عثمان ميرغني يكتب: تعريف الديموقراطية السودانية

الديموقراطية ليست منتجا يمكن الحصول عليه من أرفف سيوبرماركت الحضارة الغربية . هي توصيف للأهداف والغايات التي تتحقق وفق نظام و سلوك مؤسسي وليس مجرد نظام ملتزم بشعارات أو واجهات منبتة عن الواقع والحياة.

وتعريف الديموقراطية السودانية بعبارة مجملة دقيقة :

الديموقراطية هي المعايير التي تُجبر السياسات الرسمية أن تتسق مع خيارات الشعب.

عثمان ميرغني يكتب: مطلوب اسم للمولود المنتظر

عثمان ميرغني يكتب: “جنينة مولانا السيد علي الميرغني”

عثمان ميرغني يكتب: الإقتصاد السوداني.. يبلغكم تحياته..

وهي بهذا الفهم ليست عملية Process ، ولا حزمة اجراءات، ولا حتى قيم Values يجب أن يؤمن بها المحبون لأوطانهم وشعوبهم، ولا شعارا للهتاف، ولا خاصية لتتسمى بها الدولة الرشيدة ولا الهيئات (كأن تسمي الدولة نفسها “جمهورية ديموقراطية” أو يسمي حزب نفسه بالديموقراطي).

الفهم الخاطيء لمعنى “الديموقراطية” هو الذي أدى للفشل السياسي المزمن في تاريخ السودان المعاصر.

الذين اعتبروا الديموقراطية عملية Process اهتموا وركزوا على اجرائيات الانتخابات و لكن ذلك لا يحقق وحده المعنى المقصود من الديموقراطية.

الانتخابات مهما كانت نزيهة فهي لا تعني شيئا ان لم تحقق نظام حكم صالح يجلب المصالح للوطن والمواطن، فمعايير صلاح الانتخابات في سياق نظام ديموقراطي ليست معزولة عن ثمار النظام الذي تأتي به.

السودان – مثلا- شهد أول انتخابات في نوفمبر 1953، قبل استقلاله بأكثر من عامين، واستمرت التجارب الانتخابية التعددية في أعوام 1958، 1965، 1968 و 1986 وكلها نالت قبول الأحزاب المتنافسة بنتائجها، ولم يكن في اجرائياتها ما يعيبها أو ينقض مخرجاتها، ليس فيها “طق ولا شق” على رأي المَثل السوداني، لكن يظل السؤال الحقيقي وما تأثيرها على الدولة السودانية.

وعودة للتعريف الجامع المختصر لـ”الديموقراطية السودانية” :

(المعايير التي تُجبر السياسات الرسمية أن تتسق مع خيارات الشعب).

فإن الكلمات المفتاحية التي تعبر عن الديموقراطية هي:

المعايير – تجبر- السياسات- تتسق- خيارات الشعب.

ومن هذه الكلمات المفتاحية يمكن تحديد الأدوات والاجراءات و خارطة الطريق بل والرؤية والخطة الاستراتيجية على المدى الطويل لبناء دولة السودان الحديث.

ولنأخذها بالترتيب والتفصيل:

أولا : المعايير.
اتساقا مع الرؤية الوطنية، حزمة المفاهيم والشروط المعبر عنها في القوانين واللوائح و الوثائق، التي تضبط حركة الدولة ورؤيتها للمستقبل و خططها وبرامجها.

والمعايير ليست قياسا كمّيا فحسب، بل نوعيا ينظر في المعنى الحقيقي الذي يربط الغاية بالوسيلة.

ثانيا : تجبر.
الجبر هنا هو نظام يفرض على القرارات والسياسات أن تتسق مع الأهداف العليا للدولة. باستخدام الحوكمة Governance و ضوابط دولة القانون والمأسسة “المؤسسية” في مختلف المستويات المنتجة لهذه القرارات والسياسات.

ثالثا : السياسات.
السلوك المؤسسي للدولة الذي يضمن ويعزز دورة القرار الرسمي في مراحله كافة، ويرسم المسارات والخيارات ونقاط الابتداء والنهاية للأعمال والقرار.

رابعا: تتسق.
التزام المسار بالخارطة النظرية اللائحية، بما يعني منع الاستثناء أو الالتواء أو التحايل أو التقدير الذاتي خارج نطاق الحوكمة والمأسسة.

والاتساق هنا يعني أيضا اتساق النتائج مع المعطيات والفرضيات.

خامسا : خيارات الشعب.
وهي العبارة المفتاحية الأكثر أهمية و حساسية، فخيارات الشعب لا تعني حرفيا استفتاء الشعب أو أستطلاع رأيه في كل صغيرة أو كبيرة، قبل انفاذ الأمر أو اقرار. بل تعني اقناع الشعب بالخيار الأفضل في القضايا أو التقاطعات التي تؤثر عليه مباشرة، وفي السياسات التي ينتج عنها تغيير أوضاع الدولة. حتى ولو جاء ذلك بعد اتخاذ القرار.

تحديد خيارات الشعب تتطلب بناء قوة قاعدية و قنوات تواصل أفقية ورأسية و مجسات عالية الحساسية و آليات نقد ذاتي ومراجعة ومرجعيات قادرة على تحديد المسار الأفضل المفضي دائما لتعظيم مصالح الوطن والمواطن. ولا يعني ذلك مجرد تحسس رأيه أو رغباته بل تأثير السياسات الكلية والتفصيلية للدولة عليه.

الديموقراطية بهذا المفهوم ليس لها شكل أو قالب ثابث، بل يمكن تطويعها وفق المكان والزمان، وأكثر من ذلك قابلة للتطور بتراكم الخبرة لتعظيم العائد منها.


إنضم إلى قناة سودافاكس على الواتساب

عثمان ميرغني

كاتب وصحافيّ سوداني، خريج جامعة الخرطوم في كلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية، بمرتبة الشرف في العلوم السياسية عام 1977. وبدأ حياته المهنية بصحيفة (العرب) ، و يعمل رئيساً لتحرير صحيفة التيار السودانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.