الجيش السوداني يقصف معاقل قيادة “الدعم السريع” في نيالا

اتسم وضع العمليات العسكرية في محاور القتال الثلاثة الرئيسة في السودان، دارفور وكردفان والنيل الأزرق، بتصعيد جوي مكثف واسع النطاق، يشنه الجيش باتجاه مواقع “الدعم السريع”، عبر الطائرات المسيّرة والطيران الحربي، في مقابل تباطؤ لافت في وتيرة الاشتباكات البرية، مع استمرار عمليات الانشقاق في صفوف الأخيرة.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن محور كردفان شهد أمس السبت تصعيداً عسكرياً، تمثل في شن طائرات مسيّرة تابعة للجيش غارات وصفت بالنوعية والدقيقة، استهدفت تمركزات ومواقع لقوات “الدعم السريع” في مدينة النهود، أبرز مدن ولاية غرب كردفان، موضحة أن الضربات أسفرت عن تدمير عدد من المركبات القتالية بكامل تسليحها، إضافة إلى تدمير مواقع إمداد ومخازن حول المدينة التي تعد من معاقل قوات الجماعة في الولاية، وشمل القصف مواقع وتجمعات “الدعم السريع” في منطقة الحمادي شرق مدينة الدبيبات بولاية جنوب كردفان.
الجيش يسترد بلدتين في النيل الأزرق ويكثف هجماته الجوية في دارفور وكردفان
الجيش السوداني يستهدف مقر نظم و معلومات ميليشيا الدعم السريع في نيالا و يدمره بالكامل
تأتي هذه العمليات العسكرية التي تركزت على استخدام الطائرات المسيّرة امتداداً للعمليات الواسعة التي نفذها الجيش خلال الأسابيع الأخيرة في ولايتي شمال وغرب كردفان، حيث يسعى من خلالها إلى تضييق الخناق على طرق إمداد قوات الجماعة وتأمين المناطق التي استعادها أخيراً شمال كردفان، مثل سودري والمزروب وبارا، ودفع خطوط المواجهة غرباً وشمالاً.
استهداف قيادات
في الوقت نفسه، خضع محور دارفور لأعنف حملة قصف جوي مركزة ومستمرة من مسيّرات الجيش، استهدفت معاقل القيادة والسيطرة التابعة لـ “الدعم السريع”، وأفادت مصادر مقربة من الجيش بأن الطيران الحربي التابع للأخير نفذ أمس السبت ضربات جوية وقصفاً نوعياً، استهدف مقر إقامة قائد قوات “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو، ومنازل قيادات بارزة، ومراكز قيادة وسيطرة ومخازن إمداد تابعة للميليشيات في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، التي تعد المقر الرئيس لتحالف السودان التأسيسي الذي تتزعمه “الدعم السريع”، وأشارت المصادر إلى أن الضربات أدت إلى تدمير المقار المستهدفة، ومقتل وإصابة عدد من عناصر تلك القوات، بينهم ضابط استخبارات ذو صلة قرابة بقائد “الدعم السريع”، ويأتي تركيز الجيش على الضربات الجوية الإستراتيجية، لتحجيم قدرات الإدارة الموازية وقوات “الدعم السريع” المسيطرة على أجزاء واسعة من الإقليم.
وترافق هذا التصعيد العسكري مع تحذيرات دولية وأممية بالغة الخطورة، حيث وثقت الأمم المتحدة مقتل وإصابة مئات المدنيين خلال الأسابيع الأخيرة، جراء التوسع المفرط في حرب المسيّرات من كلا الطرفين، وسط تفاقم حاد لمستويات انعدام الأمن الغذائي والنزوح، وبدأ الجيش، بمساندة القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة، تحركاً عسكرياً في هذا الإقليم، حيث يتقدم ميدانياً في ولاية غرب دارفور من خلال سيطرته على مناطق مثل بئر سليبة وأبو سروج، مقترباً بمسافة تقارب 30 كيلومتراً من مدينة الجنينة عاصمة الولاية، بينما يتمركز في أجزاء محدودة من ولاية شمال دارفور.
