السودان والخروج من غيابة الجب.. كلُ شيءٍ كامنٌ فيه ضده!

السودان والخروج من غيابة الجب.. كلُ شيءٍ كامنٌ فيه ضده!

_ فوزي بشرى _

ظللت أمني نفسي أثناء كتابتي هذه المقالة أن يقع من الأحداث في شأن الحرب والسلام ما يكذب سوء ظني بالقوى المدنية الديمقراطية التي قالت إنها ليست طرفا في الحرب الدائرة، ولا هي منحازة إلى أي من أطرافها، وإن غاية ما تصبو إليه مستفرغة جهدها فيه هو تحقيق السلام بالسعي بين قيادة الجيش وبين قيادة الدعم السريع. وهو سعي أرادته هذه القوى ترجمة لموقفها المعبر عنه بشعار (لا للحرب).

كان رئيس تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السابق قد أخبر أنه أرسل برسالتين للفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش والفريق محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع في هذا الشأن. لكن ما أن ظهر حميدتي بعد طول اختفاء زائرا أكثر من دولة إفريقية، حتى تحلقت هذه القوى حوله وسارت في ظله توشك تمسك بطرفه ثم نسيت ما كان من (أمر سعيها) بين الأطراف لبحث قضية الحرب والسلام.

لقد خرجت ما تسمى بالقوى المدنية الديمقراطية من (تقيتها السياسية) التي عقدت لسانها طيلة شهور الحرب، فلم تستنكر انتهاكات الدعم السريع الواسعة إلا وهي كارهة، ولم تغادر رؤيتها الحرب صراعا مع الفلول، ولم تستطع أن ترى في هزيمة الجيش انهيارا كاملا لآخر ركن في الدولة هو عمودها المكين. هرعت القوى المدنية الديمقراطية (تقدم) إلى حميدتي وكأنها تستأنف تنفيذ (تحالفها غير المكتوب معه) حين كانت تمني حميدتي ويمنيها بين يدي (الاتفاق الإطاري).

ذلك كان تحالفا مضمرا بين بنادق حميدتي الصائلة وبين الحرية والتغيير – المجلس المركزي باعتباره الجسم الممثل لثورة الشعب السوداني، وتطلعه إلى الديمقراطية والحكم المدني. ولا أحد كحميدتي كان يعرف بؤس تلك القيادات، فما أكثر ما ذمها وسخر منها. لكن ما حيلتها ولا مركب لها غير مطايا حميدتي النجيبات. لا حيلة لها فشرط وجودها السياسي أصبح متعلقا به وبظله.

أما حميدتي فلا يريد من (تقدم) إلا القناع المدني. ومن (رحم هذه الانتهازية السياسية) خرج إعلان المبادئ بين حميدتي وبين تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية (تقدم)، وإعلان المبادئ هو بالضرورة (اتفاق سياسي) يكرس حميدتي زعيما سياسيا مستبدا بقوة جيشه، أما القوى المدنية فحسبها (العيش في كنفه) ولا بأس وهي تفعل ذلك أن تجتر المقولات القديمة حول (التحول الديمقراطي والحكم المدني).

لقد كانت (تقدم) أسوأ مما توقعت، وعززت صدق ما كنت أرجو تكذيبه وهو أن الحد الأدنى من الحصافة السياسية لو توافر لها لجعل قدرا ضئيلا من حسن الظن في بعض رجالها عاصما من رميها بالسذاجة السياسية، ومن اتهامها بأنها تحت إغواء السلطة أساءت للشعب السوداني مرتين: مرة بخذلانها إياه ساعة حاجته إلى مؤسساتها تؤوي وتغيث وتدفع عنه بحسن صلتها بقائد الدعم السريع؛ و مرة بتحالفها مع حميدتي من (أجل تأسيس الدولة السودانية وتحقيق رفاه الشعب السوداني. لم تكذب وقائع ما جرى في العاصمة الإثيوبية من خروج المخبوء إلى العلن سطرا مما كتبت. فليس ثمَّ غير الشراب القديم في الآنية القديمة نفسها، من يشربه وقد تجرع الشعب من قبل علقمه؟!

النسيج الاجتماعي.. من الذي فتقه وكيف ولماذا؟
أما وقد استوى أغنياء السودان وفقراؤه، وتشرد سياسيوه في الآفاق ولجأوا لجوء عامة أهله وتشردهم، وتعرضت معظم مؤسسات النفع العام والخاص فيه للدمار، واتسع فتقه الاجتماعي على حيلة كل (راتق) من أولئك المجترين للعبارة المستهلكة في سوق السياسة السودانية، وحال وصفهم تصدع البنى الاجتماعية فيجعلون من مهمتهم المتوسلين بها إلى الشعب أنهم سيسعون إلى (رتق النسيج الاجتماعي)، دون أن يسألوا وهم تحت سلطان الاستعادات غير المفكر فيها: عمن الذي فتقه وكيف ولماذا؟

أما وقد تخاصمت جغرافية السودان لما استعرت فيه النوازع العنصرية والولاءات المناطقية فصار الشمال أكثر شمالا، والغرب أكثر غربا والشرق أكثر تشريقا، وأخذ الوسط يتلمس هوية تخرجه من (روحة البين بين).

