تصاعد معارك النيل الأزرق والمسيرات تهاجم الخرطوم

تصاعدت وتيرة القتال في محور النيل الأزرق أمس الأربعاء، إذ شهد تصعيداً عسكرياً برياً حاداً، ودارت معارك ومواجهات ضارية بين الجيش السوداني وحلفائه من جهة، وقوات “الدعم السريع” وحليفتها “الحركة الشعبية – شمال” بقيادة جوزيف توكا، نتيجة تصدي الجيش لهجوم كبير على تخوم منطقة “سالي” الاستراتيجية بمحافظة باو جنوب غربي العاصمة الإقليمية الدمازين، وذلك عقب إعلان “الدعم السريع” الأربعاء، سيطرتها على منطقة “البركة” في محيط محلية الكرمك الحدودية مع إثيوبيا.

وتجددت الاشتباكات بحسب مصادر عسكرية، ضمن عمليات التصدي العنيفة للجيش وحلفاؤه لهجوم متزامن شنته قوات “الدعم السريع” و”الحركة الشعبية” على منطقة “سالي” الحيوية بمحافظة “باو” جنوب غربي العاصمة الإقليمية الدمازين.

الجيش يحبط هجوما جديدا في النيل الأزرق ومسيرة تقصف محطة كهرباء

الجيش السوداني يصد هجوما بريا بالنيل الأزرق ويسقط مسيرات في الخرطوم

الجيش السوداني يقصف تحصينات الدعم السريع بغرب كردفان

ووصف بيان لـ”الدعم السريع” السيطرة على منطقة البركة بأنها تمثل “خطوة أساسية” نحو تحقيق أهدافها في ما تسميه بـ”إقليم الفونج الجديد”، مؤكدة استيلائها على أسلحة وذخائر ومركبات قتالية من الجيش أثناء المعارك.

وتقع منطقة البركة ويطلق عليها أيضاً “خور البركة”، جنوب شرقي إقليم النيل الأزرق على تخوم مدينة الكرمك التي تقع على الحدود مع إثيوبيا، كما تبعد نحو 155 كيلومتراً جنوب شرقي العاصمة الإقليمية الدمازين.

ومنذ أشهر عدة يشهد إقليم النيل الأزرق تصعيداً عسكرياً براً وجواً تصاعدت وتيرته في الأيام الأخيرة وتركزت فيه المواجهات في منطقتي سالي والبركة الاستراتيجيتين بمحلية الكرمك.

وكان تعميم للفرقة الرابعة التابعة للجيش أعلن تصديه لهجمات متكررة من “الدعم السريع” و”الحركة الشعبية” على منطقتي سالي والبركة، مؤكداً تصميمه على إنهاء وجود القوات المتمردة في المنطقة وكل الإقليم.

وتسببت المعارك والمواجهات المستمرة بإقليم النيل الأزرق في نزوح نحو 400 ألف شخص، غالبهم من مناطق قيسان والكرمك والقرى المجاورة، جراء سيطرة قوات محمد حمدان دغلو “حميدتي” على هذه المناطق.

وتقول الأمم المتحدة إن غالب النازحين في إقليم النيل الأزرق بحاجة إلى تدخلات مستمرة، لتوفير الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والحماية.

وفي سياق حرب المسيرات المتصاعدة تعرضت الخرطوم أمس الأربعاء، ولليوم الثاني على التوالي خلال هذا الأسبوع، لهجوم جديد بالمسيرات من “الدعم السريع”.

وأكدت مصادر رسمية بالعاصمة تصدي منظومات الدفاع الجوي ومضادات الطيران وإسقاطها أكثر من طائرة مسيرة استهدفت مناطق متفرقة تقع في شمال وشرق الخرطوم، وسقطت إحداها بمنطقة “الباقير” بأقصى جنوب الخرطوم وشمال ولاية الجزيرة، والثانية في منطقة كافوري، شمال شرقي الخرطوم بحري، كان هدفهما الأساس مهاجمة مطار الخرطوم.

قصف نيالا والضعين
كما شنت مسيرات الجيش أمس الأربعاء غارات جوية عنيفة استهدفت مواقع لـ”الدعم السريع” في مدينتي نيالا والضعين، بولايتي جنوب دارفور وشرقها.

وأكدت مصادر عسكرية أن الغارات مكثفة على مدينة نيالا، تركزت على مناطق شمال وغرب المدينة، فضلاً عن مواقع في حي السينما وحي النهضة، أسفرت عن تدمير مخازن إمداد ومقتل قياديين وأفراد من “الدعم السريع”.

وفي محور كردفان، أكدت مصادر ميدانية شن ضربات جوية تستهدف ارتكازات لـ”الدعم السريع” في الفولة والأضية بولاية غرب كردفان، أسفرت عن تحييد قائد مجموعة العمليات الخاصة لتلك القوات.