كرّ وفرّ
في موازاة ذلك، تشهد العمليات العسكرية في جبهة إقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، استمراراً لمواجهات الكرّ والفرّ بين الجيش والقوات المساندة له من جهة، وتحالف قوات “الدعم السريع” و”الحركة الشعبية – شمال” بقيادة جوزيف توكا، من جهة أخرى، ووفقاً لمراقبين عسكريين، فإن محور النيل الأزرق يشهد محاولات مستمرة من قوات الميليشيات وحلفائها توسيع جبهات الضغط، يقابلها تثبيت دفاعات الجيش واستعادة بعض النقاط المفقودة.
وأوضح المراقبون أن الجيش يواصل تحقيق تقدم مطرد في القطاع الجنوبي الشرقي للإقليم، وتحديداً في المناطق الواقعة على الشريط الحدودي مع إثيوبيا، ومحيط محافظتي الكرمك وقيسان، وقد تمكن الجيش أخيراً من استعادة السيطرة على عدد من المواقع الإستراتيجية، تشمل قاعدة بكوري العسكرية الواقعة جنوب شرقي الدمازين، ومنطقتي أوكليلي وسالي، إضافة إلى مناطق مدل وبلبوم وكرن كرن وخور حسن شمال شرقي مدينة الكرمك، المتاخمة للحدود الإثيوبية.
انشقاقات جديدة
في الأثناء، أكد مصدر عسكري في الجيش انشقاق سبعة ضباط من “الدعم السريع” وانضمامهمإلى الجيش، بينهم قائد قطاع نيالا الجنوبي المقدم جدو محمد آدمو همة الذي ظهر في مقطع مصور، موجهاً نداء إلى الضباط والجنود التابعين له ورفاقه السابقين للانشقاق الفوري، وتجنيب أسرهم الاستمرار في حرب قال إنها تخدم أسرة متمردة ومشاريع خارجية.
وكان همة مشرفاً على الحراسات الشخصية لقائد “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو وشقيقه عبدالرحيم. واتهم جدو أسرة دقلو بالتخلي عن استقلال قرار قوات الميليشيات، وتسليمه لدول خارجية، قال إنها تتاجر بدماء السودانيين وآلامهم، موضحاً أنه اتخذ قراره بعد مراجعات طويلة لموقفه ومشاركته في الحرب، ووصل إلى قناعة بأن الاستمرار في صفوف “الدعم السريع” لم يعد له أي مبرر، مضيفاً أن السودانيين تعرضوا للتهجير وفقدان المنازل والأرواح، بينما أصبحت الحرب مفتوحة على مستقبل مجهول، مؤكداً تحمله مسؤولية قراره، واستعداده للخضوع لأية إجراءات قانونية لازمة، مع الالتزام بحماية المدنيين.
ويأتي انشقاق جدو امتداداً لسلسلة من الانشقاقات التي شهدتها “الدعم السريع”، وشملت شخصيات مثل اللواء النور أحمد آدم “النور القبة”، وعلي رزق الله “السافنا”، وأبو عاقلة كيكل قائد قوات درع السودان.
عنف وصدمة
وسط هذه الاجواء، أكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن نساء وفتيات مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، ما زلن يعانين آثار العنف الجنسي والصدمات النفسية، وفقدان أفراد من أسرهن ومنازلهن، بعد مرور عام على سقوط المدينة في يد قوات “الدعم السريع”، عقب حصار استمر شهوراً.
وذكرت المديرة الإقليمية للهيئة في شرق وجنوب أفريقيا، آنا موتافاتي، أن 90 في المئة من المنظمات النسائية التي شملها استطلاع أجرته الهيئة، وعددها 50 منظمة تقدم الدعم للنازحين من الفاشر، أفادت بأن النساء والفتيات ما زلن يعشن ظروفاً غير آمنة، ويعانين آثار الصدمات النفسية والضيق المستمر، مشيرة إلى أن الانتهاكات التي شهدتها الفاشر شملت الاغتصاب الجماعي والضرب والإذلال ونهب الممتلكات، فضلاً عن اختطاف نساء وفتيات لا يزال مصير بعضهن مجهولاً.
وأوضحت موتافاتي أن الأرق والمعاناة النفسية وانعدام الأمان باتت سمات الحياة اليومية للنساء، في وقت يكافحن للحصول على الغذاء والمياه والرعاية الصحية، مشيرة إلى أن مقدمي الخدمات الأساسية، بما فيها الرعاية الصحية والنفسية، يواجهون بدورهم تهديدات ومضايقات أثناء أداء عملهم.
