شهدت جبهات ومحاور القتال الثلاث في حرب السودان المندلعة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” منذ نحو أربعة أعوام تصعيداً ميدانياً ومواجهات في محاورها الرئيسة الثلاث (كردفان والنيل الأزرق ودارفور)، فبينما صعّد الجيش وحلفاؤه من عملياتهم البرية والجوية في كردفان، وحقق أمس الأربعاء، تقدماً جديداً باختراق ولاية غرب كردفان والتوغل داخلها من جبهات عدة، تصاعدت المواجهات البرية وحرب المسيرات في النيل الأزرق بالتزامن مع تجدد الهجمات على نحو مفاجئ في شمال دارفور.
وأكدت مصادر ميدانية أن الجيش و”القوات المشتركة” والقوات المساندة الأخرى عززت تقدمها بغرب كردفان وبسطت سيطرتها على منطقتي عيال بخيت وشق الدود بمحلية الخوي، فضلاً عن منطقة رهيد الفضاية واقتربت من مدينة الخوي عقب مواجهات ومعارك ضارية استمرت نحو من ثلاث ساعات.
وأوضحت المصادر أن الجيش والقوات المساندة له باتت الآن تفرض حصاراً من محاور عدة على قوات “الدعم السريع” الموجودة في مدينتي الخوي والنهود، بينما تتحرك قوات العمل الخاص من خلال تنفيذ عمليات نوعية بمناطق شق الدود، وتعزيز قبضتها على امتداد المنطقة من بلدة رهيد الفضاية حتى جنوب منطقة أم بادر.
الجيش يتقدم بجنوب كردفان ومحطات الكهرباء تحت القصف
الجيش السوداني يستهدف تجمعات للدعم السريع في 3 مناطق
الجيش يضغط في دارفور والمسيرات تعمق أزمة الكهرباء وترفع فاتورة الحرب
وتقع منطقة شق الدود على الطريق الرابط بين مدينتي الخوي والنهود، كبرى مدن غرب كردفان، بينما تبعد عن الأولى حوالى 31 كيلومتراً، ونحو 110 كيلومترات عن الثانية.
وتمكن الجيش والقوات المساندة له أول من أمس الثلاثاء، من فرض سيطرة كاملة على منطقة أم مراحيك في محافظة الخوي وغرب محلية سودري على الشريط الحدودي المتاخم لولاية غرب كردفان، والتي تمثل محوراً رابطاً لخطوط الإمداد بين جبهات إقليم كردفان ولاياته.
تطويق وغارات
وبالتزامن مع تقدم الجيش، استهدفت مسيّراته تجمعات وأرتال من العربات القتالية التابعة لـ “الدعم السريع” في مناطق السنوط غرب مدينتي أبو زبد والخوي في الولاية ذاتها.
وأوضح قائد العمل الخاص بكردفان، محمد ديدان، إن مجموعات عسكرية عدة تتحرك عبر ست محاور باتجاه غرب كردفان وتضرب طوقاً متحركاً على الولاية.
من جانبه، ووصف قائد “لواء البراء بن مالك” المساند للجيش، المصباح أبو زيد طلحة، التقدم الميداني المتسارع للتعامل مع محور كردفان والتوجه نحو تحرير مدينتي النهود والخوي، بأنه “سيمثل المفتاح الحاسم والعملي لتحرير مدينة الفاشر تلقائياً وتمهيد الطريق بالكامل لتطهير إقليم دارفور من قوات الدعم السريع”.
وأوضح أن قوات “الدعم السريع” فقدت تماماً تأييد واحتضان المجتمعات المحلية كافة في المناطق حيث توجد وتتحرك، وباتت معزولة تماماً بلا نصير أو ظهير اجتماعي”.
وفي جنوب كردفان، قالت مصادر ولائية إن قوات اللواء 54 مشاة التابع للجيش نفذت أمس هجوماً مباغتاً على منطقة خميس شرق مدينة الدلنج بالولاية، وتقدمت باتجاه منطقة الحمادي.
وأسفرت العملية العسكرية وفق المصادر عن تكبد “الدعم السريع” خسائر فادحة في الأرواح والعتاد العسكري، وطرد عناصرها حتى حدود منطقة الحمادي.
في الأثناء، تواصلت المواجهات وحرب المسيّرات بمحور النيل الأزرق، بخاصة عقب إعلان “الدعم السريع” وحليفتها “الحركة الشعبية – شمال” بقيادة جوزيف توكا، السيطرة على منطقة سالي القريبة من مدينة الكرمك الحدودية، فيما تواصل الدفاعات الجوية التابعة للجيش التعامل مع الطائرات المسيّرة في أجواء المنطقة.