كما تعرضت مدينة الدلنج، كبرى مدن ولاية جنوب كردفان، مجدداً لقصف مدفعي عنيف بواسطة “الدعم السريع” و”الحركة الشعبية – شمال” بقيادة عبدالعزيز الحلو.

قتلى الإيواء
أما في دارفور فقتل خمسة أشخاص جراء قصف بطائرة مسيرة استهدف تجمعاً لإيواء اللاجئين السودانيين ببلدة بامنا داخل الأراضي التشادية، قرب الحدود مع السودان.

وأفاد بيان لمجلس غرف الطوارئ بمحلية الطينة في ولاية شمال دارفور، بمقتل متطوعَين إنسانيين و3 لاجئين وإصابة آخرين، محذراً من استهداف المناطق المأهولة ومراكز إيواء اللاجئين الذي يفاقم معاناة المدنيين.

ولجأ آلاف السودانيين من مناطق الطينة وأمبرو وكرنوي بولاية شمال دارفور إلى بلدة “بامنا” داخل الأراضي التشادية، هرباً من تصاعد القتال في المناطق الحدودية بين البلدين، بين الجيش و”القوات المشتركة” من جهة، وقوات “الدعم السريع” من جهة أخرى.

الاستسلام أو الموت
في هذا الوقت جدد رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش عبدالفتاح البرهان تمسكه برفض “الدخول في أي حوار مع التمرد”، مشدداً على أن “السودان لن يقبل بفرض أي إملاءات خارجية عليه عبر قوى سياسية تنشط في خارج السودان وتؤلب ضده”، مشيراً إلى أن “الشعب السوداني هو صاحب الحق في تقرير مصيره واختيار من يحكمه عبر صناديق الانتخابات”.

وشدد البرهان لدى مخاطبته تجمعاً جماهيرياً بمدينة “وادي حلفا” بالولاية الشمالية، أنه لم يعد أمام “الدعم السريع” سوى “الاستسلام أو الموت، ولا مكان في السودان لأي عميل أو خائن أو مرتزق”، مؤكداً أن “المصريين الموجودين في السودان يحظون بالأمن والرعاية التامة ونوجه الشكر إلى القاهرة”.

فك حظر السلع
وفي وقت تشهد فيه الأسواق السودانية ارتفاعاً جنونياً متسارعاً في أسعار السلع الأساسية، بالتزامن مع انهيار قيمة الجنيه، وجه رئيس مجلس السيادة الانتقالي بإلغاء قرارات سابقة لوزارة التجارة، بحظر استيراد 46 سلعة غذائية، معلناً إعفاء مجموعة من السلع والمواد الغذائية الأساسية من الرسوم الجمركية، شملت الدقيق والرز والبقوليات والفول والعدس وزيوت الطعام والخضراوات، تمثل نحو ثلاثة في المئة من إجمالي قيمة واردات البلاد.

وأوضح البرهان أن زيارته للولاية الشمالية تهدف إلى الوقوف على المشكلات التي تواجه الزراعة، لا سيما معالجة التحديات التي تواجه القطاع الزراعي ومشاريع البرقيق وكرمة والدفوفة في ظل شح الأمطار، والعمل على تدارك موقف الموسم الزراعي الشتوي بالولاية.

تحالف “صمود” والحوار
سياسياً، أكد عضو “لجنة تهيئة الحوار السوداني” نبيل أديب بأن النقاشات مع التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن اللجنة لم تتلق حتى الآن رداً نهائياً من التحالف حول مشاركته في الحوار.

ونفى أديب توجيه اللجنة دعوة رسمية إلى “تحالف السودان التأسيسي” (تأسيس)، الذي يترأسه محمد حمدان دقلو (حميدتي)، للمشاركة في الحوار، باعتبار أن التحالف يصنف تنظيماً عسكرياً لا يندرج ضمن الجهات المؤهلة للمشاركة في الحوار، وأضاف أن “الدعوات الموجهة إلى الجهات المعنية لم تكتمل بعد، مما يجعل تحديد موعد دقيق لانعقاد الحوار أمراً غير ممكن في الوقت الراهن”.

إضراب شامل
إلى ذلك أعلنت لجنة المعلمين السودانيين أمس الأربعاء تنفيذ الإضراب الذي دعت إليه في عدد من محليات ولاية الخرطوم بنسب وصفتها بالعالية، مشيرة إلى أن محليتي كرري وشرق النيل شهدتا استجابة واسعة للإضراب.

وأشادت اللجنة باستجابة المعلمين للإضراب، كما أعربت عن تقديرها “لتفهم المجتمع دوافع الخطوة”، داعية السلطات إلى الاستجابة لمطالب المعلمين، التي قالت إنها تمثل “صرخة من فئة تشكل العمود الفقري للمجتمع”.

