ارتفاع تذاكر السفر …هل هي أمزجة أصحاب البصات أم هي استثمار في الأزمة؟

وسط موقف السفريات بالسوق الشعبي أم درمان تتوسط الحاجة آمنة ذات الستين خريفاً (عفشاً) مكوناً من شنطة (هاند باك) صغيرة وشيكارة متوسطة الحجم وثلاث جركانات فارغة أحكمت المرأة الرباط جيداً حول ممتلكاتها المتواضعة، تمددت بينها في بُساطة صغيرة وأسلمت أمرها للقدر، حينها كان السوق يتلون بالغبار المندفع من جهة الشمال، فجبال كرري وصحراء الشمالية فيما يبدو كانت غاضبة وهي ترسل رمالها المتحركة فوق رؤوس الناس، دخلت السوق بعد معاناة من الزحف خلف السيارات المتدافعة وجرارات الأسمنت ومواد البناء ترقد على جانبي الطريق غير مبالية باتساع الشارع أو عدمه، كان الأمر عبارة عن فوضى في النظام، وكان واضحا أن سلطات محلية أم درمان تهتم بجلب الجبايات دون الالتفات لترتيب المكان، مع إن بعض الاجتهادات القشورية أحدثت في السوق لكنه يظل صعب المراس ويصبح من المخاطرة الدخول إليه بسيارة نهاراً.
بدا موقف السفريات أشبه بالكوش الكبيرة المنتشرة وسط العاصمة الخرطوم، وعلى وجه الخصوص بعض أجزاء محلية أم درمان، لا ندري هل السيد مجدي عبدالعزيز يتجول بسيارته الفارهة داخل ذلك السوق أم أنه يكتفي بسماع تقارير وحداته الإدارية تحت سقف مباني المحلية الباردة بالقرب من ميدان الخليفة؟، في الموقف انتصب عثمان شاب أربعيني وهو يمسك بكيس كبير يسمى “أبكر كوة”، فيه بعض الأمتعة التي تخصه، يبدو من نظراته القاسية التي يسددها في الأفق غير مبالٍ بذرات التراب المتتابعة، إنه يريد المغادرة، وقفت بجانبه وسألته هل عندك فكرة عن تذاكر السفر إلى دارفور؟، رمقني بنظرة أكثر قساوة حتى تخيلت أنه سيضربني، لكنه بكل هدوء قال “يا زول أنا سبعة أيام يومياً أحضر إلى هذا الموقف بحثا عن تذكرة لكني لم أجدها”، لم أستوعب ما قاله الرجل تخيلته يصعّب من بساطة الأشياء، إلى جانبه مكاتب سفريات سألت الرجل الذي يجلس وراء المكتب عن تذكرة سفر إلى نيالا، لم يجبني وكان مشغولاً بالحديث مع أحدهم، كررت السؤال فأجابني بأن التذاكر إلى نيالا متوقفة، وقال لي عليك أن تذهب إلى الفاشر أولا ثم تواصل البحث عن تذكرة أخرى إلى نيالا.
قفزت أسعار التذاكر إلى دارفور وكردفان بصورة خيالية، وانقطعت بالناس السبل وأصابتهم الحيرة والتوهان وأصبح بعضهم عاجزاً عن التصرف، قال أحدهم صاحب مكتب سفريات سياحيةلـ(اليوم التالي) الصادرة يوم الخميس أن التذكرة إلى الفاشرة ارتفعت إلى (1100) جنيه بدلاً من (300) جنيه كانت في السابق، وارتفعت التذكرة إلى نيالا (1500) جنيه بدلاً من (450) جنيهاً في السابق، ربما يقول قائل لطالما أن تذكرة البص تكلفني حوالى ألفي جنيه مع مصاريف الطريق لماذا لا أستقل الطيران، ولكن الأنباء القادمة من وكالات السفر لا تبشر أيضاً، فتذكرة الطيران هي الأخرى قفزت إلى أكثر من ثلاثة آلاف جنيه، وغالباً ما يحدد أمامه أسبوع انتظار قبل المغادرة، فكل المقاعد مجوزة لفترة طويلة جدا ربما حتى منتصف رمضان.. قال رجل خمسيني كان يتجول في موقف السوق الشعبي إن تذكرة الوصول إلى محلية غبيش تكلفك ألفي جنيه مع انعدام تام للمواصلات، وأقسم الرجل بأن كمية البضائع والسلع الموجودة في مناطق واسعة بكردفان ودارفور لا تكفي لمقابلة احتياجات رمضان، وأضاف “أنا تاجر أجلب بضائع من أم درمان وأقوم بتوزيعها في بعض مدن ومناطق كردفان، والآن فشلت تماما في الحصول على وسيلة لنقل أي بضائع لتغذية المحلات هناك”.
حالة من المزاج تحكم سوق المواصلات وتذاكر السفر، فأصحاب البصات السياحية يتحكمون في أسعار التذاكر حسب تقديراتهم ومدى حاجتهم للمال، فلا قانون يحكم ولا نظام يحدد، فقط ما يضعه من سعر يتلزم به الركاب الذين تدفعهم حاجتهم الملحة إلى المغادرة، فلا مناص أمامهم سوى الذهاب ودفع المبلغ، ولكن مع ذلك يقول البعض إن الحالة في الخرطوم أقل سوءا من الولايات التي انعدمت فيها وسائل المواصلات، وعاد الناس إلى وسائل النقل التلقيدية من “حمير، وخيل وجمال”، فالحياة التي تعمل بالوقود توقفت تماما، والأخطر توقف محطات المياه سواء للماشية والدواب أو الإنسان، وطواحين الدقيق من واقع اعتماد قطاع واسع من الريف على الحبوب كمكون غذائي أساسي، فضلا عن أن مساحات واسعة من البساتين أصابها الذبول واليباس وأصبحت خاوية على عروشها.

كوش نيوز

اضغط هنا للإنضمام لمجموعة الواتسب

اضغط هنا لبقية مجموعات الواتسب


اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.