أما وقد أصاب عسكريته النظامية والمليشاوية ما أصابها من الوهن واضطراب عقيدة سلمها وحربها، فدخلت جميعها في حرب مدمرة هي التجلي الأكثر وضوحا لأزمات البلاد جميعا، بعد أن شبعت السياسة السودانية موتا وقلة َحيلة من جراء ما أصابها من (أنيميا فكرية ووطنية) ألجأتها إلى إسلام قيادها إلى رعاة ليس لهم في التجريب الديمقراطي (كسبٌ في طرف من نهار) ليقودوها في المسالك الوعرة (للتحول الديمقراطي والحكم المدني). وهو انقياد (يفضح خورا فكريا وأخلاقيا ليعبر عن محض انتهازية متكسبة بالسياسة).

أما وقد تكشف لكل ذي عينين أن الحرب الناشبة هي حصيلة عشوائيات شتى في السياسة والعسكرية والاقتصاد والاجتماع، وهي جميعها منتجُ عقلٍ عشوائي، فشل في تأسيس العلاقة السوية للشعب السوداني مع موارده بما يخرجه من فاقته وعوزه إلى رحاب تنمية حقيقية يتحقق بها عز المواطن وكمال كرامته وحريته، عبر اجتراح (التصورات الكبرى) للوطن وبنائه وللنهضة المتأسية بتجارب الدول التي نهضت بموارد أقل وفكر أكثر.

وبعد أن بدت الحاجة ملحة إلى مراجعات عميقة من قبل علماء السودان ومثقفيه تتقصى أسباب العجز وعلل الوطنية السودانية في مراحل تخلقها المختلفة السابقة لما يسمى بدولة 1956 و(لقانون الجنسية السودانية) نفسه، وبعد أن تبين للناس كافة من سيرة الحرب خلال 265 يوما أن وطنهم قد صار مطمعا لغيرهم وساحة لأفعالهم الآثمة، وأن إضعافه وتدميره وترويع أهله وإرهابهم وتشتيت شملهم ودفعهم إلى مغادرته طلبا للسلامة هي الشروط اللازمة لحيازته والاستيلاء عليه.
الحروب لا تنتهي لأن النفوس عافت القتل

قد بات من المعلوم بالتجربة الماثلة من جراء الحرب أن السودان ينطوي على ضعف مؤسسي، وأن الذي حدث فيه ليس سوى (تجريب أولي) في (إفراغ الأرض من ساكنتها) ريثما تكتمل دائرة الإحاطة بها. فصيرورة التاريخ تقول في شواهدها المسطورة والمنظورة أن مصائر الإمبراطوريات والممالك والدول ما تنفك تتقلب بين الإنشاء والمحو (راجع الخريطة السياسية لأوروبا خلال الثلاثة والثلاثين عاما الأخيرة).

تاريخ أوروبا القريب يريك ألا دوام لشيءٍ متى افتقر إلى شروط وأسباب بقائه. وبعد أن عرف الناس من بلايا الحرب الجارية اليوم وخبروا من رزياها ما خبروا، وبعد أن تيقنت أكثرية الشعب أن الحرب مران في (الإفناء الذاتي)، وأنها تُخاض بنوازع دنيا وبشعارات تتكشف عند الفحص عن (لغو من القول لا مبدئية ولا مقاصد عليا فيه).

لقد أثبت البرهان أنه ليس جديرا بقيادة جيشه أو شعبه، فلا سيرة سياسية تزكيه ولا أداء عسكريا يشفع له عند الجيش قبل الشعب من كثرة ما فشل في الأمرين معا. وفي المقابل فإن محمد حمدان دقلو قائد الدعم السريع ما عرفت عنه انشغالات سياسية توطنه زعيما في متن صراع الأطراف مع المركز. بل إن المفارقة الكبرى تتجلى في أن حميدتي يدين بظهوره العسكري لحركات الاحتجاج المسلح التي اشتهر بقتالها لصالح حكومة البشير. وبهذا المعنى يكون حميدتي خلقا إنقاذيا كامل الخلقة لا شريك للإنقاذ فيه.

فالتجربة (النضالية) لحميدتي وقواته كانت في محاربة الحركات المسلحة في دارفور لصالح الإنقاذ. ولذلك سيبدو لجوء حميدتي لأدبيات (الغبن السياسي والاجتماعي التي كتبتها حركات الاحتجاج المسلح) ضرورة رتبتها حاجة حربه إلى مضمون قيمي سواء كان ذلك المضمون القضاء على الإنقاذين (الفلول) أي رموز النظام السابق، أو (بالاستدراك على غفلته حين علم بعد جهل ٍ طبيعة َمهمته الجديدة التي تكرسه قائدا ثوريا راديكاليا يجتث ما يسمى بدولة 56 من جذورها لإقامة دولة المستضعفين ونصب موازين العدل الاجتماعي، كل ذلك تكفلت الحرب بكشفه.

ولذلك فإن لقاء البرهان/حميدتي انعقد أو لم ينعقد ليس (شرطا أو ضربة لازم لعافية السودان واستقراره). فالحرب والسلام كلاهما أكبر من الطاقة الوطنية والفكرية وربما الأخلاقية لكليهما. فالسلام المراد للسودان أبعد مطلبا من قدرتهما على تصوره فضلا عن تحقيقه. السلام المطلوب في السودان ليس بوقف الحرب وإسكات البنادق، بل بتقصي بذرة الحرب الكامنة في السياسة والاجتماع، وفي نظم الحكم والتعليم والهوية الوطنية المتشظية. وكل هذا ثقلٌ أثقل بكثير من الأنواط التي تزين كتفي وصدري الجنرالين. فهما انتهيا إلى حيث هما عن طريق مصادفات وسوانح اهتبلاها دون سابق تدريب لتسنم المناصب التي تقلداها.

