كارثة حقيقية تهدد حياة آلاف المواطنين بولاية الجزيرة قرى “غرب المناقل” ما زالت تُقض مضاجعهم وتؤرق لياليهم وتحيل نهاراتهم إلى كوابيس، وهم يرابطون حول المياه المنسابة بفعل السيول والأمطار وفائض ري مشروع الجزيرة، تحاصر المياه قراهم ومناطقهم وتحيط بالبيوت كما “السوار بالمعصم”، وصرخاتهم واستغاثاتهم تتوالى ولا أذن صاغية من الجهات المسؤولة والأخرى المُتسببة في الضرر “مشروع سكر النيل الأبيض” الذي أحال وعوده الخضراء لسكان المنطقة إلى جحيم يتجدد كل عام يسقيهم “المُر” بدلاً عن “السكر” ويزرع الرعب في قلوبهم كلما تجمعات سحابة ممتلئة حبلى بالمطر كانت في السابق تُبشر بالخير وتملأ الضرع والزرع وعداً وقمحاً وتمنياً، أضحت تجلب الخراب والدمار وتجرف البيوت وتخنق الزرع وتُصادر قوت المساكين والبسطاء.
كل هذا الدمار سببه ترعة مشروع “سكر النيل الأبيض” التي حجزت تصريف السيول الطبيعي وأصبحت المياه ترتد راجعة إلى القرى وتحبس أنفاسها طوال فترة الخريف بعد أن فشلت معالجة الشركة بمد ثلاث “مواسير” تحت ترعتها الرئيسية، وبالطبع لا تنتهي المعاناة بانتهاء موسم الأمطار وتتحول المياه إلى مستنقعات وبرك راكدة مرتعاً للحشرات والبعوض والأمراض، وتحيل المنطقة إلى صراع جديد ما بعد الخريف مع وباء الملاريا المستوطن والتايفويد وبقية الأمراض المنقولة عبر المياه. “الصيحة” طافت في زيارة ميدانية على القرى المتأثرة والمحاصرة بالمياه ووقفت على أرض الواقع ونقلت أصوات المواطنين ولسان حالهم ووثقت لمعاناتهم بالصورة باعتبار أن “الصورة لا تكذب ولا تتجمل”.
“القرى المنسية”
منطقة غرب المناقل المُتاخمة لولاية النيل الأبيض المُحادة لمحلية “الدويم” والممتدة حتى محلية ربك تُعرف عند مواطني المنطقة بـ “القرى المنسية” سقطت سهواً من ذاكرة الحكومات المُتعاقبة على ولاية الجزيرة خاصة وأن ارتباطها بولاية النيل الأبيض ومحلية الدويم تحديداً أكبر من الجزيرة بحكم الموقع حيث الخدمات والأسواق والمستشفى، فضلاً عن أنهم يستخدمون الطريق القومي “جبل أولياء ـ ربك” ومن ثم يُعرجون على “القرى المنسية” عند تقاطع كبري الدويم.
قرى غرب المناقل تُعاني من فقدان أبسط الخدمات ومقومات الحياة، تنعدم المياه النقية الصالحة للشرب في أغلبها وتفتقر لخدمات الصحة، قرى لا تعرف الأسفلت أو حتى “الردميات” الترابية “الحمراء” تتحول إلى مناطق مغلقة وجُزر معزولة تماماً في فصل الخريف، وكل الإشراقات التي تمت في بعضها اعتمدت بشكل كامل على الجهد “الشعبي” والمغتربين من أبناء المنطقة، ولكن كل هذا بات مُهدداً بالزوال وتحويل هذه القرى نفسها إلى أثر بعد عين حال لم تتم معالجة المهدد الرئيسي والخطر المتربص بالمنطقة مياه السيول والأمطار وفائض ري مشروع الجزيرة الذي تحجزه ترعة مشروع “سكر النيل الأبيض” الكابوس الجاثم على أنفاس أهل المنطقة كل خريف.
“مناطق متأثرة”
“الصيحة” طافت في زيارة ميدانية على القرى المُتضررة من ترعة مشروع “سكر النيل الأبيض” قرى غرب المناقل المُتاخمة لمحلية “الدويم” والتقت بعدد من المواطنين تحدثوا عن الضرر الذي حل بالمنطقة وطال البيوت والزراعة والطريق الوحيد الذي يربطهم بالمستشفى والأسواق.
