السودان في قبضة الغلاء ومخاوف من انفجار اجتماعي

تواجه الحكومة السودانية عجزاً كبيراً في كبح جماح الغلاء وارتفاع الأسعار المرهق، وسط تفاقم الأزمة الاقتصادية في ظل الحرب المستمرة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” منذ ثلاثة أعوم ونصف العام، إذ لم يعد المواطن قادر على مجاراة الوضع الراهن، وتحمل الأعباء المعيشية التي أثقلت كاهله، في ظل تصاعد معدلات التضخم، وتهاوي قيمة الجنيه الذي تحاوز في السوق الموازية 8 آلاف جنيه للدولار الواحد.

إبراهيم شقلاوي يكتب: الغلاء.. أزمة سوق أم أزمة دولة؟

والي الجزيرة : موجة الغلاء وجه ثالث للحرب في السودان

ولا يقتصر الضغط المعيشي على أسعار الغذاء والمواد الاستهلاكية فقط، وإنما امتد ليشمل رسوم المدارس والإيجارات والوقود والدواء والكهرباء والمياه والمواصلات وغيرها من كُلف الحياة.

في المقابل، تحاول الحكومة اتخاذ تدابير بفتح أسواق البيع المخفض، إضافة إلى أسواق متنقلة بأسعار مدعومة لخفض التضخم، لكن من دون جدوى في ظل ضعف الأجور ونفاد المدخرات، في حين يرى مراقبون اقتصاديون أن بالإمكان وقف التدهور الاقتصادي إذا ما جرى توظيف الموارد المتاحة التي تمتلكها البلاد، واستعادة قدرتها على الإنتاج والتعدين وثقة المستثمرين.

مواطن مرهق
تقول آمنة محمود، وهي ربة منزل تعيش في مدينة أم درمان، إن “راتب زوجي قبل الحرب كان كافياً في تأمين حاجات أسرتي المكونة من أربعة أفراد، لكن اليوم أصبح راتبه لا يكفي لنصف الشهر، بسبب الغلاء الذي يضرب البلاد ويطاول كل شيء ويثقل كاهل المواطن بزيادة حجم الإنفاق، فضلاً عن وجود أعباء إضافية ترهق المواطن، وتسهم في تآكل قدرته الشرائية وتغير نمط حياته، إذ بات من الصعب على الفرد تأمين أبسط مقومات الحياة والوفاء بمتطلباتها الأساس، في ظل محدودية الراتب الشهري، فالمواطن يخوض معركة عيش يومية لا تقل ضراوة عن ما يدور في الميدان، إذ لا يكفي دخله لتأمين الحاجات الملحة”.

وأشارت محمود إلى أن “الحكومة غير قادرة على تطبيع أوضاع المواطنين، عقب تطميناتها للنازحين واللاجئين بأن البلاد تسير نحو الاستقرار، وكانت النتيجة أنهم هرعوا إلى ديارهم باستجابة غير مسبوقة من دون حسابات، لكنهم اصطدموا بواقع مرير، عنوانه الغلاء المستفحل الذي حول شريحة واسعة من المواطنين، خصوصاً التي تعاني هشاشة اقتصادية، إلى فئة المتسولين، فالغلاء لم يتوقف عند حد الغذاء، وإنما شمل إيجارات المنازل ورسوم المدارس وفواتير الكهرباء والمياه والمواصلات والخبز، وغيرها من كلف المعيشة”.

وأوضحت ربة المنزل أن “مسايرة الحياة في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار أصبحت هاجساً يؤرق مضاجع المواطنين، فالكل يشتكي من عدم قدرته على شراء الحد الأدنى من حاجاته اليومية، فضلاً عن الأعباء المالية الإضافية التي قد تفرضها الظروف الطارئة، مثل المرض أو سواه من الحالات غير المتوقعة، إضافة إلى الخدمات المتدنية وأحياناً المعدومة، بخاصة في ما يتعلق بالحصول على مياه نظيفة صالحة للشرب، وانتظام الكهرباء، فالوضع عموماً صعب للغاية”.

مرارة العيش
فيما أفاد المواطن حامد يوسف الذي يسكن جنوب الخرطوم قائلاً إنه “من المؤسف أن تتضاعف الأسعار بصورة جنونية مع كل يوم جديد، نتيجة شح العملات الصعبة وتراجع قيمة العملة المحلية، كما يقول التجار حينما نسألهم عن سبب هذا الارتفاع، وأصبحنا كمواطنين في وضع لا نحسد عليه، فالكل سواسية من ناحية الشكوى من مرارة العيش، بل أصبحت أعداد الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع تتزايد بصورة خطرة”.

