عثمان عكرة يكتب: الأمن القومي (1): المفهوم والتعريف

الأمن القومي (1): المفهوم والتعريف

عثمان شيخ الدين عكرة

وأنا ولد في المتوسطة، لقيتُ بين كتبي كتاباً ضخماً عن الأمن القومي. والله ما أعرف لحدّ اليوم من الذي جاء به البيت، ولا كيف استقر على الرف بين المنفلوطي وأخواته. نصف الكتاب ما فهمته يومها، لكن حاجة واحدة علقت في راسي: أن للدولة ما تحميه، وأن الذي لا يعرف ما يحميه يضيّعه وهو فاكر نفسه يحرسه.

عثمان عكرة يكتب: خمسون عاماً… وتزداد المسافة ابتعاداً

كبرنا، وكبرت معنا الأسئلة، وصار لذلك الكتاب في ذاكرتي معنى تاني. وهسه، وبلدنا تمر بأقسى امتحان في تاريخها، رجع إليّ السؤال الذي زرعه فيّ قبل عقود: نحن بنحمي شنو بالضبط؟ ومن الذي يقرر؟
من هنا نبدأ.

ما الذي نعنيه بالأمن القومي؟

لمّا نقول الأمن القومي، ما بنتكلم عن الشرطة، ولا عن جهاز المخابرات، ولا عن الجيش وحده. بنتكلم عن الدولة بوصفها كياناً سياسياً له وجود واستقلال وقرار ومجتمع وحدود ومقدرات، وعن قدرتها على حماية هذه كلها من المخاطر، سواء جاءتها من وراء الحدود أو طلعت من تحت أقدامها.

ولأن المفهوم كبير، اختلف الباحثون في تعريفه. أشهر ما قيل في العصر الحديث ما كتبه الصحفي والمفكر الأمريكي والتر ليبمان عام 1943: إن الأمة تكون آمنة حين لا تضطر إلى التضحية بمصالحها المشروعة لتتجنب الحرب، وتقدر على صونها إن تحداها أحد. وبعده بتسع سنوات جاء أرنولد وولفرز فوصف الأمن القومي بأنه رمز ملتبس، لأن للأمن وجهين: غياب التهديد في الواقع، وغياب الخوف في النفوس. قد تكون الدولة آمنة بالأرقام وأهلها خايفين، وقد يحصل العكس. ثم جاء باري بوزان في مطلع الثمانينيات وقال إن الأمن ما عاد عسكرياً فقط، بل له قطاعات خمسة: عسكرية وسياسية واقتصادية ومجتمعية وبيئية.

وإذا جمعنا هذه الخيوط في عبارة واحدة، قلنا إن الأمن القومي هو قدرة الدولة على حماية مصالحها الحيوية، وصيانة استقلالها وسيادتها وسلامة أرضها ومجتمعها، ومواجهة ما يهدد وجودها أو استقرارها أو مستقبلها.

وهذا يكشف لنا شيئاً مهماً: الأمن القومي ما هو مجرد غياب الحرب. الدولة ممكن ما تكون في حرب، ومع ذلك تنزف من اقتصادها، أو من غذائها، أو من مائها، أو من تماسك نسيجها الاجتماعي، أو من قدرتها على أن تقرر لنفسها بنفسها.
بين الأمن القومي والأمن الداخلي
الأمن الداخلي شغله حماية المجتمع من الجريمة والإرهاب والعنف والاضطراب. أما الأمن القومي فأوسع من كده بكتير، فهو يشوف الدولة كلها، بتهديداتها الداخلية والخارجية معاً، وبما تملكه من أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية واجتماعية وعسكرية لحماية مصالحها.

ولذلك فانهيار العملة ممكن يكون قضية أمن قومي، وفقدان الغذاء كذلك، وكذلك المياه والطاقة والمعلومات والفضاء السيبراني، بل والتماسك الاجتماعي نفسه.
وبين الأمن القومي وأمن الحاكم
وهنا أصل لنقطة أحسب أن كل من عاش في بلدنا يعرف وجعها من غير ما يحتاج لمن يشرحها له.

و من أخطر مفارقات المفهوم: كلما اتسع ليشمل الاقتصاد والإعلام والمجتمع، اتسع معه الباب أمام من يريد أن يضيّق على الناس باسمه.

ولهذا فالسؤال الصحيح ما هو: ماذا يهدد الدولة؟ بل: من الذي يحدد ما نسميه تهديداً؟ وبأي حق؟ ولمصلحة من؟ أترك الجواب مفتوحاً هسه، ونرجع له في حلقة قادمة بما يستحقه.

والعالم نفسه انتبه لهذه الثغرة. ففي عام 1994 أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقريراً نقل مركز السؤال من أمن الدولة إلى أمن الإنسان: أن يأكل ويتعلم ويتداوى ويأمن على حياته وكرامته. وهو ميزان لازم، لأن دولة آمنة وشعبها جائع ومشرّد، دولة فقدت معنى أمنها.


إنضم إلى قناة سودافاكس على الواتساب

رأي سودافاكس

فضاء مفتوح لأقلام سودانية متنوعة في شبكة سودافاكس الإخبارية. تعكس لمقالات المنشورة هنا آراء أصحابها ولا تُعبّر بالضرورة عن موقف هيئة التحرير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.