وقال المواطن بقرية “معزّة” المُحاصَرة بالمياه، محمد توم عبد الله لـ “الصيحة” إن أربعة قرى بوحدة “الماطوري” تابعة لمحلية القرشي غرب المناقل بولاية الجزيرة، مُحاصرة بالمياه تماماً هي”معزّة، وأب رضم، الهشابة، العمارة فضل السيد” ما زالت مهددة خاصة وأن المنطقة تشهد هطول أمطار والخريف لم ينته بعد، وأوضح أن المشكلة ترجع إلى أن ترعة مشروع سكر النيل الأبيض حجزت التصريف الطبيعي لمياه السيول والأمطار وفائض مياه مشروع الجزيرة، وقال “في السابق كانت المياه تنساب بصورة طبيعية عبر المجاري والخيران حتى النيل الأبيض في المنطقة المحازية لمحلية الدويم، ولكن بعد قيام الترعة حلت بنا الكارثة”، وشدد التوم على أن المعالجة التي نفذتها شركة سكر النيل الأبيض بمد ثلاث “مواسير” تحت الترعة لتصريف المياه لم تجدِ نفعاً، وتسببت بضرر مُضاعف على المنطقة وأصبحت القُرى مُهددة ومحاصرة سنوياً بارتداد مياه السيول والأمطار وفائض مياه مشروع الجزيرة.
“جهد شعبي”
واجهت هذه المناطق خلال الفترة الماضية ظروفاً قاسية وأمضت أيام “عيد الأضحى” في حالة من الهلع والخوف والمطر يتساقط بغزارة حينئذ، فخرج المواطنون وخاصة الشباب إلى “الكسورات” والمناطق التي تتسرب منها المياه المُحتجزة إلى داخل القرى، ولكن باءت محاولاتهم بالفشل، ومنسوب السيول وفائض مشروع الجزيرة أكبر من طاقتهم ومواردهم المحدودة، ومحلية القرشي الناشئة العاجزة عن تقديم ما يُعين باعتبار أنها جديدة ولا تمتلك موارد كافية بعد انفصالها عن محلية المناقل التي ما زالت “تُعرف بها القرى” باعتبار أن المنطقة امتداد لمشروع الجزيرة والمناقل، معتمد القرشي كل ما استطاع فعله هو التبرع بـ “300” جوال “خيش” صغير الحجم لمواجهة سيل هادر، فما كان إلا أن تضافر الجهد الشعبي من أبناء المنطقة واستأجروا “كراكة” من إحدى شركات الري أفلحت في ردم حاجز من التراب والطين أوقف تسرب المياه إلى القرى المغمورة أصلاً بالسيول بشكل جزئي. وقال المواطن محمد إبراهيم البر ـ وكان وقتها مُشرفاً على عمل “الكراكة” ـ إنه لو لا تضافر الجهد الشعبي لتعاظمت الكارثة وتحولت جميع القرى المُتأثرة إلى ماضٍ وأطلال.
“تصريف طبيعي”
الشيخ أحمد الشيخ بلة من سجادة الطرق الصوفية وأعيان منطقة “أبو رضم” أكثر القرى المتأثرة بالمياه، قال إن معاناتهم لا توصف ولن يحس بها إلا من يُعايشها ويكتوي بنارها وهو يرى السيول محجوزه تحاصره من كل مكان والبيوت قابعة وسط المياه يتآكل بعضها بمرور الوقت وينهار، وأوضح بلة أن هذه المنطقة معروفة منذ القدم وعند قيام مشروع الجزيرة امتداد المناقل تم تخطيط وتخصيص السهول الواسعة والممتدة حتى النيل الأبيض والتي تقع غرب تجمع ما يعرف بقرى “الظافر” بحيث تكون مُتنفساً لفائض ري المشروع ومياه السيول والأمطار، وقال إن المياه في السابق كانت تنساب بصورة طبيعية حتى النيل، ويستفاد من المساحات الواسعة التي تغمرها للرعي، لافتاً إلى أن جميع مياه ولاية الجزيرة تتجمع في مربعات منطقة “أب حلاقيم والمطيمرة” وأوضح أنهما تتبعان فنياً لإدارة مشروع الجزيرة باعتبار أنها مخصصة لفائض مياه المشروع الجزيرة، وأضاف “لكن بعد قيام سكر النيل الأبيض أصبحنا لا ندري هل ما زالت تتبع فنياً لمشروع الجزيرة وإدارياً للنيل الأبيض” وناشد بلة المسؤولين بالالتفات إلى قضيتهم وإنصافهم وإزالة ما لحق بهم من ضرر بصورة جذرية حتى لا يتكررالخريف المُقبل.
“تلف الزراعة”
الضرر لم يقتصر فقط على المساكن وحركة الناس بل تعدى إلى قوت المساكين، حيث غمرت المياه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية “الحواشات” وأحالتها إلى مُستنقعات لا تصلح إلا لـ “زراعة الأسماك” خاصة وأن عدداً كبيراً جداً من المزارع والجناين أصبحت مغمورة بالمياه طوال الخريف.
ووقفت “الصيحة” في جولتها على تلف أكثر من “750” فداناً بمشروع الجزيرة بالمنطقة غمرتها المياه وأصبحت خارج الموسم الزراعي الصيفي بجانب مساحات واسعة تزرع بمياه الأمطار.