وكانت لجنة المعلمين السودانيين أعلنت أمس تنظيم إضراب شامل عن العمل يومي الأربعاء واليوم الخميس، احتجاجاً على ما وصفته بتجاهل السلطات لمطالب المعلمين والتنصل من الالتزامات المالية والخدمية تجاه العاملين في قطاع التعليم.

تنسيق أفريقي
إقليمياً أكد الاجتماع الـ21 لوزراء خارجية دول السوق المشتركة للشرق والجنوب الأفريقي (الكوميسا)، الذي انعقد أمس بالعاصمة الزيمبابوية هراري، احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه واستقلال مؤسساته الوطنية، والرفض التام للتدخلات الخارجية والإمدادات العسكرية والمالية للأطراف المسلحة والميليشيات.

دعا المجلس الوزاري، في ختام جلساته، إلى تنسيق جهود “الكوميسا” والاتحاد الأفريقي والمبادرات الأفريقية الداعمة للسلام، تفادياً لتعارض المسارات التفاوضية، مشدداً على الأهمية الاستراتيجية لاستقرار السودان بالنسبة إلى أمن المنطقة وحركة التجارة البينية والأمن الغذائي وأمن الحدود.

وأكد وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم، الذي قاد وفد بلاده المشارك في أعمال المؤتمر، تمسك السودان بموافقه الثابتة بضرورة الوصف الدقيق والمباشر لقوات “الدعم السريع” بـ”الميليشيات المتمردة” في الأدبيات والمداولات الإقليمية، “نظراً إلى ما ارتكبته من جرائم وانتهاكات جسيمة في حق المدنيين، وما خلفته من دمار ممنهج للبنية التحتية”.

ودعا سالم إلى “تعزيز التنسيق والعمل الأفريقي المشترك، من خلال آلية إقليمية موحدة للتعامل مع التحديات الأمنية والسياسية، ومواجهة الحركات المتمردة والجماعات الإرهابية العابرة للحدود، التي تستغل الأزمات لتهريب السلع والإضرار بالاستقرار الاقتصادي ورفع تكاليف المعيشة”.

تنسيق المبادرات
دولياً اختتمت في جنيف، أمس الأربعاء، أعمال الاجتماع التشاوري السادس لتنسيق مبادرات السلام في السودان، من دون إصدار بيان ختامي أو إعلان اتفاق لوقف إطلاق النار.

وكان في طليعة المشاركين في الاجتماع أعضاء “المجموعة الرباعية الدولية”، الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، فضلاً عن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي ومسؤولين من دول مجاورة للسودان، من بينها إثيوبيا وتشاد.

وقال المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو، خلال المؤتمر الصحافي الختامي، إن الاجتماع ضم ممثلين عن 21 دولة وخمس منظمات دولية، وتركزت مناقشاته على ثلاثة مسارات رئيسة: التهدئة والترتيبات الأمنية، والمسار السياسي، والتداعيات الإقليمية للحرب.

وأشار هافيستو إلى أن “المسار الأمني تناول إمكان التوصل إلى هدنة إنسانية ووقف لإطلاق النار، إلى جانب بحث الترتيبات التي ينبغي أن تعقب توقف القتال، في حين ناقش المسار السياسي سبل الإعداد لمرحلة انتقالية من خلال عمل الآلية الخماسية، التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) وجامعة الدول العربية”.

الأسرى وبناء الثقة
وأضاف أن “الأمم المتحدة بدأت العمل على إجراءات محدودة لبناء الثقة، يتمثل أولها في إمكان تبادل أسرى الحرب والمحتجزين، بمن فيهم المدنيون والعسكريون، بينما يتعلق الإجراء الثاني بتسهيل امتحانات المرحلة الثانوية لجميع الطلاب السودانيين، بصرف النظر عن المناطق التي يقيمون فيها”.

وكشف المبعوث عن عقد اجتماعات مشتركة ومكثفة في جنيف بين دول الرباعية، وأعضاء الآلية الخماسية، مشدداً على أن “المجتمع الدولي لا يرى حلاً عسكرياً للحرب، على رغم استمرار أطراف سودانية في الاعتقاد بإمكان تحقيق انتصار في ميدان القتال”، مؤكداً أن “إنهاء النزاع يتطلب مفاوضات وحلاً دبلوماسياً”.

ولفت إلى أن “الحرب لم تعد مجرد مواجهة ثنائية داخلية، بل أصبحت حرباً بين تحالفات واسعة تضم أطرافاً متعددة ومصالح متشابكة”، محذراً من تنامي اقتصاد الحرب، بما يزيد تعقيد فرص التسوية.

Exit mobile version