

Airport Fuel Farm

↓

Into-Plane

↓

Aircraft

وفي كل مرحلة يجب أن توجد المنافسة أو التنظيم الاقتصادي المناسب.

وتوصي IATA بأن تكون مرافق تخزين الوقود والبنية التحتية ذات الصلة مفتوحة بصورة عادلة وغير تمييزية، وأن تُفرض رسوم شفافة ومبررة على استخدامها، مع تجنب سيطرة جهة واحدة على عدة حلقات من سلسلة الإمداد. (IATA)

وهذه نقطة بالغة الأهمية للسودان.

لا يجوز أن نحرر الاستيراد بينما يبقى التخزين أو المناولة أو التزويد محتكرًا.

عندها ينتقل الاحتكار فقط من الباب الخارجي إلى الباب الداخلي.

الخلاصة

قرار فك الاحتكار خطوة صحيحة في الاتجاه الصحيح.

لكن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الشركات التي تحصل على رخصة الاستيراد.

بل يقاس بعدد الشركات المؤهلة فعلياً التي تستطيع أن توفر Jet A-1 بالمواصفات المطلوبة، وبالسعر التنافسي، وباستمرارية الإمداد، وبسجل مهني يمكن الرجوع إليه.

لذلك يجب أن يكون شعار المرحلة:

افتحوا السوق… ولكن لا تفتحوا الباب للمغامرين.

فكوا الاحتكار… ولكن لا تصنعوا احتكاراً جديداً.

اجمعوا الذهب إن كان ذلك ضرورياً لحماية النقد الأجنبي، ولكن لا تجعلوا الذهب بديلاً عن الخبرة.

واجعلوا الـ Track Record والخبرة الفنية والقدرة المالية والسلامة والجودة شروطاً أساسية للحصول على حق استيراد وقود الطائرات.

فوقود الطائرات ليس سلعة يتعلم الإنسان تجارتها بعد حصوله على الرخصة.

إنه جزء من منظومة سلامة الطيران الوطني.

ولهذا فإن الجهة التي تمنح حق استيراده يجب أن تسأل قبل أن تسأل عن الذهب:

أين خبرتك؟

أين سجلك؟

من هم موردوك؟

كيف ستضمن الجودة؟

أين ستخزن الوقود؟

كيف ستؤمّن الإمداد؟

و ما الذي يثبت أنك قادر فعلاً على القيام بهذه المهمة؟

ذلك هو الفرق بين فك الاحتكار وبناء سوق حرة مسؤولة.

طيران بلدنا


إنضم إلى قناة سودافاكس على الواتساب

تحرير سودافاكس

فريق التحرير في شبكة سودافاكس الإخبارية، المنصة الإعلامية الرقمية السودانية المستقلة التي تأسست عام 2012.يضطلع فريق التحرير بمتابعة الأحداث الجارية وتوثيقها لحظةً بلحظة، ويشمل ذلك الأخبار العاجلة والتقارير الإخبارية والبيانات الرسمية والمستجدات الميدانية في السودان والمنطقة العربية. يعمل الفريق وفق معايير الصحافة المهنية القائمة على الدقة في النقل والتحقق من المصادر، تحت إشراف رئيس التحرير حسن بشير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.