السودان.. إلى أين؟ الاستفهام الحائر.. على طاولة الخبراء والمحللين

بارود صندل: طريق التسوية الحقيقية يكمن في تطبيق القوانين
ربيع عبد العاطي: قيادة “الوطني” عازمة على إحداث إصلاحات في الدولة
طارق الشيخ: السودان الآن في حاجة إلى رسم خطة تغيير واضحة الملامح
عبد الله آدم خاطر : دارفور تحتاج لتسوية من نوع خاص
عمر عبد العزيز: نحتاج للاستقرار السياسي والتصالح مع المجتمع الدولي
صلاح الدومة: السودان بوضعه الراهن يحتاج إلى جراحة مستعجلة
تحقيق: الهضيبي يس
يجمع مهتمون وخبراء بالشأن السوداني على أنه بلد شديد التعقيد، وعصي على الفهم والتنبؤ بحكم مجموعة التناقضات التي تلازمه منذ النشأة، فقد خضع السودان وعلى مر الوقت لمتغيرات تاريخية وجذرية، التي لعب التاريخ فيها دورًا حد من استغلال موارده وقدراته والولوج به الى الحداثة، حيث بقي السودان سجين الفترة التقليدية، لذا بقي من التحديات التي ووجهت بها العملية الديمقراطية على مستوى الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإدارة الدولة بصورة عقلانية فيها قدر كبير من التنوع وهو ما تسبب في تقاعس كبير أهدرت من خلاله فرص تاريخية عندما صنف بدولة الموارد وسلة غذاء العالم، ولكن مجمل القضايا التي وقفت في طريقه جعلته دولة متراجعة على حد وصف الكثيرين في شتى المجالات الحياتية، ما جعل سؤال السودان إلى أين جائزاً وسط مجموعة دعوات التصالح السياسي في المجتمع السوداني.
الحرب.. وقائع وشواهد
تعتبر الحرب واحدة من أدوات تدمير وإنهاك الشعوب بمختلف المناحي السياسي والاقتصادية والاجتماعية، فالدولة التي تعيش حرباً تجدها تستنزف الكثير من مواردها في سبيل تحقيق مفاهيم وتطلعات آيدلوجية وسياسية لصالح الأنظمة الموجودة ضد معارضيها على كرسي الحكم، فالسودان الذي كانت تبلغ مساحته مليون ميل مربع قبيل انفصال دولة جنوب السودان في يونيو من العام 2001 شهد أطول حرب في تاريخ القارة الإفريقية، فقد خلالها العديد من موارده الذاتية والبشرية حسب ما تشير الاحصائيات والدراسات أنه دولة ترقد على مخزون ضخم من الموارد الطبيعية بالإمكان أن ترفع من أسهم تطلعات شعبه حالما استغلت بالشكل الجيد، ولكن نجد أن مجموعة الصدمات السياسية والصراعات الأهلية قد أقعدته كثيرًا من تحقيق أي تقدم فمنذ خميسنيات القرن الماضي والسودان يعيش ويدور في فلك الحرب الأهلية بجنوب السودان مروراً باقليم دارفور الملتهب منذ العام 2003 وولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان مؤخراً، ناهيك عن الخلافات الأزلية مع المجتمع الدولي ومجموعة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه من منتصف التسعينيات وذلك عقب مجيء نظام الإنقاذ.
ويقول الباحث والكاتب الصحفي في الشأن السوداني طارق الشيخ إن السودان الآن في حاجة الى رسم خطة تغيير واضحة الملامح فإذا ما قمنا بطرح ذات السؤال السودان الى أين؟ نجده يعيش مجموعة من الأزمات التي بالإمكان أن توصف بالمستعصية، فالحرب أولاها وطريقة إدارة الدولة آخرها، وبين هذا وذاك عدة قضايا تحتاج إلى توفير الحل لها الذي يكمن في الوصول إلى تسوية سياسية تجمع الكتل والتنظيمات السياسية في السودان على أن يتم التأكد بدءًا من صحة وقدرة النظام القائم على توفيرها ومن ثم الالتزام بها، منها تفعيل وسائل القانون وسيادة الحكم بعيداً عن أي وسيلة من وسائل المحسوبية والمحاباة التي تعدت مؤسسات الدولة الرسمية وأضحت جزءاً من الثقافة العمومية للشعب السوداني، إضافة إلى وضع رؤية لحل الأزمة الاقتصادية حيث يعتبر تفشي ظاهرة الفساد وتجنيب الأموال وبرنامج تحرير الأسواق في حاجة الى المراجعة وهو ما قد ينعكس بصورة واضحة على الميزان التجاري للدولة والنقد الأجنبي.