فلا البرهان بتدريبه العسكري كان معدا للحكم إعدادا مسبقا، ولا حميدتي بتجربته العملية مستوف لشروط الرئاسة. وهكذا بدا كما لو أن مسار البلاد السياسي والعسكري خلال السنوات الأربع الماضية كان نتيجة للمصادفات وضحية لها في الآن نفسه. لقد كانت تجربة غير مسبوقة من الجرأة على طلب ما لا يطلب بغير حقه.

الآن وقد أخرجت الحرب تكاليفها وتبعاتها الثقال، فإن الحكمة والرشد المُخرجين الناس من براثن اليأس والقنوط والشعور بالضياع الوطني يقتضيان أن تكون كل شواغل الحكم وشؤونه وشجونه في الدولة الجديدة الخارجة من (رحم) الحرب أمرا مفكرا فيه بعمق ومقلبا على وجوهه المختلفات، لا أن يترك للمصادفات والتطلعات الجزافية بغير سند.

فهذه الشواغل أجدر بها أن تكون قضايا لأبحاث مستفيضة يعكف عليها (معمل سياسي وطني)، يسند إلى علماء السودان في مختلف ضروب المعرفة للانكباب عليها والخروج بما سيكون أساسا متينا مجمعا عليه للدولة السودانية الجديدة. فليس كسانحة الحرب سانحة للتأمل في الخراب، وفي تصور النهوض وتخيله. فإن استقال عقلنا السياسي وجماع تجربتنا السودانية المعرفية والسياسية عن المهمة الوطنية الواجبة هذه الساعة، ووقع بدلا من ذلك انكفاء نوستالجي على الماضي الذي ذهب، وبكاء على الطلل الدارس، ودخل علماؤنا في تشقيق الكلام في صالونات الأنس المتحسر على ما فات والخشية مما هو آت، وانتهت مجالسنا الى أنس نلقي فيه الرأي المجرب أو الخاطرة العجلى في شأن الحرب والسلام لتتبخر الأفكار بانفضاض المجلس، إذا حدث ذلك فقد بطل السعي من طلب موعظة الحرب لبناء الدولة على أسس جديدة في كل شيء.

تساءل غوستاف لو بون في كتابه الذائع الصيت (سيكولوجيا الأزمنة الحديثة) مستغربا: كيف نجح ستون ألف إنجليزي في إبقاء ثلاثمائة مليون هندوسي يتساوون معهم في الذكاء تحت نير العبودية؟ واعتبر أن ذلك يعود بالدرجة الأولى الى (شخصية الغزاة)، وأياً ما كان استخلاص لو بون وهو يعرض لخصائص القوة والضعف لدى الشعوب فإن موضع الشاهد ومحل الاعتبار هو ضرورة وضع (الشخصية السودانية) موضعا للتحليل ولبحث مكامن قوتها وضعفها، وبيان ملكاتها الإبداعية وخصائصها الناهضة بها، أو القاعدة بها عن الحركة والفعل، لأن الحرب جعلت من هذا الأمر ضرورة، والحاجة إلى تحقيق السلام تجعل منه واجبا غير قابل للتأجيل، فقد كان من مستتبعات الحرب أنها عرّت ما كان خافيا.

ولما صار من غير المعقول بناء الدولة السودانية فوق الركام المادي والمعنوي الذي يسد الأفق وتفيض به النفوس، بالقفز العجِل على فصل (الحرب اللعينة) كأن شيئًا لم يكن، أو بالقيام الكسول من ظل لافتة (لا للحرب) فقط لأن البنادق سكتت، فإن ذلك سيكون عين العبث الذي هو وصف آخر للحرب في قول بعضهم من الذين يكتفون بوصفها (بالحرب العبثية)، ثم لا يزيدون جملة. والعبث صفة يمكن أن تلحق بالسلام لحوقها بالحرب، فتقول مثلا (السلام العبثي) وهو سلام متحقق ليس بشروطه ولكن بشروط عدم القدرة على الحرب التي ستنشب متى استكمل المسالمون على مضض شروط القوة اللازمة للدخول فيها.

الحروب لا تنشأ من فراغ، ولا تنتهي لأن النفوس عافت القتل أو أصابها الإعياء، الحروب تنتهي حين تنتهي أسبابها. فإن سكنت الحرب دون استيفاء شروط السلام فإنما هو سكوت بركان. فاذا صح هذا فإن أول شروط البناء الجديد -والجدة لا تستصحب قديما- وجب أن يصار إلى الآتي يزاد فيه أو يُنقص.

