المصالح الصينية والروسية في السودان..

يرى مراقبون أن إمكانية استمرار علائق السودان بدول الخليج النفطية، واحتفاظه بذات الآصرة مع “الدب الروسي” و”التنين الصيني” تعد ضرباً من ضروب المستحيل، ربما بذات مقدار استضافة “تنين” ينفث نيرانه ودب قطبي داخل حجرة مُشادة بالثلوج.
آخرون يرون اقامة شبكة علاقات دبلوماسية دولية تستفيد من الاختلالات الدولية أمراً ميسوراً، لا سيما في حال أحيطت علاقات السودان بالخليج وروسيا والصين بـ (سور عظيم).
عن محاولات التقارب الصيني الروسي من الخرطوم المندفعة مع دولة الخليج ضمن محور “عاصفة الحزم” تضع “الصيحة” قراءها أمام كافة الاحتمالات الدبلوماسية.
توقيعات
إن العلاقات بين الصين والسودان تحمل أبعاداً استراتيجية بعيدة المدى.
شي جين بينغ
الرئيس الصيني
هناك إرادة سياسية لدى قيادة البلدين لتعزيز أواصر الصداقة والتعاون المثمر. والسودان أقرب شريك لروسيا في المحيطيْن الأفريقي والعربي.
ميخائيل بوقدانوف
نائب وزير الخارجية الروسي
السودان يقدّر الجهود الصينية، وما تقدمه بكين من دعم لقضايا السودان في جميع المحافل الدولية.
علي كرتي
وزير الخارجية
المصالح الصينية والروسية بالسودان..
الخرطوم تراهن على (الدب) و(التنين)
تقرير: ماهر أبوجوخ
بإعلان جمهورية روسيا الاتحادية شروعها في تطوير تعاونها مع السودان من المجالات السياسية والدبلوماسية بالانتقال لتعزيز هذه العلائق في المجالين العسكري والأمني، مقروناً مع تلقي رئيس الجمهورية المشير عمر البشير دعوة رسمية لزيارة الصين، فإن الخرطوم تؤكد احتفاظها بدفء علاقاتها مع كل من الدب الروسي والتنين الصيني اللذين ظلا حليفين للسودان حتى في ذروة تعرضه للحصار والمقاطعة الغربية في تسعينيات القرن المنصرم.
خطوة للأمام
من بين التحولات الجديدة ضمن الموقف الروسي فيما يتصل بتعاطيهم مع السودان هو تقديم موسكو عرضاً علنياً فيما يتصل بدعم السودان فنياً وعسكرياً وتعزيز قدراته الدفاعية لتمكينه من مكافحة الإرهاب. حيث ذكر نائب وزير الخارجية الروسي والمبعوث الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للشرق الأوسط وأفريقيا ميخائيل بوقدانوف بعد لقائه رئيس الجمهورية المشير عمر البشير يوم أمس الأول: “إن موسكو لا تمانع في تدريب الكوادر البشرية السودانية ومعاونتها في مجال مكافحة الإرهاب”.
استعداد روسيا لنقل علاقاتها مع الخرطوم التي تعتبر أقرب شركائها في إفريقيا، إلى مجال التعاون في الجوانب العسكرية، أعاد للأذهان موقفها مع مصر بعد الإطاحة بالرئيس السابق د. محمد مرسي في يونيو 2013م وتحركها لتقديم المساعدات العسكرية لمصر بعد رفض الدول الغربية تقديم أي مساعدات ولجوئها لتجميد كل المساعدات بما في ذلك العسكرية احتجاجاً على ما اعتبرته (انقلاباً) بمصر.
تعزيز وتطمين
مثلما مكن الموقف الروسي من الأحداث المصرية استعادة تعاونها وعلاقاتها العسكرية مع القاهرة التي جمدت منذ سبعينات القرن الماضي في أعقاب قيام الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات بإبعاد الخبراء الروس قبل خوض الجيش المصري حرب أكتوبر 1973م وهو ما كان يصب بشكل استراتيجي لمصلحة تعزيز شبكة حلفائها بالمنطقة، فإن موقفها الراهن تجاه الخرطوم بتعضيد علاقاتها العسكرية والسياسية تعزز من دورها ونفوذها مع السودان.
