أبشر حسين يكتب: طفولة و مسارات شبابية

طفولة و مسارات شبابية

أبشر حسين
لكل مرحلة من مراحل العمر أثرها في تشكيل الإنسان، وربما لا ندرك أبعاد ذلك الأثر إلا بعد أن تمضي بنا السنوات، فنلتفت إلى الوراء ونحاول فهم المسارات التي صنعتنا.

أبشر حسين يكتب: يوم مارثونى من سبعينات القرن الماضى
كلما استعدت ذكريات طفولتي وشبابي، شعرت بأنني لم أعش تماماً الحياة التي عاشها أقراني، بل إنني أجدني مختلفاً حتى عن أقرب الناس إليّ، أبنائي. ولا أعني بذلك قسوة الطفولة التي عشناها، فهناك كثير من السودانيين مروا بتجارب مماثلة، بل إن بعضهم عاش ظروفاً أكثر صعوبة. كما أن الالتحاق بسوق العمل في سن مبكرة لم يكن أمراً استثنائياً في مجتمعنا آنذاك؛ فقد كان كثيرون يبدؤون رحلة العمل وهم لا يزالون في مقتبل العمر.

لا أزال أذكر عملنا في بلدية أم درمان، ونحن في نهاية المرحلة الابتدائية، في طريقنا إلى المرحلة الوسطى. كان عملنا موزعاً بين مكافحة البعوض في الأحياء، وتوزيع حبوب الوقاية من السحائي في أطراف أم درمان، ثم انتقلنا للعمل في بوستة أم درمان، حيث كنا نقوم ببيع الطوابع البريدية. ولا تزال ذاكرتي تحتفظ ببعض الوجوه التي كانت تعمل هناك، ومن بينها الشاعران مصطفى سند وعبد الله النجيب، والفنان صلاح مصطفى.

ومع تقدمنا في العمر، انتقلنا إلى بوستة الموردة، التي كان يعمل وكيلاً لها العم مصطفى عقارب، عليه رحمة الله، ومنها إلى بوستة مجلس الشعب، التي كان وكيلها أبو القاسم حسن، عليه رحمة الله. وحين اشتد عودنا، خضنا تجربة أخرى في مجال العمل الزراعي، تمثلت في العزق والتطعيم بمشتل المقرن، وقام بتعيننا بروفيسور موسى، عليه رحمة الله.

وبالتوازي مع العمل ومواصلة الدراسة، التحقنا باتحاد الشباب السوداني، وتدرجت في مراحله التنظيمية حتى أصبحت رئيساً لفرعية بانت وأبو عنجة.

ولا أقول إن هذا التدرج والعمل المبكر قد عزلانا عن الحياة العامة، بل على العكس، فقد أتاحا لنا الدخول إليها من أبواب مختلفة، ومنحانا فرصة لرؤية الحياة من زوايا أخرى، والتعامل مع شرائح وتجارب إنسانية متنوعة. غير أن لهذه التجربة، رغم إيجابياتها الكثيرة، بعض الآثار التي لم ننتبه إليها في حينها.

فقد وجدنا أنفسنا نتطور في مسار يختلف عن المسار الذي سلكه كثير من الشباب في أعمارنا. ولا أقول إن ذلك جعلنا نتجاوز بعض محطات التكوين الاجتماعي التي يمر بها أقراننا، أو نفرّط في بعض نقاط الارتكاز التي تشكل عادةً وجدان الشباب وعلاقاتهم في تلك المرحلة، لكنه ربما أوجد شيئاً من الجفاء والمسافة بيننا وبين بعض تلك التجارب، وهي مسافة لم تستطع السنوات، على امتدادها، أن تمحو آثارها تماماً.
نحمد الله كثيراً على ما أتاحته لنا تلك السنوات من تجارب وخبرات، ونشكر كل من أسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في منحنا القدرة على الاستفادة من تلك المرحلة، بما حملته من إيجابيات وسلبيات.


إنضم إلى قناة سودافاكس على الواتساب

بروفيسور أبشر حسين

بروفيسور أبشر حسين طبيب سوداني وباحث وبروفيسور بجامعة الخرطوم وكاتب ومؤسس مجموعة داؤود البحثية الغير ربحية ويكتب مقالات بصورة دورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.