وتعرضت العاصمة الإقليمية الدمازين أمس الأربعاء لليوم الثاني على التوالي، لهجوم مكثف بسرب من المسيّرات الانقضاضية شنتها “الدعم السريع” على دفعات، في هجوم وصِف بأنه الأعنف منذ بدء المعارك في الإقليم، واستمر منذ مساء الثلاثاء حتى فجر أمس الأربعاء.
وأسفر الهجوم بحسب مصادر عسكرية عن مقتل مواطنة وإصابة أخرى بجروح متفاوتة، نتيجة استهداف طائرة مسيّرة بصورة مباشرة أحد المنازل في حي الزهور بالمدينة.
وبحسب شهود، أمضى سكان المدينة ليلة عصيبة تحت دوي الانفجارات العنيفة نتيجة تعامل المضادات الجوية مع هجوم المسيّرات، وأكدت المصادر تعامل الدفاعات الجوية مع هجوم جوي واسع على المدينة بسرب من المسيّرات القادمة من داخل الأراضي الإثيوبية، استهدفت مقاراً عسكرية وأعياناً مدنية تصدت لها منظومات الدفاع الجوي للفرقة الرابعة مشاة للجيش.
ويأتي الهجوم الجوي المسيّر على الدمازين بعد ساعات على إعلان الجيش إعادة تموضع قواته خارج منطقة سالي الإستراتيجية جنوب الدمازين، عقب مواجهات عنيفة مع “الدعم السريع”، بالتزامن مع تحليق مكثف للمسيّرات وإعلان الأخيرة سيطرتها على المنطقة.
ودان حاكم إقليم النيل الأزرق، الفريق أحمد العمدة بادي، استهداف قوات الدعم السريع “المواطنين العزل، وتدمير عدد من الأعيان المدنية باستخدام الطائرات المسيّرة الانقضاضية”.
وطالب بادي المجتمع الدولي بضرورة حماية المدنيين واتخاذ خطوات جادة إزاء الجرائم التي ترتكبها “الدعم السريع” وداعميها، والتصدي لانتهاكاتها المتكررة، مناشداً مواطني الإقليم التماسك والوحدة وعدم الهلع.
وشدد الحاكم على أن “حماية الأرواح والممتلكات وصون المدنيين مسؤولية عظيمة”، مؤكداً ثقته في قدرة الجيش والقوات المساندة على تجاوز كل الصعاب وتحقيق النصر والأمن والاستقرار.
كذلك دانت “مبادرة المجتمع المدني” في الإقليم الهجوم، محملة “الدعم السريع” و”الحركة الشعبية – شمال” مسؤولية الهجوم وما ترتب عليه من جرائم وانتهاكات.
وأكدت المبادرة في بيان، أمس الأربعاء، أن استهداف الأعيان المدنية ومنازل المواطنين يمثل انتهاكاً جسيماً وصارخاً للقانون الدولي الإنساني، مطالبة بالوقف الفوري للهجمات على المنشآت والأعيان المدنية، وإنهاء الحرب ووقف التصعيد العسكري والعودة للحلول السلمية والتفاوضية، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات وحماية أرواح المدنيين.
من جانبه، أكد محافظ محافظة الكرمك بإقليم النيل الأزرق، عبدالعاطي الفكي، أن “حشود الميليشيات والمرتزقة المدعومة إقليمياً، بخاصة من إثيوبيا، على الحدود الجنوبية للإقليم، شمال مدينة الكرمك، إلى زوال، بفضل تماسك وعزيمة قوات الجيش والمنظومات القتالية المساندة لها، وقدرتها على ردع أي تهديد يستهدف أمن واستقرار الإقليم وكامل ربوع السودان”.
وتشهد الدمازين التي تضم قيادة “الفرقة الرابعة مشاة” التابعة للجيش السوداني، حال استنفار وتأهب جوي عقب تصاعد هجمات المسيّرات على الإقليم خلال الأيام الماضية.
السيطرة على الكيلي
إلى ذلك، أكدت مصادر الجيش استمرار العمليات والتصدي لهجمات “الدعم السريع” على منطقة الكيلي العسكرية، في حين أشارت الأخيرة على منصاتها بوسائل التواصل الاجتماعي إلى تحقيق قواتها وحليفتها “الحركة الشعبية – شمال”، تقدماً جديداً في الإقليم بسيطرتها أمس على المنطقة.
وتشكل منطقة الكيلي العسكرية مع حاميتي سالي ودندرو مثلثاً حيوياً ومحوراً جغرافياً رئيساً للإمداد والمواجهات، وتبعد المنطقة نحو 30 كيلومتراً شمال مدينة الكرمك الحدودية، مما يجعلها خطاً للدفاع المتقدم عن المدينة، وتشهد المنطقة ومنذ أسابيع معارك كر وفر وتبادلاً للسيطرة عليها من قبل طرفي القتال.
ومنذ يناير (كانون الثاني) الماضي، تصاعدت الأعمال العسكرية والمواجهات في إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، مع اعتماد متزايد من جانب طرفي القتال على هجمات المسيّرات.