ولعل ما أثار قلق (الدب) الروسي و(التنين) الصيني هو إمكانية حدوث تحولات بالموقف السوداني وابتعاده من تحالفهم خاصة في أعقاب مساندته لعمليات عاصفة الحزم باليمن التي قادتها المملكة العربية السعودية التي تحفظت عليها موسكو وبكين.
إلا أن الخرطوم تنظر لدعمها لتحالف استعادة الشرعية وعاصفة الحزم باعتباره موقفاً تم استناداً لتقديراتها الإقليمية المرتبطة بأمن المنطقة وحرصها على التعاون مع جيرانها الإقليميين خاصة المملكة العربية السعودية.
تباينات رغم الاتفاق
من الضرورة عدم إغفال استمرار تباين المواقف وسط أطراف تحالف عاصفة الحزم تجاه القضايا الإقليمية فرغم مشاركة قطر ضمن عاصفة الحزم فيها فإن تباين وجهات النظر بينها وأطراف أخرى كعدد من الدول الخليجية مختلفة فيما يتصل بالوضع السائد بمصر حالياً منذ إبعاد مرسي، ولا يختلف هذا الأمر كثيراً عن الملف السوري فبدا واضحاً أن القاهرة والخرطوم تتحفظان على الاستراتيجية الداعية لمساندة المعارضة السورية وفصائلها المختلفة وإسقاطها لنظام الرئيس السوري بشار الأسد فيما تدعو الدول الخليجية بما في ذلك قطر وتركيا لتقديم الدعم الكامل للمعارضة السورية وإسقاط الأسد.
حالة التباين تلك توضح بجلاء أن التطورات الإقليمية نظراً لتشابكاتها وتقاطعات مصالح ورؤى الأطراف المختلفة منها ستوجب على الدول الموجودة بالمنطقة التقارب فيما بين دولها المختلفة وجعلها تتوحد في حدود أدنى وحدوث اختراقات فيما يتصل بمواقفها الراهنة ومن المؤكد أنها ستقود لتسوية سياسية بين الفرقاء السياسيين على المدى المتوسط فيما يتصل بالملفين اليمني والسوري.
رقعة (التنين)
رغم الانسجام الروسي والصيني فيما يتصل بالقضايا الدولية والتماهي النوعي لخارطة تحالفاتهما بالمنطقة فإذا كان الدب الروسي يتحرك بالرافعة العسكرية بجانب السياسية، فإن مدخل التنين الصيني هو العامل الاقتصادي من خلال سعيها لربط حلفائها بأسواقها، وتلاحظ في العقدين الأخيرين تنامي وتزايد التواجد الصيني في القارة الأفريقية الذي كانت إحدى بواباته الأساسية المساهمة في صناعة وتصدير النفط السوداني في تسعينيات القرن الماضي.
من العوامل التي صبت لمصلحة التمدد الصيني بإفريقيا هو عدم التعاطي مع ذلك الوجود الصيني باعتباره يسعى لإعادة القوالب الاستعمارية باستغلال موارد الأفارقة ونهبها التي توصم بها الدول الغربية، ورغم بروز نزاعات بين بعض السكان المحليين والشركات الصينية المستثمرة ببعض الدول الأفريقية إلا أن السياق العام للوجود الصيني بإفريقيا تنظر له الحكومات الأفريقية بالاستناد لتقديمها للقروض الميسرة بدون فوائد عالية وقبولها دخول الحكومات كشريك لها في الأنشطة الاقتصادية الكبرى.
رغم تأثر حجم الاستثمارات الصينية بالسودان بانفصال دولة جنوب السودان وخروج معظم القطاعات المنتجة للنفط من حدوده جراء تواجدها داخل جنوب السودان إلا أن الأهمية لم تتناقص باعتبار أن إيصال الخام من مناطق الإنتاج حتى مواقع التصدير لا تزال مرتبطة بالسودان، وأظهرت تقديرات اقتصادية سابقة أن بكين تقوم بشراء النفط السوداني لتغطية احتياجاتها المحلية المتنامية في استهلاك المشتقات البترولية هذا بخلاف تحركاتها الاقتصادية فيما يتصل بتعزيز وجودها في السوق السوداني من خلال إيجاد مشاريع اقتصادية أكبر كالتعاون مع شركة جياد في مجال صناعة السيارات وهو ما يجعل العلاقة ما بين (التنين) والخرطوم تقوم على لغة (المصالح) لا (العواطف).
المصدر:صحيفة الصيحة



