:: ذات خريف، غادر علي عثمان محمد طه -وكان نائباً أول لرئيس الجمهورية- مكتبه إلى أطراف الخرطوم، متفقداً أحوال الناس عقب كارثة أمطار وسيول، ثم رجع بعد أن صرّح بأن أحوال المواطنيين سيئة للغاية ويجب تحسينها..!!
:: يومها، كتبت شاكراً كوارث الخريف، فلولاها لما غادر طه مكتبه، ولما عرف شيئاً عن أحوال الناس.. ولكن صباح اليوم التالي، صادرت السلطات صحيفتنا -بعد الطبع- بأثر رجعي، وتلك كانت إحدى بدع ذاك العهد..!!
الطاهر ساتي يكتب: الجيش الأبيض ..!!
الطاهر ساتي يكتب: القوي المنقذ..!!
:: واليوم، أجد نفسي مجبراً على إعادة ذات الشكر لفوضى المتاريس التي خنقت معبر أشكيت.. فلولا فوضى المتاريس، لما تكبد رئيس مجلس السيادة مشاق السفر إلى أقصى الشمال، ولما علم بالوجع المقيم في المعابر..!!
:: نعم، لولا تلك (الفوضى الخلاقة) التي شلت حركة المعبر، لما صدرت التوجيهات الرئاسية بإعفاء السلع من الجبايات.. وعليه، ألف شكر للفوضى التي قامت بمهمة أجهزة الرقابة، وكشفت أحوال الناس للحكومة..!!
:: لقد استجابت الحكومة لضغط المتاريس لا لضغط المعاناة، وتفاعلت مع صوت الاعتصام لا مع صوت الجوع.. وسريعاً تم إعفاء السلع من الجمارك والضرائب، وإلغاء حظر استيراد السلع، وهنا مربط الفرس؛ فالدولة تُدار بعقلية ردود الأفعال، لا بالتخطيط الاستباقي المتزن..!!
:: نعم، بدلاً من التخطيط لسياسة تجارية مستقرة تحمي المنتج المحلي ولا ترهق المستهلك، لجأت الحكومة إلى سياسة (الدفاع المدني)، أي إطفاء الحرائق؛ قرار حظر متسرع، يتبعه قرار إعفاء أكثر تسرعاً، هكذا الإدارة..!!
:: وما حدث يثبت موت آليات الرقابة والمتابعة، فالحكومة لا ترصد معاناة الناس إلا إذا وضعوا المتاريس، ولا تعرف أثر قراراتها إلا بعد إغلاق الطرق، ولا تراجع جباياتها إلا بالاعتصام.. هذه فجوة إدارية مخيفة إن كانوا يعلمون..!!
:: ومنعاً لخلط الأوراق، نؤكد أن إغلاق المعابر والطرق (خطأ)، ولا يمكن تشجيع الفوضى، فالفوضى لا تبني الدول.. ومن المحن أن تصبح الفوضى هي (المؤثر الوحيد) في عقلية الحكومة، والمحرك الفعلي لقراراتها..!!
:: لماذا أصبحت الفوضى بديلاً للأجهزة في إيصال صوت الناس؟ ولماذا أصبح إغلاق المعابر وسيلة لإجبار السلطة على مراجعة قراراتها الخاطئة؟ هذا يعني أن أدوات التواصل مع الناس قد ماتت، وأن قنوات الحوار قد دُفنت تماماً..!!
:: المهم.. رد فعل الحكومة يجسد عقلية (رزق اليوم باليوم) في إدارة الدولة؛ فالحكومة تغفل عن الألم حتى يحتج الناس، وتفشل في رصد المعاناة حتى تتحول إلى متاريس تخنق الطرق. ولذلك، شكراً لفوضى المتاريس التي كشفت عجزنا الإداري، ولكن عذراً للوطن، فما هكذا تُدار الأوطان..!!