تجدد الهجمات
وفي دارفور، وبعد فترة من جمود العمليات الحربية، جددت قوات “الدعم السريع” أمس الأربعاء، تحركاتها العسكرية بالهجوم على منطقتي أروري وأم حراز بمحلية أمبرو في ولاية شمال دارفور، وسط انقطاع كامل للاتصالات وشبكات الإنترنت بالمنطقة لأيام عدة.
وتسبب الهجوم، وفق قيادات محلية، في عمليات نزوح واسعة وسط أوضاع إنسانية مأساوية، إضافة إلى عمليات نهب واسعة طاولت الماشية من الأبقار والأغنام والإبل، والأسواق والمحال التجارية، ونهب وإحراق المراكز الخدمية والصحية
في الأثناء، اتهمت مجموعة محامو الطوارئ الحقوقية الجيش بقصف منطقة أم بادر بمحلية سودري شمال كردفان أمس بالبراميل المتفجرة، مما أدى إلى مقتل سيدتين وإصابة 10 أشخاص.
وقالت المجموعة إن طائرة مقاتلة من طراز “أنتينوف” تابعة للجيش استهدفت محطة مياه الكابجرك في منطقة خور دردق بمحلية سودري، مشيرة إلى أن “الهجوم يمثل امتداداً لنمط متواصل من الاعتداءات على المدنيين والأعيان المدنية، والبنية التحتية الضرورية لبقائهم”.
تصعيد دبلوماسي
ورداً على التصعيد الدبلوماسي الإثيوبي بإغلاق القنصلية السودانية في مدينة أصوصا، وإمهال طاقمها الدبلوماسي 48 ساعة لمغادرة البلاد، أكدت مصادر رسمية رد الحكومة السودانية من جانبها بقرار مماثل بإغلاق القنصلية الإثيوبية في مدينة القضارف، واعتبار طاقمها أشخاصاً غير مرغوب فيهم، وطالبتهم بمغادرة البلاد خلال يومين.
وكانت السلطات الإثيوبية قررت مطلع الأسبوع الجاري إغلاق القنصلية السودانية في مدينة أصوصا بإقليم بني شنقول- قمز غرب إثيوبيا، وأعلنت ستة من أفراد طاقمها أشخاصاً غير مرغوب فيهم، وطالبتهم بمغادرة الأراضي الإثيوبية.
وتقدمت الحكومة السودانية بشكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي، ومجلس السلم والأمن الأفريقي ضد الحكومة الإثيوبية، متهمة إياها بفتح أراضيها كمنطلق للهجوم، واستهداف البنى التحتية والأعيان المدنية بالسودان.
مئات المحتجزين
إلى ذلك، أعربت “شبكة أطباء السودان” عن بالغ قلقها إزاء المعلومات الواردة في شأن استمرار احتجاز “الدعم السريع” عشرات الكوادر المهنية بمدينة الجنينة في ولاية غرب دارفور، في ظروف تثير مخاوف جدية على سلامتهم وأوضاعهم الإنسانية.
وبحسب المعلومات التي تلقتها الشبكة، فإن عدد المحتجزين يشمل 47 من الكوادر الطبية، إضافة إلى 88 من المعلمين وأساتذة الجامعات، داخل عدد من مراكز الاحتجاز بمدينة الجنينة، من بينها سجن “أردمتا”، ومبنى قيادة “الفرقة 15 مشاة”، والمقر السابق لبعثة “يوناميد” الأممية.
وقال بيان للشبكة إن احتجاز العاملين في القطاع الصحي يحرم آلاف المواطنين الخدمات الطبية التي هم في أمسّ الحاجة إليها، بخاصة في ظل التدهور الكبير الذي يشهده القطاع الصحي، ونقص الكوادر المؤهلة في مناطق النزاع.
وشدد البيان على أن الأطباء والعاملين الصحيين يتمتعون بحماية خاصة بموجب المبادئ الإنسانية والقانون الدولي الإنساني، وأية إجراءات تتعلق بهم يجب أن تجري وفق أسس قانونية واضحة، تضمن حقوقهم وسلامتهم وكرامتهم الإنسانية.
وطالبت الشبكة قوات “الدعم السريع” بالكشف عن أماكن وجود المحتجزين والسماح بالتواصل مع أسرهم، وضمان حصولهم على الرعاية الصحية اللازمة، والإفراج عن جميع المحتجزين الذين لم توجَه إليهم اتهامات قانونية معترف بها، أو لم يمثلوا أمام إجراءات عدلية عادلة، داعية المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، والأمم المتحدة، و”اللجنة الدولية للصليب الأحمر” إلى متابعة أوضاع المحتجزين، والضغط من أجل ضمان سلامتهم واحترام حقوقهم الأساسية.