مصالحة سياسية
رغم السرد والتحليل السابق من قبل الكاتب طارق الشيخ إلا أن السؤال ما زال قائماً السودان الى أين؟- فما يحدث من حرب أهلية بإقليم دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق في الوقت الراهن يجعل الحل في هذه المناطق صعب المنال ولو على أمل المستقبل القريب، خاصة أن مجموعة الاتفاقيات والتسويات السياسية التي جرت لحل أزمة الإقليم الذي أقحم السودان في صدام مع المجتمع الدولي وفرض عليه الرقابة ودخول قوات لحفظ السلام على أراضيه لم تحقق حتى الآن الغرض الذي من أجله جاءت، فها هي اتفاقية سلام الدوحة على وشك النهاية في يوليو من العام الجاري حسب الترتيبات الخاصة بها إلا أنها طيلة الخمس سنوات الماضية لم تخل من المشاكل بدءًا من مجموعة الصراعات القبلية التي راح ضحيتها المئات من القتلى والجرحى فضلاً عن الخلافات السياسية التي لم تقل أهمية عن سابقتها بأن اختلف أصحاب الاتفاقية بحدوث انشقاق فيما بينهم باختيار الانفصال بصورة سلمية، هذه الأمور مجتمعة جعلت من المحلل في الشأن الدارفوري عبد الله آدم خاطر غير متفائل البتة منوهاً إلى أن دارفور تحتاج لتسوية من نوع خاص ووصفة يضع روشتة العلاج أهل الإقليم أنفسهم وليس النخب وأصحاب المصالح السياسية في المركز، متهماً بعض من أسماهم برعاة الحرب بالرغبة في استمرار الأوضاع كما هي بدارفور لأطول وقت ممكن الأمر الذي قد تترتب عليه مصالح اقتصادية وسياسية، بالمقابل ضياع سمعة السودان في الأوساط الإقليمية والدولية وانهيار الاقتصاد الذي ينفق من الميزانية العامة ما يعادل 69% من قيمة المنصرف على الأمن والدفاع للمحافظة على سلامة وممتلكات المؤاطنين، لذا فإن السودان ذاهب إلى طريق مسدود حال عدم التوصل إلى حل سياسي متسارع من خلال بصيص الأمل المتبقي في دعوة الحوار الوطني الأخيرة للرئيس البشير.
خارطة طريق
بالمقابل أوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة بحري عمر عبد العزيز في إفادة لـ(الصيحة) أن السؤال الموجه من خلال سياق التحقيق السياسي السودان إلى أين؟ – أمر كبير جداً، ومن الصعب الإجابة عليه بلا أو نعم في ظل مجموعة التعقيدات التي تحيط بالسودان الذي هو في حاجة إلى رسم خارطة جديدة لها وهو ما بدأ فيه النظام مؤخراً عبر خطوات عملية بوضع الوثيقة الإصلاحية للحزب الحاكم التي اتخذها الجهاز التنفيذي ببرنامج بمختلف المناحي مبيناً أنه يتوجب على الحكومة القادمة تكريس الجهد بالتركيز على العلاقات الخارجية التي تعتبر هي والسياسة وجهان لعملة واحدة مؤيداً الخطوات الأخيرة التي قامت بها الحكومة بالانتقال من المحور الإيراني إلى المحور الشرق أوسطي بقيادة المملكة العربية السعودية ومنظومة دول الخليج العربي والاستفادة من حجم وزيادة الاستثمارات الاقتصادية بإقامة عدة مشروعات خاصة أن السودان يتمتع بأراضٍ شاسعة وموارد طبيعية توصف بالضخمة فقط نحن حسب حديث عمر نحتاج للاستقرار السياسي والتصالح مع المجتمع الدولي، لافتاً إلى أن هذه المقاصد لن تحدث ما لم يقدم كافة الاطراف على تقديم تنازلات حقيقية وتعزيز تام على مستوى الثقة المشتركة. فالولايات المتحدة الأمريكية مثلاً بدأت مؤخرا تغيير مواقفها مع السودان، فمن المؤكد أنها دولة تبحث عن مصالحها مستدلاً بزيارة مساعد الرئيس البشير دكتور إبراهيم غندور للعاصمة واشنطن ولقاء عدد من مسؤولي الإدارة الأمريكية في سبيل رفع الحصار الاقتصادي عن السودان والاتفاق حول نقاط مشتركة وسعياً من وراء تقريب وجهات النظر، بهذه الكيفية بالإمكان أن نجيب على استفهامات السودان إلى أين بنظرة مستقبلية.
الطريق.. إلى التسوية
هذا ونجد أن عضو القطاع السياسي بالحزب الحاكم المؤتمر الوطني دكتور ربيع عبد العاطي أكد على رغبة وعزيمة صادقة من قبل رئاسة حزبه في إحداث إصلاحات حقيقية تجاه الدولة خلال الفترة القادمة وهو البرنامج الانتخابي الذي دخل به حزبه الانتخابات الأخيرة التي جرت في أبريل الماضي، إلا أن ربيع في حديثه لـ(الصيحة) قال إن تحقيق ذلك يحتاج إلى تسوية سياسية شاملة تنهي حالة الحرب في السودان لكي تصبح الإجابة على التساؤل السودان إلى أين وقتها تكون إلى التنمية والرفاه على حد تعبيره، وما قد يترتب عليها من انتقال إلى مرحلة جديدة تقلل من حدة الاحتقان السياسي وتخفض نسبة الفقر بالبلاد لأقل من 46% حسبما كشفت الأجهزة الرسمية بالدولة عن ذلك، كذلك الاستمرار في تنفيذ ما تسببت فيه الحرب من تعطيل لحركة التنمية في ولايات دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.