شروط البناء الجديد
تعبئة الشعب السوداني في مدنه وقراه للخروج في مظاهرات تدعو الجنرالين عبد الفتاح البرهان قائد الجيش ومحمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع بالوقف الفوري للحرب، فإن لم يتمثلا للطلب الشعبي يطلب الشعب السوداني تدخلا دوليا من الأمم المتحدة يوفر الأمن والأمان للشعب ويصون كرامته ويفرض سيطرته ريثما ينظم الشعب نفسه ويقيم حكومته هو، وبإرادته هو دون تدخل من أي جهة أيا كانت. إن الاستنفار الشعبي للدفاع عن الذات وعن الوطن ينطوي على (إمكانية سياسية) عظيمة الأثر من حيث فرض الإرادة السياسية للشعب عبر التظاهر والتكتل المتصاعدة وحدته وصلابته لاستعادة حقه المسلوب في تشكيل (حكومته). فقد اختطفت إرادة الشعب طيلة الفترة الانتقالية، وترك أمر البلاد لبضع عشرات من (الساسة الهواة). وقد تم على أيديهم (تبديد الطاقة الثورية) حتى أنكرتهم الشوارع. وقد جاءت الحرب لتبين للشعب خطورة استقالته عن دوره وترك (أمر السلطة) لا تكاد تعنيه في شيء حتى تيقن من جهة الابتلاء فداحة ما يمكن أن تفعله (السلطة السيئة)، إنها تكون أكثر الطرق لضياع الوطن وقد ضيعته. غير أن الحرب بكل مآسيها تمنح الشعب فرصة أخرى لاستعادة ما ضُيّع وذلك بتجاوز (الموقعين باسمه من غير تفويض)، وبفرض إرادته على (المتقاتلين عليه) و(على سلطته)، وذلك بتشكيل جبهة وطنية واسعة تضم أهل السودان جميعا، وتبتدع وسائلها في مقاومة الحرب من أجل السلام وفي فرض إرادتها السياسية.
إذا سألت من هي الجهة المنوط بها قيادة هذه الجبهة الشعبية لتحرير إرادة الشعب المختطفة، فهي ليست أحدا غير (نخبة الشعب السوداني من جهة وزعماء قبائله وعشائره من جهة أخرى. إذ لابد من إنهاء القطيعة المستحكمة بين الفريقين وسوء الظن والريب التي تحكم العلاقة بينهما. إن ضرورة الخروج من حالة الشلل وانتظار ما يأتي به الزمن من حلول لهو عين الضياع الوطني. على النخبة السودانية (المتهمة بإدمان الفشل) أن تكون قدر المهمة المنتظرة منها، وهي العمل على إخراج البلاد من غياهب الجب. فليس من قافلة تمر لإنقاذ أحد بل هي حيلتك ومضاء عزيمتك في طلب النجاة. لقد مثلت النخب دائما رأسمال أي أمة في السلم والحرب. والنخبة السودانية هم (خلاصة تجربتنا المعرفية) في مختلف ضروب العلم،
ويجدر بهم في ظل هذه المحنة الوطنية أن يكونوا ملاذ الناس، ونهاية مرتجاهم لإخراج الشعب من الجب. إن نهوض (النخبة) بالمهمة الوطنية المعلقة برقبتها تكفر عنها كل فشل اقترفته من قبل في تهمة الراحل منصور خالد لها ليس بارتكابه بل بإدمانه. وأول مطلب في هذا المسعى أن تتواضع النخبة على شروط الحاجة إلى عملها الجماعي، واعتزال حالة (السولو السياسي) وذلك بالكف عن (التغريد المنفرد) أو (النواح المنفرد) لا فرق. يلزم النخبة وهي صاحبة الدراية والمعرفة أن تعمل على تشبيك علاقات تخرج صوتها من خفوت (الفردانية) إلى جهارة صوت (الجماعة). الجماعة القائدة والمتواصلة بإيجابية مع ركائز المجتمع الأهلي، وهم حتى ساعتنا هذه زعماء القبائل وليس زعماء الأحزاب، فالشعب لم ير في محنته زعيم حزب مواسيا أو استنفار حزب لعضويته لغوث ملهوف. النخبة هي من بيدها خلاص الشعب ومن بيدها قيادتها لتشكيل حكومته المعبرة عن إرادته. والسبيل إلى ذلك الثورة الشعبية فإرادة الشعب دائما غالبة.
أما إذا وافق الجنرالان عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو على وقف الحرب من تلقاء نفسيهما تحت ضغط الاستنفار الشعبي الصائر كتلة سياسية بمطالب سياسية تحرر سلطة الشعب من خاطفيها فهلوة أو همبتة، إذا حدث التخلي (كما تخلى مبارك وزين العابدين) فيتم الترتيب معهما على الخروج من المشهد العسكري والسياسي ويخلى سبيلهما (ثمن السلام). ثم يقوم الفريق البرهان بتسليم السلطة إلى حكومة يختار رئيس وزرائها ورئيس البلاد برلمان انتقالي من الكفاءات العلمية (النخبة) غير المتحزبة ومن زعماء القبائل.
يصار بعد انتقال السلطة إلى الحكومة الانتقالية الممثلة لإرادة الشعب إلى إلغاء الوثيقة الدستورية المؤسسة للسلطة الانتقالية السابقة.
يتكون البرلمان الذي سيكون مسؤولا عن مراقبة السلطة التنفيذية والعسكرية في البلاد من مائتي عضو. مائة منهم من حملة الشهادات العلمية العليا (الدكتوراه)، ومائة يمثلون القوى الأهلية التقليدية تختارهم ولايات السودان بحسب الكثافة السكانية لكل ولاية. تركيبة البرلمان من القوى الحديثة والقوى الأهلية التقليدية سيكون من شأنها كسر العلاقة النكدة بين الطرفين.