وعلى رغم بدء عودة بعض السكان للفاشر، قالت موتافاتي إن الخوف من العنف لا يزال حاضراً، فيما أظهر تقييم لـ “المنظمة الدولية للهجرة” أن نساءً يتجنبن الذهاب إلى الأسواق أو جمع الحطب أو المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والمجتمعية والدينية، خشية التعرض للأخطار.
تنظيم العمليات الانسانية
إنسانياً، أوضح مستشار رئيس مجلس السيادة، أمجد فريد، أن حكومة بلاده قررت إخضاع جميع مفوضيات العون الإنساني على مستوى الولايات للسلطة الإدارية والفنية لـ “المفوضية الاتحادية للعون الإنساني”، بهدف تنظيم العمليات الإنسانية وتوحيد الإجراءات والمعايير، وتسريع وصول المساعدات إلى المجتمعات المتضررة في أنحاء البلاد، وبحسب فريد فإن القرار يهدف إلى إنهاء التعارض في القرارات الإدارية، وتبسيط متطلبات التصاريح، وإزالة العقبات البيروقراطية التي تعترض إيصال المساعدات الإنسانية، منوهاً بأن إزالة الحواجز أمام العمل الإنساني تمثل أولوية رئيسة للحكومة، التي تسعى من خلال توحيد الإطار الإداري وتبسيط الإجراءات إلى تمكين المنظمات الإنسانية من العمل بكفاءة أكبر، وإيصال المساعدات إلى المحتاجين من دون عوائق أو تأخير أو تعطيل.
وبيّن فريد أن هذه الخطوة تكتسب أهمية خاصة في ظل الأزمة الإنسانية المتفاقمة، جراء الحرب التي تشنها ميليشيات “الدعم السريع”، وما وصفه باستخدام الحصار والتجويع ضد المدنيين، فضلاً عن النقص الحاد في التمويل الإنساني الدولي، إذ تظهر المعلومات أن 59 في المئة من التمويل المطلوب لـ “خطة الاستجابة الإنسانية في السودان” لعام 2026، والبالغ 2.87 مليار دولار، من دون تمويل حتى سبتمبر (أيلول) الماضي، بينما بلغ عدد السودانيين الذين يحتاجون بصورة عاجلة إلى المساعدات الإنسانية 33.7 مليون شخص.
وأكد مستشار رئيس مجلس السيادة أن القرار يأتي ضمن سلسلة من التدابير العملية ذات الأولوية التي تنفذها الحكومة السودانية، لإزالة العقبات أمام وصول المساعدات الإنسانية، وتسهيل عمليات الإغاثة، وضمان وصول المساعدات المنقذة للحياة إلى الفئات الأكثر احتياجاً.
تسوية تفاوضية
سياسياً، أفاد مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بأن دول “المجموعة الرباعية” اتفقت على إنهاء القتال في السودان، عبر تسوية تفاوضية بين الجيش وقوات “الدعم السريع”، موضحاً عبر منشور على منصة “إكس”، أن “دول الرباعية” اتفقت على توظيف قنوات اتصالها ونفوذها، بصورة جماعية أو منفردة، للتواصل مع الأطراف العسكرية في السودان.
وأشار بولس إلى أن “دول الرباعية” ستجري اتصالات مع الأطراف السودانية للوصول إلى تسوية تفاوضية، تقود نحو إنهاء الصراع في البلاد، مؤكداً أنه لا يوجد حل عسكري لهذا النزاع المستمر ثلاثة أعوام ونصف العام، مؤكداً أن دول الرباعية، السعودية والولايات المتحدة ومصر والإمارات، عقدت اجتماعاً في جنيف، وصفه بالمثمر، لبحث دفع الجهود السلمية بصورة أسرع، لافتاً إلى أن الجهود السلمية المرتقبة تتضمن هدنة إنسانية تمهد لوقف إطلاق نار دائم، وتضمن وصول المساعدات الإنسانية، ودعم الجهود الحاسمة لـ “الآلية الخماسية” لإطلاق حوار شامل بين السودانيين.