تطبيق القوانين
فيما اعتبر الخبير القانوني بارود صندل أن طريق التسوية الحقيقية يظل يكمن في تطبيق القوانين وما جاء فيها من نصوص مؤكدًا أن هناك عدداً من القوانين السودانية لا بأس بها من حيث الصياغة، ولكن تواجه بصعوبات التطبيق على صعيد قضايا توصف بأنها مساس بالدولة، مسترشدًا في ذلك بقضايا الفساد وقوانين الصحافة والمطبوعات ومصادرة الصحف مطالباً في ذات الأثناء بضرورة وضع دستور يتماشى مع متطلبات العصر كتفعيل قانون الجرائم المعلوماتية ومراقبة ما يرد من منشورات ثقافية تظل تشكل هاجساً ومصدر ضرر دائماً لأبناء السودان من وقت لآخر.
مسلك.. ثالث
من المؤكد أن أي دولة تظل تبحث عن مصالحها الخاصة بما يتوافق مع تطلعاتها ومساعيها الدائمة في ترقية وتنمية شعبها.
وبهذا المفهوم العميق يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة أم درمان الإسلامية د. صلاح الدومة أن السودان بوضعه الراهن يحتاج إلى جراحة مستعجلة فهو يشهد احتقاناً جراء الحرب المشتعلة في الأطراف والضائقة الاقتصادية الطاحنة بالداخل والصدام المتجدد مع المجتمع الدولي، هذه الأشياء تجعل سمة التفكير تتجه نحو البحث عن مسلك ثالث، بالشروع في الانفتاح على الآخر وفق سياسة تبادل المصالح المشتركة وبعيدًا عن العاطفة السياسية التي تربط النظام وقادته بفكرة آيدلوجية موحدة مع جماعات وتيارات إسلامية منشرة في بلدان العالم العربي والإسلامي بالإضافة إلى تسارع وتيرة التوصل إلى تسوية سياسية مع المعارضين في الداخل من أحزاب وقوى سياسية رغم حالة الإنهاك والضعف الذي يحيط بها، إلا أنها تظل تشكل صوت المعارضة لو بشكل ” مبحوح”، معتبراً أن السودان حال عدم الوصول به إلى هذه النقاط من التفاهم فإن الذهاب به إلى الهاوية سيكون جائزًا وستقع احتمالات نخشى أن يفقد السودان بسببها الأمن فيه، محملاً في ذلك المسؤولية للحزب الحاكم المؤتمر الوطني وما سيحدث مطالباً إياه بمزيد من التنازل والدفع في مسار الحلول السلمية.
الإجابة على السؤال
في الوقت الذي اتفق فيه جميع الذين قامت (الصيحة) بطرح سؤال السودان الى أين عليهم ؟- إنه أمر بالغ الصعوبة للإجابة عليه بهذه السهولة نسبة لمجموعة الحسابات والفرضيات والمعطيات السياسية الآنية، ولكن يظل حبل الأمل معقوداً على حدوث متغيرات بعيداً عن السلاح والنار وإشعال وقود الحرب في السودان الذي ضاق ذرعاً منها على مر السنوات الماضية والأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم السودان وأدلت بسهمها كل حسب وجهة نظرها حيث إن مجموعة المعالجات تكمن في الآتي لطالما تم الاتفاق على وجود أزمة تستوجب الحل سواء بالتسوية الشاملة للأزمة السياسية وإنهاء الحرب الدائرة والاتجاه نحو زيادة المحصلة الاقتصادية من خلال توسعة مساحات التنقيب عن المعادن والنفط كذلك الابتعاد عن الدخول في أي تشاكس سياسي مع دول الجوار خاصة دولة جنوب السودان وجمهورية مصر العربية واثيوبيا وليبيا والسعي للاستفادة من العلاقات التي تجمع السودان بهذه البلدان، وبالعودة الى الداخل فالسودان في حاجة إلى وضع مجموعة تساؤلات تمثل نقاط التحول الحقيقي بالداخل منها ماذا نريد؟- وما هي وسائل تحقيق الأهداف الموضوعة ؟- وماذا نملك وما لدينا من قدرات وإمكانيات ؟- الاحتياجات التي نحن بصددها لتحقيق ما نصبو إليه للحصول على الإجابة الكلية السودان إلى أين؟؟.
المصدر:صحيفة الصيحة