فالقوي التقليدية كثيرة الاسترابة من (الأفندية) قليلة الثقة بهم، أما القوى الحديثة فهي وفيرة الشك تجاه القوى التقليدية تراها دائما قوى مكبلة لانطلاق الدولة. وربما كان أهدى الطريقين في حالتنا الراهنة أن يصار إلى مزواجة التجارب بين الطرفين، واستئناس كل فريق بما لدى الآخر، في رفق منقطع عن لجاجات وحزازات وغبائن الماضي. تكون مهمة هذه الهيئة الوطنية غير المتحزبة أو المنحازة لأي من طرفي الحرب اختيار رئيس للبلاد ورئيس للحكومة يستمدان شرعيتهما من سلطة الهيئة. ويتم تسيير الحكومة بقرارات رئاسية تكون محل تشاور بين الرئيس والحكومة وتجيزها أو ترفضها الهيئة الوطنية. وتكون مسؤولية الحكم الانتقالي وظيفية منصرفة إلى تحقيق المهام المتعلقة بالأمن والصحة والتعليم.. إلخ. ولا يكون من صلاحياتها الحق في تجاوز هذه المهام الوظيفية طيلة سنيها، فلا تتدخل في أي تعاقدات خارجية ترتب أي تبعات أطول من أمدها في الحكم.
يتم دمج قوات الدعم السريع وقوات كل الحركات المسلحة لتكوين جيش واحد، يكون الجيش السوداني نواته وعموده ويأتمر بأمر السلطة الانتقالية القائمة.
تختار السلطة القائمة هيئة عسكرية سياسية وطنية غير متحزبة، يعهد إليها بوضع هيكلة للجيش وصياغة عقيدة قتالية وطنية. ويصار إلى تصميم برامج وطنية يضعها مختصون في السياسة وعلم النفس وعلم الاجتماع وتضم رجال دين مسلمين ومسيحيين يكون الغرض منها إعادة تأهيل القوات الخارجة من الحرب، وربطها بأهداف وطنية عليا فوق الإثنيات والمناطقيات والروابط الضيقة. فلا تكون لفكر سياسي أو لجماعة أو لجهة أي قيمة فوق قيمة الوطن ولا تعلو هامة كائن من على هامته.
جمع السلاح طواعية من كل المواطنين فلا يكون إلا بيد الأجهزة النظامية، وهو ما يقتضي بناء جهاز شرطي على قدر عال من الكفاءة والقدرة.
بناء جهاز أمن وطني تكون مسؤوليته الأولى حماية الوطن داخليا وخارجيا. يكون الجهاز كما هو الحال في الجيش والشرطة تعبيرا صادقا عن التنوع الإثني للشعوب، وممثلا لمناطق السودان كافة.
تصدر السلطة الجديدة قرارا بإلغاء اتفاقية جوبا للسلام (بحيثية تساوي الأقاليم جميعها في الفقر والعدم)، إذ لم يعد لمركز ميزة على طرف أو هامش بعد أن ساوت الحرب بين الجميع ورجعت بالسودان القهقرى سنينا عددا. ويتم مع إلغاء اتفاقية جوبا إلغاء ما يسمى بالمسارات (بحثية الانشاء الجديد).
تستمر الفترة الانتقالية لمدة خمس سنوات تنصرف خلالها القوى السياسية إلى مراجعة كل شيءٍ مما صنعت ولم تصنع. وتباشر خلالها التعاطي الجاد المتدبر في عللها المؤسسية والتنظيمية والفكرية، وعلل وقضايا السياسة السودانية. يكون واجب الأحزاب والقوى السياسية الأول خلال الفترة الانتقالية الانفتاح على الشعب السوداني في مدنه وقراه وحلاله وبواديه، والحديث معه في مسألة (الديمقراطية والحكم المدني)، فهو أمر أكثر تعقيدا من كون الحاكم مرتديا (جلابية وتوب) أو بزة عسكرية. (الديمقراطية والحكم المدني قضيتان ثقافيتان قبل أن تكونا سياسيتين)، وإذ قلت ثقافيتان فهما ضربة لازب، قضيتان فكريتان من الدرجة الأولى، وليسا شعارين يطلقان في الهواء دون أن ينزلا إلى الأرض وعيا يشيع في الناس ويستقر عقيدة سياسية لديهم. إن الديمقراطية خداعة حربائية، متى انفلتت من الحراسة والرقابة فهي يمكن أن تستوفي الشروط الشكلانية من (حملات وانتخاب وصناديق واقتراع)، لكنها تكون بلا مضمون وقد يبلغ بها الأمر أن تنتهي إلى ديكتاتورية بوجه ديمقراطي مليح). فلتنزل الأحزاب إلى الناس الذين هم (مادة فعلها السياسي) والمقصودين برشاد أدائها من جهة تحقيق النفع الذي هو (مظنة الفعل السياسي) و (تطبيق عملي) لقول السياسي إنه في (خدمة الشعب)، من أجله يعرق وينصب فإن لم يفعل فذلك (نصْب) لأجل ذاته لا (نصَب) من أجل غيره.
تصدر السلطة الجديدة قرارا بإلغاء التعدين الأهلي وأيلولة كل النشاط التعديني الدولة وبذلك يُسد باب هدر الثروات التي حرم منها الوطن واغتنى بها من اغتنى.
يجب أن تشرع الفترة الانتقالية في إدارة نقاش جاد ووطني حول ضرورة إلغاء الحواكير القبلية. ويجب أن يكون المدخل إلى ذلك عمل علمي منهجي مترافقا مع حوارات ينخرط فيها أولو العلم والدراية في الإدارة والحكم ممن يحسنون بسط القضايا ومخاطبة الناس وتوقيرهم وأخذهم باللين، وذلك لبيان أن أزمة تعايشهم كامنة في (وهم) السيادة المتحققة للقبائل على الأرض. وأن من شروط نهضة أي دولة بسط سلطانها وتحرير إرادة الناس وإطلاق طاقات البناء لديهم في غير ما ضرر يقع من بعضهم على بعض. ذلك أن ارتباط القبائل بالحواكير يرد في معظمه إلى إحساسهم بضعف الدولة عن النهوض بمسؤولياتها تجاه الشعب في أمنه ومعاشه وترقية حياته. فتعظم القبيلة في نفوس أبنائها كلما ضعفت الدولة في نفوسهم. وهذا باب مهجور في التربية الوطنية كان من نتائج تركه فشو النزعة القبلية واستشرائها بين العوام وبين كثير من النخب. هذه الخطوة لازمة لبناء الأمة السودانية، حيث ينبسط سلطان الدولة على كل التراب السوداني فلا يكون لأحد سلطان فوق سلطانها الذي يتساوى في ظله وبحراسة من القوانين المواطنون جميعا في علاقتهم بالأرض. يكون من واجب الفترة الانتقالية ابتدار العمل في هذا المشروع حتى إذا جاءت الحكومة المنتخبة وجدت مزاجا مواتيا للسير فيه وتنفيذه.

