:: حلم كل حادب على مصلحة هذا البلد أن يختلف سودان ما بعد الحرب عن سودان ما قبل الكارثة، وأن تعود الحكومة بمفاهيم جديدة ورؤى تليق بحجم التضحيات، ولكن عقارب الساعة في عقول مسؤولينا معطلة، ولا جديد تحت شمس السودان..!!
:: على سبيل المثال، بالأمس خرجت علينا محلية الخرطوم والشركة السودانية للموارد المعدنية بنبأ يبدو ساراً في ظاهره، ومحتفى به في بعض وسائل الإعلام، يتحدث عن اعتماد مشروع تطوير كورنيش النيل الأزرق في المساحة الممتدة بين جسر توتي وحديقة الأسكلا ..!!
الطاهر ساتي يكتب: المغنم و الوغى ..!!
الطاهر ساتي يكتب: غنائم العُمد .!!
الطاهر ساتي يكتب: شكراً للفوضى ..!!
:: المشروع جميل .. مساحات خضراء، مطاعم ومقاهٍ، ملاعب أطفال، وجلسات عائلية، وقاعات اجتماعات ومواقف سيارات وغيرها… فالكلام على الورق منمق، جميل، ويسر الناظرين، ولكنه في جوهره يمثل الخطأ المتوارث في مفهوم إدارة الدولة للاقتصاد..!!
:: إلى متى يكون إعداد “الكافيهات” وتجهيز “جلسات العائلات” من مهام الحكومة، محلية كانت أو ولائية؟ فالشاهد في بلاد الدنيا التي تحترم عقول شعبها، أن السياحة والترفيه هما شغل القطاع الخاص بنظام حق الانتفاع (BOT).. مستثمرون يتنافسون فيما بينهم، يربحون أو يخسرون..!!
:: أما دور الحكومة فهو تشريع القوانين وتنفيذها، مع المراقبة والإشراف، ثم جباية الضرائب والرسوم في نهاية العام فحسب. ومن الغرائب دخول الشركة السودانية للموارد المعدنية في هذا المعترك..يا هؤلاء، هذه الشركة وظيفتها رقابة التعدين ثم توريد الأموال إلى خزانة الدولة ..!!
:: كيف تحولت شركة الموارد المعدنية من رقيب على إنتاج المعادن إلى “مقاول سياحي” يبني الكورنيش والمطاعم والكافيهات؟ ومن أين لها هذه الأموال؟ ألا يعتبر هذا تجنيباً وإدارة للمال العام خارج سلطة وزارة المالية؟ ..هذا التخبط هو الخلل الذي دمر اقتصاد السودان وأورده موارد الهلاك ..!!
:: بعد خصم النثريات وتكاليف التشغيل، فإن المكان الطبيعي والوحيد لأموال شركة الموارد المعدنية هو وزارة المالية (الخزينة العامة)، ليتم توجيهها نحو الأمن والدفاع ثم قطاعات منهارة تبحث عن طوق نجاة في خضم الحرب وشح الموارد: التعليم، الصحة، الكهرباء، المياه، والدواء..!!
:: فالمواطن المطحون لا يحتاج إلى “كافيه حكومي” على شاطئ النيل ليرتشف فيه الشاي، بقدر ما يحتاج إلى مقعد دراسي لابنه، وسرير في مستشفى عام، وكهرباء تقيه الهجير..ما قيمة “ملاهٍ حكومية” لعينٍ تدمع حزناً على رسوم المدارس و فواتير المشافي وعتمة الليالي ..؟؟
:: الاقتصاد الراشد الذي نهضت به الأمم يقوم على تقزيم سلطة الحكومة في إدارة الأسواق وتأسيسها، مقابل توسيع دور القطاع الخاص. فالحكومة تاريخياً تاجر فاشل، والمحلية تاجر أفشل، وشركة حكومية تدير مطعماً وكورنيشاً هي قمة الفشل الإداري والاستثماري ..!!
:: وما تسعون إليه لا يحتاج إلى عبقرية؛ اطرحوا هذا الكورنيش في عطاء عام ومكشوف، تتنافس فيه الشركات الخاصة بكل شفافية، وخذوا من الفائز أعلى عطاء وأفضل تأسيس وتشغيل، ثم راقبوه بالقانون ليعمل ما تسعون إليه. دعوا الحكومة تأخذ نصيبها وتترك الخبز لخبازه ..!!
:: أما أن تتحول كل وزارة، وكل محلية، وكل شركة حكومية إلى مقاول يبني، ويبيع، ويؤجر، فهذا التخلف من أسباب خراب البلاد وفقر العباد. الدولة التي تزاحم مواطنيها في الكورنيش وبيع الشاي وإدارة المتنزهات لن تجد وقتاً ولا مالاً لبناء المدارس والمستشفيات وتأمين المدن ..!!
:: وعليه، أعيدوا شركة المعادن إلى مناجمها وجبالها، وأعيدوا أموالها إلى وزارة المالية، وأعيدوا المحلية إلى مدارسها ومراكزها الصحية وغيرها من نواقص المواطن، واتركوا قهاوي الكورنيش وملاهي المدن لمن يحسن إنشاءها وتشغيلها من القطاع الخاص، وكفى استسهالاً لعقول الناس..!!

