يوم مارثونى من سبعينات القرن الماضى
أبشر حسين
كان الزمن في تلك الأيام يمضي ببطء شديد، حتى إنك كنت تشعر بأن اليوم يتسع لكثير من الأنشطة والأعمال، وأنك تستطيع إنجاز أشياء عديدة دون أن تشعر بأن الوقت يداهمك. كانت للحياة وتيرتها الخاصة، وكان اليوم يبدو أطول مما نعهده الآن. وربما لم يكن الزمن هو الذي تغير، وإنما تغيرت طريقة حياتنا، وتسارعت إيقاعاتها حتى أصبحنا نشعر بأن اليوم ينقضي قبل أن ننجز نصف ما نريد.
أبشر حسين يكتب: عَوَج الدرب… ما بين معاوية التجاني سعد والموسم المسرحي بالمسرح القومي بأم درمان
لا زلت أذكر أيام رمضان ونحن نذهب صباحاً إلى مدرسة المؤتمر الثانوية. وما إن ينتهي الدوام الدراسي حتى تبدأ دورة كرة القدم بين الفصول المختلفة، وسط حماس وتنافس جميلين. وكانت المدرسة تضم عدداً من المواهب الرياضية، بل كان بين طلابها نجوم معروفون في كرة القدم السودانية، من لاعبي الدرجة الأولى والدوليين، أمثال مصطفى النقر وأحمد آدم،محمد على وعبود وأنصاري وقسيس. ولذلك لم تكن مباريات الفصول مجرد منافسات مدرسية عادية، بل كانت تحمل قدراً من الإثارة والمتعة، خاصة عندما تتبارى الفصول ويحرص كل فصل على إثبات تفوقه.
ولم تكن كرة القدم وحدها حاضرة في ذلك النشاط الرياضي؛ فقد كانت هناك ألعاب أخرى وجدت فيها مواهب متميزة، مثل تنس الطاولة، وكان من أبرز لاعبيها النعمان جمعة، والكرة الطائرة التي برز فيها نجم الدين و كامل، وألعاب القوى التي ارتبطت باسم صديق أحمد إبراهيم، إلى جانب كرة السلة التي كان من بين لاعبيها سلوم. وهكذا كانت المدرسة أشبه بنادٍ رياضي متعدد الأنشطة، تتاح فيه الفرصة لكل طالب ليجد المجال الذي يميل إليه ويستطيع أن يبرز فيه.
وكان لهذا النشاط أثر يتجاوز المنافسة الرياضية نفسها؛ فقد كان يخلق روحاً من الألفة والتواصل بين الطلاب، ويمنحنا فرصة لاكتشاف مواهب بعضنا البعض. كما أن الاحتكاك اليومي في الملاعب كان يرسخ علاقات الصداقة والزمالة، ويجعل المدرسة مكاناً نشتاق إليه حتى خارج أوقات الدراسة.
وبعد انتهاء النشاط الرياضي، كنا نتوجه أحياناً إلى النيل للسباحة، خاصة عندما يكون الصيف شديد الحرارة. كانت السباحة في النيل جزءاً من متعة ذلك اليوم، وكأننا ننتقل من ملعب المدرسة إلى ملعب آخر أكثر اتساعاً. كنا نقضي وقتاً ممتعاً في الماء، ولا نشعر بأن ساعات النهار قد انقضت، رغم أن موعد أذان المغرب كان لا يزال بعيداً. وكان رمضان في تلك الأيام يحمل نكهة خاصة؛ فالصيام لم يكن يحول دون ممارسة الرياضة والاستمتاع بالصحبة، بل كانت تلك الأنشطة جزءاً من تفاصيل يومنا الرمضاني.
ولعل ما يلفت انتباهي الآن أننا كنا نمارس كل هذه الأنشطة ونحن صائمون، دون أن يكون ذلك محور تفكيرنا أو حديثنا. كانت لدينا طاقة الشباب، وكانت متعة النشاط والصحبة تطغى على الإحساس بالتعب. ولم نكن نحتاج إلى ترتيبات مسبقة أو برامج معقدة؛ فالأصدقاء موجودون، والملاعب مفتوحة، والنيل قريب، والنهار لا يزال طويلاً.
وبعد الإفطار تبدأ مرحلة أخرى من اليوم؛ إذ نتوجه إلى المكتبة البريطانية بالهاشماب للمذاكرة. كانت المكتبة تمثل محطة مهمة في برنامجنا اليومي، حيث نجتمع للقراءة والاستذكار، ونحاول أن ننجز ما علينا من واجبات دراسية. وبعد ساعات من المذاكرة نغادرها لنتجه إلى نادي قلب الأسد، ذلك النادي الاجتماعي والرياضي الذي كان يشكل مساحة أخرى للقاء الأصدقاء وممارسة الأنشطة الاجتماعية والرياضية.
وكانت تلك المحطات المتعددة تمنح اليوم تنوعاً لا نجده كثيراً في حياتنا الحالية؛ فالمدرسة لها عالمها، والنيل له عالمه، والمكتبة لها أجواؤها، ونادي قلب الأسد له رواده وصداقاته. وكنا ننتقل من مكان إلى آخر دون أن نشعر بأننا نستهلك وقتاً طويلاً في التنقل، فكل هذه الأماكن كانت جزءاً من جغرافية حياتنا اليومية في أم درمان.
وهكذا يمتد بنا الليل، بين المذاكرة ولقاء الأصدقاء وأحاديث الشباب، حتى نشعر بأن الوقت قد تأخر، فنعود إلى منازلنا لنستعد ليوم جديد يبدأ من الصباح الباكر. ثم تتكرر الحكاية في اليوم التالي، وكأننا نعيش دورة يومية لا تنقصها الحركة ولا الصحبة ولا المتعة.
حين أستعيد تلك الأيام، أدرك أن الأمر لم يكن مجرد بطء في مرور الزمن، وإنما كانت الحياة نفسها أكثر اتساعاً، وكانت المساحات المتاحة لنا أكبر. فالمدرسة والرياضة والنيل والمكتبة والنادي كلها كانت أجزاء متكاملة من يوم واحد.
وربما كانت أم درمان نفسها تساعد على ذلك؛ فقد كانت المدينة تمنح أبناءها مساحات واسعة للحركة واللقاء والتواصل، وكانت الحياة الاجتماعية متداخلة، بحيث لا تنتهي علاقتك بأصدقائك بانتهاء الدوام المدرسي، بل تمتد إلى الملاعب والأندية والطرقات ومجالس الأحياء.
وكلما استرجعت تلك المرحلة، أجدني أتساءل: كيف كنا نجد الوقت لكل ذلك؟ ندرس ونمارس الرياضة ونسبح ونذاكر ونلتقي الأصدقاء، ثم نعود في اليوم التالي إلى المدرسة دون أن نشعر بأننا استنفدنا طاقتنا.
لعل الإجابة أن الشباب كان يمنحنا طاقة لا نعرف قيمتها إلا بعد أن نعبر تلك المرحلة، وأن الحياة يومها كانت أقل ازدحاماً بالمشاغل، وأكثر غنى بالعلاقات الإنسانية والأنشطة البسيطة.
لهذا أشعر أحياناً أننا لم نكن نعيش يوماً واحداً فحسب، بل كنا نعيش عدة أيام داخل اليوم الواحد!
بروف ابشر حسين