الوعي أساس أي نهوض
إن بناء الدولة السودانية وإعادة تأسيسها يستلزم نشاطا واسعا في التبشير بوعود هذه الدولة، بأحلامها الكبرى وغاياتها البعيدة التي تنشط كل جموع أهلها في السير صوبها مستهدية برؤية صافية هي بنت الدرس والتمحيص مرة بعد أخرى. وتتواثق عليها كل القوى الفاعلة، ويحيط بالحد الأدنى من العلم بها كل المواطنين في كل حاضرة وبادية، ومدينة وقرية فتبلغ كل أهل البلاد كل بلسانه.

فلا نهوض لأمة لا يتحقق لها وعي بطبيعة التخطيط المستهدف مستقبلها، ولا تنشط قواها الحية في السير تجاه غاية لا تعرف طريقها، ولا ما يتطلبه السير من صبر ودأب وإيمان راسخ بأن النهضة لا تقع صدفة وإنما هي حصيلة المسعى الإنساني في سيره المتصل لتحقيق كمالات وجوده، وعلى مدار ذلك يقع التفريق بين الأمم المتقدمة والأمم المتخلفة. والتقدم والتخلف والنهوض والقعود ليست لوازم تلحق بالأمم لا تنفك عنها، ولكنها حواصل عملها وكدها.

وهذا نشاط يتطلب أن ينخرط فيه الشعب كله لا سيما قادته، بنزاهة فكرية وأخلاقية، وشعور وطني متحرر من سخائم النفوس، ومن حمولات خطاب الكراهية وحملات التنقص العنصري والمناطقي الذي تفيض به مواقع التواصل الاجتماعي، ومتحرر كذلك من تراث سياسي وضح أنه عجز عن قطع مفازة التخلف على نحو ما تشهد به عقود ما بعد الاستقلال. وتشهد به تشققات الأحزاب الكبرى والصغرى على السواء اصطراعا على المغانم وليس من جراء تباين فكري أو أيديولوجي.

والتأمل في الحالة الحزبية السودانية ربما هدى العقل السياسي الكلي إلى ضرورة البحث في الحاجة إلى حزبين أو ثلاثة أحزاب كبرى تلم شعثنا السياسي وتدفع حالة (السيولة السياسية) هذه إلى أبنية حزبية صلبة تكون منارات وطنية وسياسية وفكرية لا (لافتات كابية اللون)، في دور لا يكاد يرتادها مرتاد إذا غربت الشمس. صحيح أن سنوات الشموليات العسكرية الطوال قد أدت إلى كثير من التصحر السياسي مما نرى نتائجه اليوم في المتصدرين العمل السياسي خفافا إلى المغانم، ثقالا عند المغارم، تحجب صغار القضايا عن أبصارهم كبارها وقد جاءهم من تجاربهم ما فيه مزدجر فما ازدجروا.
إن الحديث في شأن الأحزاب السياسية واعتلالها الوظيفي وانخذالها عن ترسيخ الديمقراطية داخلها فضلا عن ممارستها خارجها لهو حديث يطول ويتشعب. فلكم بدت بعض هذه الأحزاب مما توصف بالكبيرة وكأنها استئناف خالف لسيرة سالف، أو حيازة وارث لتراث مورث. وليس ذلك بالخطة الناجعة في بناء الأحزاب.

الأحزاب تتجدد دماؤها ويرتفع شأنها ويزداد كسبها السياسي بأولي القدرة الفكرية، والملكات القيادية، لا بالوارثينها بحق النسب حقا معلوما، للذكر مثل حظ الأنثيين. وحسبك من فساد البيئة السياسية أن هناك أحزابا هي من الصغر بحيث يكفي ظل لافتتها مقيلا لعضويتها. هذا مما يصنع (السلام العبثي) وهو أخ (الحرب العبثية). وكلاهما مما يودي بالأوطان ويذهب بريحها ثم يغري بها من لم يكن فيها طامعا يوما. لابد من ضابط للنشاط الحزبي في مؤسساته وعمله، وفي عضويته وتمويله حتى يُسد الباب على (تدخلات الدول الأجنبية) المتوسلة إلى عقول السياسيين وقلوبهم عبر جيوبهم، ما تزال بهم حتى ينتهي الأمر ببعض السياسيين والسياسيات إلى جماعة من (المؤلفة) لا تفرق بين (نعم ولا).