المُزارع محمد الأمين أحمد حمد قال لـ “الصيحة” إنه وعدد مُقدر من أهالي المنطقة لم يزرعوا “حواشاتهم” منذ “8” سنوات وأن المياه تغمر أراضيهم وزراعتهم حتى نهاية الموسم الزراعي الصيفي منذ قيام ترعة سكر النيل الأبيض، وأضاف: “شكوانا نبثها لله أولاً ومن ثم للمسؤولين في مشروع الجزيرة وشركة سكر النيل الأبيض، ثمانية أعوام لم نزرع بسبب المياه التي تُحاصرنا كل عام فأدركونا”.
وأوضح شيخ قرية “معزّة” محمد فرج الله محمد الإمام أن الضرر الذي حاق بهم لا يُقدر بثمن ناهيك عن حالة الرعب التي عايشتها المنطقة خلال الفترة الماضية وما زالت، وقال إن أهالي القرية أمضوا “العيد” وهم يُجابهون المياه و”يترسونها” بجهد شعبي خالص.
ونوه الإمام إلى أن أغلب مزارعي المنطقة أصبحوا خارج الموسم الزراعي وتحديداً ترعة “التواس” مكتب “الظافر 70” وأشار إلي الحواشات المغمورة بالمياه من نمرة “2” حتي نمرة “8” وأوضح أن النمرة الواحدة تضم “90” فداناً، وأشار إلي أن ذات الحال ينطبق علي ترعة “كريك ون” من نمرة “5” حتي “8”.
وقال المواطن الطيب علي إسماعيل إن شباب المنطقة أصلاً هجروا الزراعة بعد أن أصبحت المياه تغمر حواشاتهم كل عام وتلحق بهم خسارة مُتلاحقة كل موسم، وأوضح أن المنطقة أصلاً أصبحت تعتمد على أبنائها المغتربين بحيث لا يخلو بيت من اثنين أو ثلاثة مهاجرين في دول الخليج، وأضاف: “قنعنا من الزراعة ومن خيراً فيها فقط أمسكوا عننا السيول والمياه التي تهدد وجودنا”، وتابع: “مشروع سكر النيل الأبيض منذ أن ظهر في المنطقة دخل علينا بالساحق والماحق والبلاء المُتلاحق” وما نرجوه حالياً أن تحل المشكلة بصورة جذرية حتى لا نعيش هذه المأساة كل خريف.
“مشكلة الطريق”
قرى المنطقة في فصل الخريف أصلاً تُعاني من مشكلة الوصول إلى الطريق القومي حيث مدينة الدويم السوق والمستشفى، وبعد كارثة السيول وحصار المياه انقطعت “الردمية” تماماً وغمرتها المياه وتحولت المنطقة إلى معزولة، وقال محمد التوم عبد الله إن “الردمية” هذه شيدها أهل المنطقة من حر مالهم واقتطعوا من قوتهم حتى وصلت هذه المرحلة، وأكد أنها المعبر الوحيد لهم، ونوه إلى أن شركة سكر النيل الأبيض حددت مدخلاً واحداً لقرى غرب المناقل ما تسبب في معاناة أكثر “70” قرية كانت تصل إلى الخدمات ومستشفى “الدويم” في أقل من ثلاثين دقيقة إلى أكثر من “3” ساعات في طريق وعر وشاق ينقطع تماماً في فصل الخريف.
وناشد المواطن عبد الرحمن محمد عوض الجيد شركة سكر النيل الأبيض بفتح صفحة جديدة مع أهالي المنطقة وعتقهم من المشوار المُنهك عبر المنفذ الوحيد للطريق الشاق وفتح كبري في ترعة المشروع يوصلهم بالطريق المختصر الذي عرفوه منذ عشرات السنين، ونوه إلى أن أي مشروع كبير يقوم في أي منطقة ما تُصاحبة خدمات اجتماعية لمواطني المنطقة التي تجاوره باعتبار أن القضية الأولى هي تنمية الإنسان.
“مُناشدة”
ناشد أهالي المنطقة رئاسة الجمهورية بالتدخل العاجل لإنقاذهم من شبح المياه الذي يطاردهم كل خريف، وطالبوا المجلس الوطني ونواب الجزيرة بالبرلمان لزيارة قراهم المنسية والوقف على أحوالهم على أرض الواقع ورفع مسألة مُستعجلة إلى قبة البرلمان بقضيتهم، بحيث أن مصيرهم لا يحتمل الانتظار، وامتدت المُناشدة إلى وزير الصناعة خاصة أنه سبق أن زار المنطقة ووقف على مُعاناتهم، ووجه أهالي القرى المُتضررة نداء بصورة خاصة إلى شركة سكر النيل الأبيض باعتبارها سبباً رئيسياً في الضرر الذي لحق بهم لمعالجة تصريف المياه بصورة جذرية ومكافأة أهالي المنطقة على صبرهم على الأقل بمد طريق مُسفلت إلى داخل القرى المعزولة بسبب المياه، وناشد المواطنون حكومة ولاية الجزيرة عتقهم من مسلسل المُعاناة الذي يُعاد كل عام بذات السيناريو والتفاصيل تعويض المتضررين.
محمد جادين
الصيحة
