الجيش يضغط في دارفور والمسيرات تعمق أزمة الكهرباء وترفع فاتورة الحرب

استهدفت مسيرات تابعة لقوات الدعم السريع صباح اليوم الأربعاء، المحطة التحويلية للكهرباء بمدينة المناقل كبرى مدن ولاية الجزيرة، إلى جانب محطات ضخ الوقود بمنطقة هيا بولاية البحر الأحمر.
واستهدفت مسيرات “الدعم السريع” أمس الثلاثاء 27 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، البنية التحتية لمحطات الكهرباء في خمس ولايات بوسط وشمال وشرق السودان، وضربت محطة المرخيات الرئيسة غربي مدينة أم درمان الناقلة لكهرباء سد مروي إلى ولاية الخرطوم ملحقةً بها أضراراً جسيمة، ما تسبب في انقطاع واسع للتيار الكهربائي في أجزاء واسعة من ولايتي الخرطوم، ونهر النيل، وعدد من الولايات الأخرى، ما يوسع فاتورة الحرب ويعمق من تحديات وأزمات البنية التحتية لقطاع الكهرباء بالبلاد ويفاقم معاناة السودانيين بانعكاسها على الخدمات الأساسية.
الجيش السوداني يستهدف معسكر للدعم السريع في نيالا
الجيش السوداني يقصف معاقل قيادة “الدعم السريع” في نيالا
الجيش يسترد بلدتين في النيل الأزرق ويكثف هجماته الجوية في دارفور وكردفان
وشنت مسيرات “الدعم السريع” هجوماً مماثلاً واسعاً أول من أمس الإثنين، استهدف خمس محطات للتوليد وأخرى تحويلية رئيسة لنقل الكهرباء في أربع ولايات هي محطتي الحواتة والفاو بولاية القضارف، والجنيد بولاية الجزيرة، ومحطة سنجة بولاية سنار، ومحطة مشكور بالنيل الأبيض. وتسببت ضربات المسيرات بأضرار بالغة في المحطات وانقطاع للتيار الكهربائي، ما أثر على استقرار الإمداد عبر الشبكة القومية، وفقاً لشركة كهرباء السودان القابضة.
وعقد وزير الطاقة والنفط السوداني، المعتصم إبراهيم، أمس الثلاثاء، اجتماعاً موسعاً مع قيادات الكهرباء بالبلاد، ناقش خلاله تداعيات الاستهداف الذي تعرضت له محطة المرخيات التحويلية والأضرار البالغة بالمحطة وخروجها عن الخدمة، بجانب الأضرار التي تعرضت لها محطات الحواتة، والجنيد، ومشكور، والفاو، وأثرت بصورة كبيرة على استقرار الإمداد الكهربائي في الشبكة القومية.
من جانبها أعلنت حكومة ولاية الخرطوم عن تدابير استثنائية لتشغيل المرافق الحيوية التي ستتأثر بانقطاع التيار الكهربائي لتخفيف المعاناة على المواطن.
وطالب والي الولاية المكلف، أحمد عثمان حمزة، المواطنين أن يكونوا على علم بالواقع ويتخذوا بدورهم “الترتيبات الإسعافية اللازمة لمقابلة هذا الوضع الاستثنائي”.
وأعلن المدير العام لشركة كهرباء السودان القابضة، عبد الله أحمد، أن “الفرق الهندسية تعكف حالياً على حصر كافة الأضرار التي لحقت بمحطة المرخيات، تمهيداً للشروع في المعالجات اللازمة وإصلاح الأعطال ومضاعفة الجهود الميدانية لتسريع وتيرة العمل، لإعادة الخدمة الكهربائية إلى وضعها الطبيعي في أسرع وقت ممكن”.
وكانت محطة “المرخيات” التحويلية بمدينة أم درمان التي تمثل المصدر الرئيس لنقل الكهرباء من سد مروي إلى ولاية الخرطوم، قد تعرضت العام الماضي إلى هجمات مماثلة أدت إلى قطع الكهرباء عن العاصمة لنحو 3 أسابيع.
وشهدت خدمات الكهرباء استقراراً نسبياً في الخرطوم خلال الأسابيع الماضية عقب معالجات صعبة ومكلفة أجرتها وزارة الطاقة لإصلاح الأضرار السابقة التي كانت قد لحقت بالمصادر الرئيسة للإمداد في سد مروي ومحطات التوليد الحرارية.
غارات الجيش
في المقابل كثفت المسيرات والمقاتلات الحربية للجيش غاراتها الجوية ضد تجمعات “الدعم السريع” في مواقع عدة بشمال وجنوب دارفور. وشنت مسيرات الجيش بحسب مصادر عسكرية أمس الثلاثاء، غارتين جويتين على أهداف داخل مدينة نيالا مستهدفةً محيط مقر الفرقة 16 مشاة (سابقاً) ومحيط جامعة نيالا.