إن ما يقال في شأن الأحزاب السياسية يمكن قول مثله وأكثر منه في شأن الوضع العسكري الذي تتقاسمه لافتات ثلاث هي: الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة. أما الجيش فقد كشفت الحرب ما كان من أمره مجهولا. إنه جيش كف عن التطور والتجنيد منذ زمان ومأثرته الوحيدة في (مجمعه الصناعي العسكري) لكنه دخل في حالة من (الحيرة الوجودية) قبل اسقاط حكم عمر البشير وبعدها. ونذر الحيرة بدأت منذ استغنى عمر البشير بجند محمد حمدان دقلو عن المهام الأصيلة للجيش لا سيما قواته البرية. وبلغت حيرة الجيش نهايتها القصوى على يد البرهان الذي (كفل) جيشا آخر هو (قوات الدعم السريع) فأخذت هذه القوات تنمو (في كنف الجيش) بوتيرة أسرع من نمو الجيش نفسه، وتتوسع في التسليح والتجنيد، وفي إنشاء المقار حتى طوقت العاصمة أو كادت. ولم يكن من الحرب بد. فالقوة لا تعرف الكمون وبقاؤها بلا وظيفة عبء واستبقاؤها دون تحويلها إلى رأسمال سياسي عجز.

التكسب السياسي عبر البندقية
قد تكفلت وثيقة الحرية والتغيير بكل ما تحتاجه قوة حميدتي لتكون رأسمال سياسي. كان توقيع حميدتي على الوثيقة الدستورية تدشينا لحميدتي السياسي ومن ذلك اليوم لم يعد حميدتي حماية لأحد، بل هو حامي نفسه والممنيها الأماني العذاب. وبتواطؤ من البرهان ومن الحرية والتغيير أصبح حميدتي نائبا لرئيس مجلس السيادة وهو ما لم تقره الوثيقة الدستورية في بنودها. تحول البرهان إلى ضابط علاقات عامة ما ينفك يزكي قوات الدعم السريع للجيش وللشعب معا حتى وقعت الحرب، وما كان منها مهرب ولا مفر، فقد نضجت شروطها.

ومن المفارقات الكبرى أن تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية المعروفة اختصارا بـ (تقدم) تعيد تأهيل حميدتي سياسيا بتحريرها اتفاقا سياسيا معه، يتوخى تأسيس الدولة السودانية بعد الحرب. إنها شراكة تتوسل بها أحزاب افتقدها الشعب ساعة عسره لكي تصل الى السلطة تحت راية الدعم السريع. هنا مكمن ضعف الدولة السودانية الذي انفجر حربا في وجه الجميع.

أما الحركات المسلحة فوجدت في البنادق مطايا سراعا إلى الوزارات والنفوذ السياسي والاجتماعي حتى أصبح إنشاء حركة أيسر الطرق إلى الوظيفة السياسية (المدسترة) التي ما أسرع ما يرمي (الجنرال الاحتجاجي) بعد حيازتها زيه الحربي: (يونيفورماً) كان أو (كدمولاً). وجرت العادة أن يتحلق حول الجنرال/السياسي بعد طوره الجديد خلق من الناس ينالون نصيبا من ثمرة (الاحتجاج المسلح) بمقدار قربهم من القائد أو بمقدار خشيته من تمردهم.

وقد يخطر لأحد التابعين للجنرال أن يكون هو أيضا جنرالا وزعيما سياسيا كتفا بكتف مع قائده السابق فينشق عنه معلنا خروجه على (قائده) وعلى السلطة القائمة فيصار إلى (تحنيسه وإغوائه) بمنصب يُختلق له اختلاقا. وأيه يعني لو تضخمت الدولة أو أنّ المواطن أنينا؟! هذه سوق في التكسب السياسي عبر البندقية، نصبتها حكومة عمر البشير طيلة سنوات الإنقاذ المعتكرات. وقد ذهبت في ذلك مذهبا بعيدا أفسد العمل السياسي والعسكري معا، وصارت الرتب العسكرية تخلع على الرعاة والمزارعين والأفندية ممن استهوتهم (العسكرية كيفما اتفق)، فزاحم جنرالات الخلاء جنرالات الكلية الحربية حتى هانت العسكرية في نفوس أهلها وفي نفوس الناظرين إليها من خارجها.
لقد خرجت من (رحم الغبن التنموي والسياسي) عشرات الحركات المسلحة تزعم أنها تقاتل من أجل مواطنيها (أصحاب المصلحة الحقيقية الموعودين بصلاح الحال متى ظفرت هذه الحركات في حربها). لكن ما أن تُستَأنس هذه الحركات من قبل السلطة (وهي هنا الإنقاذ تحديدا) حتى يعيد قادة هذه الحركات تعريف (المصلحة)، فإذا هي مصلحتهم لا مصلحة الجموع النازحة أو اللاجئة لأكثر من عقدين. وقد تنقطع الصلة بينهم وبين حواضنهم الاجتماعية فلا يذكرونها ولا تذكرهم.

لقد أنجزت البندقية مهمتها ودخل القادة الجدد في البدلات الأنيقة كافة وخنقوا رقابهم بربطات العنق في عز صيف الخرطوم اللاهب. مسؤولية حكم الإنقاذ في هذا الموضوع تمثل أكبر مهزلة في الاسترضاء السياسي وإليها يرد أكثر بؤس السياسة والعسكرية في السودان. فكل (جنرال مستأنس من السلطة) يشكل نموذجا ملهما (لجنرال مستوحش منها) يتحين فرصة تعميده في هيكل السلطة ذلك دأبها ظلت عليه حتى مال هيكل الإنقاذ ميلة طرحتها ومعها المستأنسة الذين نفضوا عنهم غبار الإنقاذ ونهضوا يطلبون من السلطة الانتقالية ما طلبوا من الإنقاذ فكانت اتفاقية سلام جوبا وهي ليست غير المورد الذي وردته الحركات من قبل. إنها معالجة خاطئة لقضية صحيحة. وها هي الحرب توفر فرصة المعالجة الشاملة لكيان الدولة السودانية للخروج من الحلول المجزئة للأزمة لقصور في التصورات الكلية للحل.