واستطرد “هناك حال من الاحتقان تسود أوساط التجار والمستهلكين معاً، فالاثنان يشكيان سوء الأوضاع وسط مخاوف من خروج الوضع عن السيطرة، بخاصة أنه ليست هناك بوادر أمل لوقف هذا التدهور في ظل الحرب المستعرة”.

وختم المواطن حديثه “في الحقيقة نعيش في رعب من ناحية الغلاء المستحكم، وانتشار جرائم السرقة والنهب والقتل وغيرها من الظواهر، والكل يتساءل عن الحلول الممكنة لتفادي أي انهيار كامل، مما يقود إلى فوضى عارمة بسبب الجوع”.

وقف التدهور
يرى الباحث الاقتصادي عبدالوهاب جمعة أنه “بإمكان الحكومة وقف التدهور الاقتصادي، على رغم أزمة الحرب المستمرة، إذا ما جرى توظيف الموارد المتاحة، كون السودان يمتلك موارد معروفة في قطاعات إنتاجية يمكن البناء عليها في المناطق الآمنة، من بينها الزراعة والتعدين، فضلاً عن إمكان التوسع في زراعة بعض المحاصيل، مثل الذرة والدخن والفول السوداني والصمغ العربي والسمسم، إضافة إلى تشجيع الصناعات الغذائية الصغيرة”.

وأردف جمعة “في تقديري أن مكافحة الفساد ونشاط السوق الموازية، وزيادة الإيرادات العامة، وعدم فرض أعباء مالية غير مبررة على الشركات العاملة في مجال الوقود والطاقة والمواد الغذائية والمحال التجارية، جهود تحد من الانهيار الاقتصادي المتسارع”، موضحاً أن “من مهام الدولة البحث عن شرعنة تمكنها من جلب استثمارات قادرة على تحمل الأخطار، مع توفير ضمانات الحماية، بخاصة أن هناك مستثمرين عادوا للبلاد على رغم الحرب”.

واستدرك الباحث الاقتصادي قائلاً إن “مستقبل الاقتصاد السوداني سيظل رهين السياسات المتبعة، مما يجعل الحكومة أمام خيارين، إما الاستمرار في النهج الحالي ذاته، أو تبني حوكمة أكثر كفاءة للموارد العامة والنشاط الاستثماري، مما يتيح استعادة الاستقرار وتحقيق النمو”.

جهود محدودة
في السياق، يشير المحلل الاقتصادي عاصم عبدالعزيز إلى أن “قدرة الحكومة على الحد من الأزمة المتصاعدة في الغلاء ستظل محدودة، ما دامت الحرب مستمرة، إذ أدى الصراع إلى تدمير أجزاء واسعة من البنى الاقتصادية، بتعطيل المصانع والشركات ونزوح المزارعين والعمال، فضلاً عن تراجع ثقة المستثمرين”.

وأضاف “أي تحسن في سعر صرف الجنيه السوداني سيبقى محدوداً، ما لم تستعد البلاد استقرارها الأمني، لأن استمرار الحرب يعني استمرار تراجع الإنتاج وفرض الاستثمارات وتدفقات النقد الأجنبي”.

وتابع عبدالعزيز أن “الحرب قلصت فرص السودان في المِنح والقروض الخارجية التي يمكن أن تسهم في تخفيف حدة الأزمة، ولا سيما أن الحصول على تمويل جديد من مؤسسات، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، يتطلب وجود حكومة مستقرة وقادرة على الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة”، مردفاً أن “الاستثمار الأجنبي يحتاج إلى بيئة يصعب توفيرها راهناً، وفي مقدمها الأوضاع الأمنية، لجهة أن المستثمرين يبحثون عن ضمانات لحماية استثماراتهم وأرباحهم”.

ويلفت المحلل الاقتصادي إلى أنه “حتى لو حصل السودان على مليارات الدولارات من المنح، فإن ذلك لن يوقف تهاوي الجنيه بصورة دائمة، ما لم يستعد الاقتصاد قدرته على الإنتاج والتعدين وجذب الاستثمار”.


إنضم إلى قناة سودافاكس على الواتساب

رأي سودافاكس

فضاء مفتوح لأقلام سودانية متنوعة في شبكة سودافاكس الإخبارية. تعكس لمقالات المنشورة هنا آراء أصحابها ولا تُعبّر بالضرورة عن موقف هيئة التحرير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.