أوضحت المصادر أن الغارات استهدفت معسكراً مخصصاً لتدريب المستنفرين وعناصر “الدعم السريع” ويتم فيه أيضاً استقبال المرتزقة الأجانب من دول الجوار بمنطقة “دوماية”، وأسفرت عن مقتل عشرات العناصر من بينهم قادة ميدانيين يشرفون على تفويج القوات من المعسكر إلى محاور القتال.
وفي إطار تصعيد الجوي المتبادل بين الجانبين منذ أسابيع، تواصلت الغارات على نيالا طوال هذا الأسبوع الماضي، ونفذ الطيران الحربي للجيش أمس ضربات جوية عنيفة استهدفت مقر قيادة قطاع شمال دارفور ومراكز للتدريب بالفاشر، أسفرت عن تدمير واسع بها.
ومنذ أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تخضع مدينة نيالا لسيطرة “الدعم السريع” التي تتخذها مقراً لحكومتها الموازية، ومركزاً للقيادة والسيطرة والدعم اللوجستي لعملياتها العسكرية، ما جعلها هدفاً لغارات الجيش الجوية المكثفة.
اتهامات بارتكاب “مجزرة”
وفيما لم يعلن الجيش السوداني مسؤوليته عن الهجوم على منطقة دوماية، اتهم بيان لتحالف السودان التأسيسي (تأسيس) الجيش السوداني باستهداف سوق “تنقونج” بحي دوماية في مدينة نيالا بغارات مسيرة متسبباً في ما وصفه بـ “مجزرة دموية بشعة” راح ضحيتها 102 مدنيين وإصابة 103 آخرين.
واعتبر بيان للناطق الرسمي لـ “تأسيس”، أحمد تقد لسان، أن “استهداف المدنيين والتجمعات المدنية والأسواق يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويرقى إلى جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية”، مطالباً “المجتمع الدولي بفتح تحقيق دولي مستقل ومحايد في الهجوم، وتحديد المسؤولين عنه ومحاسبتهم”.
في الأثناء، ما يزال محور النيل الأزرق يشهد تعزيزات عسكرية وتأهباً واستعدادات متبادلة من جانب الجيش وحلفائه من جهة، و”الدعم السريع” وحليفتها “الحركة الشعبية – شمال” بقيادة جوزيف توكا من الجانب الآخر، تحسباً لمواجهات متوقعة بمناطق “خور البركة” المتاخمة لمدينة الكرمك الحدودية غربي الإقليم، وسط تقارير عن توالي موجات النزوح وتفاقم التداعيات الإنسانية للمدنيين جراء العمليات العسكرية والمناوشات المستمرة بين الجانبين.
وأوضحت مفوضية العون الإنساني بالإقليم عن بلوغ عدد النازحين في ثلاث محافظات بالإقليم، إلى جانب العالقين في منطقتي باو والكرمك، نحو 27 ألف و400 شخص، جراء موجات نزوح مرتبطة بالمعارك التي شهدتها مناطق مختلفة بالإقليم خلال الفترة الماضية، موزعين على معسكرات بمحافظات الكرمك وقيسان وود الماحي.
وكشفت المفوضة الإنسانية بالإقليم، قسمة عبد الكريم، أن مدينة الدمازين وحدها تضم 12 معسكراً لإيواء النازحين بما فيهم المتأثرين بأحداث عام 2023، إلى جانب نازحين من المنطقة الغربية للإقليم، فضلاً عن العائدين من جنوب السودان. وأشارت عبدالكريم في مؤتمر صحافي عُقد أمس، أن هناك معسكرات عدة أخرى في محافظات الروصيرص وود الماحي، إلى جانب وجود عالقين وسط القتال في محافظتي باو والكرمك.
وفي جنوب كردفان، قالت مصادر أهلية أن مسيّرات تتبع للدعم السريع قصفت مواقع للتعدين الأهلي في مناجم المثلث بمناطق الليري، وتلودي، وكلوقي، خلفت أضراراً وخسائر بالغة، وتسببت بحرائق واسعة وانفجارات متتالية أعقبت القصف.
البرهان إلى روسيا
في الأثناء توجه رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان أمس (الثلاثاء)، إلى العاصمة الروسية موسكو للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية الثالثة والمنتدى الاقتصادي والإنساني المصاحب لها خلال يومي 28 و29 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.
وسيعرض الخطاب الذي سيلقيه رئيس مجلس السيادة الانتقالي أمام القمة، بحسب سفير السودان لدى روسيا، محمد الغزالي، “رؤية السودان لتحقيق السلام والاستقرار لشعبه والمحافظة على سيادته ووحدته”.
وقال الغزالي، إن روسيا الاتحادية أثبتت من خلال دعمها للسودان في الآونة الأخيرة مصداقيتها والتزامها بالمبادئ الهادية لسياستها الخارجية والتي تقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وبناء العلاقات على أسس المصلحة المشتركة، واحترام سيادة الدول ووحدتها.