أما بعد.. استلال السلام من الحرب
فهذه أفكار أولية ترمي إلى حمل الناس على التفكير في أزمتنا الوطنية، ولا يزعم صاحبها أن نهاية القول فيما قصده. ولذلك هي منفتحة على ما يعززها ويسددها ويثقفها بالإضافة أو بالحذف متى كان في الإضافة أو الحذف تصويبا نحو غايتها وإحكاما لمقاصدها. كما أنها تمثل صياغات أولية لأفكار بحاجة إلى خبرات قانونيين دستوريين حاذقين وعلماء في أصول الحكم والسياسة يضبطون مطلوبها السياسي في أيسر صياغة وأكثرها وضوحا نافيا لكل غموض يفتح بابا للتأولات.

فحكومة الفترة الانتقالية وهياكلها بحاجة إلى أبسط قواعد التأسيس القانوني ليترك الخوض في تعقيدات وفنيات بناء الدولة الحديثة إلى سلطة برلمان منتخب يستهل حقبة جديدة في تاريخ السودان بلا حركات أو قوات صديقة أو رديفة أو حامية، وديمقراطية لا تخشى على نفسها من ضابط مغامر أو سياسي خائن فالدستور المحروس بشعبه حارس لدولته مهيمن عليها.

لقد (صفرت) الحرب العداد في السودان فالجميع سينطلق من (صفر كبير) بلا تفاوت، والحال كذلك فلا أرجى من تواضع الجميع على شروط التأسيس الجديد بلا أحكام مسبقة، وبنية منعقدة على تحقيق المستحيل الممكن وهو: بناء أمة عظيمة تأخذ مكانها المستحق تحت الشمس. وهذا عمل لا يتحقق حتى يستوفي شروطه من التفكير المبدع الخلاق، المفارق للطرق المطروقة، والمتجاسر على خوض مغامرة التأسيس شديدة التطلب. فأيسر مطلوباتها نبل وإيثار وتضحيات جسام وصبر أيوبي على وعثاء الطريق. إنها تضحيات وإيثار ونبل لا يطيقه كل واحد، بل هي خصائص وسمات من تطلق عليهم الأجيال المقبلة: الآباء المؤسسون بحق.

إن تاريخ الأمم والشعوب هو تاريخ القيام والسقوط حتى تستقيم لها الطريق. والحرب التي يمسك حريقها بقلب البلاد وأطرافها تمثل لحظة سقوط كبرى أفضت إليها مفاعيل شتى حتى لتبدو حتما ما كان منه معدى ولا مفر، فصنيع البركان يغلي بما فيه حتى يفيض به كتمانه فإذا هو حمم ونار تسيل في الأودية.

وتلك حربنا التي كانت تتخلق وتتشكل بين أيدينا حتى بلغت شروط اندلاعها فاندلعت. هذه الحرب هي فرصة الشعب السوداني كله برجاله ونسائه وشبابه بمفكريه وعلمائه ومثقفيه وعامته لاستخراج الخير الكامن فيها، فدأب التاريخ أنه يتقدم بالكشوف العلمية وبالحروب كذلك بالدم.

كل شيءٍ كامن نقيضه فيه: السلام كامن في الحرب متى عظمت شروط السلام. الحرب كامنة في السلام متى اختلت شروط استدامته. فليكن جهدنا جميعا استلال السلام من الحرب وإحسان شروط تحقيق السلام وشروط استدامته.

أما إذا دخل الشعب متاهة الندم والتحسر وتراخت قبضة يده عن الإمساك بوعود المستقبل وإمكاناته العظيمة فلن يكون ذلك سوى إعلان بذهاب السودان أرضا والسودانيين شعبا. وسيأخذ السودان موقعه في سير الأمم البائدة المتفرقة في البلدان والمهاجر، أو ينتهي من يبقى فيه من أهله إلى مسكنة وذل هما نواتج الإخضاع بالقوة. أما الأرض فهي أقل من أن تسع أطماع الطامعين فيها فما أكثرهم. لقد كان الضعف دائما سببا في زوال الدول وهوانها بين الناس وبين الأمم. وكانت القوة دائما موضع احترام، مبذولا بحب أو ببغض كسيف مغيظ.

لحظة السودان الراهنة تقف به بين مفترق طرق التاريخ، إنها لحظته لاستجماع قوته الكامنة في روح ضاربة في القدم، عريقة في الحضارة يلزمها فقط أن تطلق صرخة مدوية في الوجود تستنهض كل خلية فيها. يحتاج السودانيون أن يؤكدوا لأنفسهم أنهم جديرون بالحياة وبالبقاء فيها وبإعمارها صنيع الأمم العظيمة، جديرون بأن تشع وتضيئ في الدنيا عقولهم ونفوسهم. والدنيا دار صراع ومغالبة وشرط الأمن فيه القوة فإنما تؤخذ الدنيا غلابا. ولا مغالبة بغير عقل وفؤاد جريء.


انضم لقناة الواتسب


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.