“مؤجلة أم معطلة ؟” بعد 25 عاما لم يبق في هياكل السلطة أحد من أولئك الذين أرضعوا “الإنقاذ” وأرضعتهم.. لكن ماذا بشأن السياسات التي تعاف الفِطام

عندما تلت الإنقاذ بيانها الأول على وقع المارشات العسكرية، كان لها أكثر من خاصية تميزها، سلبا أو إيجابا، لا تبدأ بكونها أرخت لأول حركة سنية تصعد إلى السلطة في العالم الإسلامي، ولا تنتهي بتركيبتها كتحالف سلطوي بين تنظيم مدني والمؤسسة العسكرية، لكن الخاصية المحورية والتي يمكن القول إلى حد ما إنها مكنتها من جعل نظامها الأطول عمرا من بين كل الأنظمة الوطنية هي دفعها لكوادر متحمسين بالكاد تخطوا عقدهم الرابع لإدارة جهاز الدولة، لكن في عاميها الماضيين تجلى للكل أن جهازها التنفيذي يشيخ أو قد شاخ بالفعل لذا خرجت مثقلة من سبتمبر الشعبوي وهي تجري تعديلا وزاريا متسرعا أطاح غالبية كبار السدنة ومن بقي منهم أطيح في تعديلات أمس الأول لتجد نفسها أمام المرحلة التالية والأهم من التحدي والتي يربكها سؤال مستفز بشأن سياسات الشيوخ الموروثة التي كادت تمنح قطار الربيع تأشيرة دخول، لا تزال ملقاة بإهمال على قارعة الطريق الذي عبره الثوار مرتين ويتعشمون في الثالثة.

عشية انفصال الجنوب في التاسع من يوليو 2011 متبوعا بأزمة هوية وسيادة لدى النخبة مقابل أزمة معيشية طاحنة لدى العامة كانت حمى الربيع قد بدأت تستعر بوقع أشد يوما تلو آخر لدرجة جعلت الانتقادات التي تطال النظام من داخله أنكأ من تلك التي اعتادت المعارضة تكرارها وكأنها صيرورة لأكثر من عقدين.

وبلغ التذمر ذروته عندما اندلعت احتجاجات سبتمبر 2013 ردا على خطة التقشف التي طرحتها الحكومة بعد أن طرحت أخرى مماثلة لكنها أقل وطأة في 2012. ورغم أن السلطة استطاعت احتواء الاحتجاجات إلا أنها خرجت بقناعة أن هياكلها تحتاج إلى تغيير، وبالفعل أجري التعديل الوزاري غير المسبوق في ديسمبر من ذات العام والذي أزاح غالبية الوجوه التي كانت تتقن لعبة التنقل بين الوزارات.

ولا شك أن التعديل الذي استبعد أسماء مثل علي عثمان ونافع علي نافع وعوض الجاز والمتعافي أعطى انطباعا أن الحكومة جادة في عملية التغيير وتعزز ذلك عندما طرح الرئيس دعوته للحوار بعد أسابيع من التعديل الوزاري، لكن هذا الانطباع بدأ يتراجع ليس لأن عملية الحوار مع المعارضة تعرضت لانتكاسة سببها إجراءات حكومية في المقام الأول، بل لأن ما قاله علي عثمان بعد أيام من ترجله من السلطة لم يتحقق منه شيء وهو أن التغيير في الوجوه سيصحبه “تغيير في السياسات”.

ومع ذلك استطاع الحزب الحاكم أن يطوي العام 2014 بدون طرح خطة تقشف تزيد من وتيرة السخط الشعبي، وبدأ قادته يتباهون باستقرار نظامهم بعبارات مستفزة لأولئك الذين حجزوا مقاعدهم مسبقا في الحكومة الربيعية رغم العزلة الخليجية المصرية التي تجلت في عامهم ذاك لسببين على ارتباط عضوي الأول تقاربهم مع طهران والثاني الاتهامات التي تلاحقهم بدعم الجماعات الإخوانية وهو ما انعكس سلبا على الاقتصاد المتعثر.

لكن مع حلول العام الحالي بدا قادة النظام أكثر تفاؤلا وأكثر حدة في تقريع خصومهم والانخفاض العالمي في أسعار النفط لنحو 50 % ينقذ ميزان المدفوعات الذي يعاني ولا يزال بدرجة أقل من العجز، علاوة على الاختراق الذي حدث في العلاقات مع المحور الخليجي المصري والذي توج في نهايات مارس بمشاركة السودان في الحلف الذي تقوده الرياض لقتال الحوثيين المدعومين من طهران في اليمن.

ومن نافلة القول إن تحسن العلاقات مع الخليج كأكبر مستثمر ومانح لا يعني خلاصا للنظام من أزماته لأنها أزمات متراكمة وكانت حاضرة حتى عندما كانت العلاقة حسنة أو قل عادية مع الممالك النفطية لأنها بأي حال من الأحوال لها حدود ترسمها العقوبات الأمريكية التي لا فكاك منها إلا بالتعاطي المرن مع اشتراطات واشنطن لرفعها والمتعلقة بتسوية النزاعات المسلحة وحل أزمة الحكم وتحسين سجل حقوق الإنسان ما يجعل الخرطوم أمام الحل الوحيد الذي يشير إليه المحلل السياسي حاج حمد محمد خير وهي “التسوية السياسية الشاملة كحل وحيد لهذه الأزمات المتراكمة التي لا يمكن حلها بغير ذلك”.

ورغم أن الرئيس البشير تحدث في أول خطاب له أمام نواب البرلمان بعد أدائه اليمين الدستورية الثلاثاء الماضي بنبرة تصالحية تجاه خصومه وتعهد بحوار بناء حتى مع الدول الغربية إلا أن المحك هو الشروع العملي في إجراءات لبناء الثقة تمهد لمصالحة وطنية شاملة تفضي بدورها إلى تطبيع مع الغرب الأمريكي وإلا فإن “خيار الانتفاضة الشعبية سيظل واردا” رغم اليقين الذي يتلبس كل أطراف الملعب السياسي المنقسم مما حذر منه الرئيس قائلا إن “السودان يقع في محيط إقليمي مضطرب” واستطرد بنصيحة بذلها للكل: “علينا أن نجنب بلادنا هذا المصير بمزيد من وحدة الصف” وبالطبع أولى بها حزبه الحاكم عبر السياسات الجديدة التي بشر بها السياسي القديم علي عثمان، ولا تزال مؤجلة إن لم تكن معطلة.

اليوم التالي




رنا طه

محرر بشبكة سودافاكس الإخبارية ، الشبكة الاولى في متابعة الأحداث والتغطيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.