سياسياً عقد الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، اجتماعاً مع لجنة تهيئة الحوار السوداني الداخلي، بمقرها بالعاصمة الخرطوم، مؤكداً مساندته للجهود الرامية إلى تهيئة المناخ المناسب للحوار، بما وتوظيف شبكة علاقات الجامعة لدعم هذه الجهود.
وأوضح الناطق باسم اللجنة، عثمان ميرغني، أن “لقاء فهمي باللجنة تناول مسار الحوار السوداني الداخلي، والسبل الكفيلة بتهيئة الظروف الملائمة لانطلاقته وإنجاحه، إلى جانب تطورات الأزمة السودانية والجهود التي تبذلها الجامعة العربية تجاهها والاستفادة من دور الجامعة في تعزيز الثقة في عملية الحوار”.
وأكد اللقاء بحسب ميرغني على “أهمية تضافر الجهود ودعم مسار الحوار السوداني، بما يتيح للسودانيين مناقشة قضايا بلادهم والتوصل إلى حلول تحقق تطلعاتهم المشروعة”.
وتشارك الجامعة العربية ضمن عضوية “الآلية الخماسية” التي تضم كل من الاتحادين الأوربي والأفريقي والولايات المتحدة ومنظمة “إيغاد”، المنخرطة في لقاءات تشاورية مع القوى السياسية والمدنية السودانية للوصول إلى أرضية مشتركة لإطلاق عملية سياسية شاملة.
جدل المجاعة
في المقابل، ورداً على بيان مشترك لـ31 دولة على رأسها الولايات المتحدة، يحذر من خطر المجاعة بالسودان، اتهمت الخارجية السودانية بعض الدول الغربية بتبني مشروع سياسي يحمي “الدعم السريع” من “المزيد من الهزائم، ويخالف مرجعية إعلان جدة”، معربةً عن أسفها لما وصفته بـ “محاولات بعض الدول والمنظمات توظيف الأوضاع الإنسانية سياسياً، بهدف فرض شروط للتسوية تحت مسمى الهدنة الإنسانية”.
وأكدت الخارجية في بيان أمس، أن “الوضع الغذائي بالبلاد مطمئن”، وأن “المخزون الاستراتيجي والعمليات الزراعية الجارية حالياً يوفران احتياجات البلاد الغذائية، ويحققان قدراً عالياً من الاستقرار في أنحاء السودان المختلفة، بما يدحض مزاعم حدوث مجاعة في البلاد”.
واعتبر البيان أن “الهدنة الإنسانية المطروحة تستهدف إنقاذ المليشيا المتمردة من الهزائم، ومنحها فرصة لإعادة التسلح والانتشار”، مشدداً على “رفض استغلال المساعدات الإنسانية كغطاء لتمويل الميليشيا وتقويتها، واستخدام الغذاء سلاحاً في الحرب ضد المدنيين”.
كما رحبت الخارجية بالدعم الإنساني المقدم من المانحين والمنظمات الدولية، مؤكدةً على مواصلة الحكومة في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع السودانيين، بما في ذلك المناطق الخاضعة لسيطرة “الدعم السريع” وتيسير إجراءات الدخول وأذونات الحركة للعاملين في المجال الإنساني.
وكانت منظمات أممية ودولية، قد حذرت مراراً من حدوث مجاعة في السودان جراء استمرار النزاع المسلح، بالتزامن مع شح الأمطار في العديد من أنحاء البلاد هذا العام، ودعت إلى تحرك عاجل لإنقاذ الوضع الإنساني.
من جانب آخر، هاجم “التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة” (صمود) ما قال إنه “إنكار السلطات السودانية لخطر المجاعة في السودان”، محذراً من أن “استمرار الحرب يفاقم الجوع والنزوح والانهيار الاقتصادي”، متهماً الحكومة بالتنصل من المسؤولية عن الكارثة الإنسانية، وتقديم حسابات السلطة على حياة ملايين السودانيين.
ودعا بيان “صمود””، إلى “ترتيبات إنسانية دولية عاجلة تضمن فتح المعابر الحدودية وخطوط التماس، وتأمين الممرات البرية والجوية، وتسهيل وصول المساعدات إلى جميع المحتاجين دون قيود أو تمييز”، مجدداً مطالبته بإقرار “هدنة إنسانية فورية غير مشروطة، وفرض ضغوط منسقة وإجراءات رادعة ضد كل من يعرقل الهدنة الإنسانية أو يمنع وصول الإغاثة”.
حرب على المدنيين
أممياً وصف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الحرب في السودان بأنها حرب من أجل السلطة تغذيها أطرافاً خارجية، تحولت إلى حرب على المدنيين، مشدداً على ضرورة وقف القتال وحماية المدنيين، والسماح بتدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.
وأكد أمين الأمم المتحدة في منشور على حسابه بمنصة (إكس) أمس، على ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، منوهاً أن مستقبل البلاد يجب أن يحدده السودانيون عبر عملية سياسية شاملة.





