إتركوا بناتنا يذهبن للجامعات صباحاً ثم يعدن للبيوت يأكلن ما تبقى من (كسرة وملاح)..المجمعات السكنية الجديدة للطالبات .. المزيد من التصدع على جدار المجتمع

ليس خافياً على أحد ما ترتب على غياب آلاف الطالبات عن عائلاتهن لأشهر قد تتطاول بسبب الدراسة، وسط ضغوط اقتصادية قاهرة قصمت ظهور الكثيرات، فانكسرن تحت مطرقة الحاجة حيث لا تقوى غرف (الصندوق) الأسمنتية على حفظ طالبة من وحش (السوق) الكاسر الذي يبتلع سريعاً تحويلات ولي الأمر وهي لا تكفي أصلاً للفطور و(حق المواصلات) !

فمن أين لهن بـ(حق الريحة والكريمات) والغداء والعشاء، و(الرصيد) وثمن الدفاتر والمذكرات، خليك من ميزانية شراء أو صيانة موبايلات (جلاكسي).. وفاتورة (اسكيرت) و(بلوزة) جديدة !
ولهذا فإن بناء المزيد من المجمعات السكنية لسكن الطالبات يعني المزيد من التصدع والخدوش على جدار المجتمع السوداني.

لماذا ترحل فتاة في الثامنة عشرة من عمرها من “بورتسودان” أو “كسلا” أو “نيالا” من أهلها، لتغيب (9) شهور في “الخرطوم” أو “مدني” من أجل الالتحاق بكلية اقتصاد أو آداب أو تربية أو حتى طب أو هندسة، بينما هذه الكليات والتخصصات موجودة في جامعات أقيمت بتلك المدن البعيدة ؟!
في “مصر” الحضارة والإدارة يدرس غالباً طلاب “الإسكندرية” بجامعة الإسكندرية، وطالبات “بورسعيد” في جامعة بورسعيد وهكذا، أما هنا فنحن نحتفل بتعريض بناتنا لمحن زمان الماديات الأغبر، نترك الواحدة منهن في غابات (صندوق رعاية الطلاب) الأسمنتية، في حالة يرثى لها من الفقر والعوز، تواجه أمواج المدينة العاتية المتلاطمة ما بين مد وجزر ثم نقول لها: (إياكي .. إياكي أن تبتلي بالماء)!!
{وإذا سألنا وزيرة التعليم العالي العالمة الجليلة البروفيسور “سمية أبو كشوة” ومنظري سياسات القبول للتعليم العالي في بلادنا: ما الداعي لقبول طالبة من “الأبيض” في جامعة “القضارف” أو العكس، ستجد إجابة غير متماسكة، خلاصتها أن الطلاب وأولياءهم (أحرار) في رغباتهم، لا نستطيع أن نمنع أحداً عن جامعات بلاده !!

الحكومة التي ترفع سعر (الغاز) في زمن انهيار أسعار كل المشتقات البترولية في كل العالم، ولا تشاور المواطن ولا توضح الأسباب، تريد أن تجعل نفس المواطن حراً .. فقط في اختيار مكان الكلية التي ستدرس بها كريمته، إن أرادها في الخرطوم فالمجمعات جاهزة، وإن أرادها في “الجنينة” فهو (حر) في اختياره!!
لا خيارات أمام المواطن في ما يتعلق بأموره المعيشية وخدماته الصحية ومعاملاته المهنية والتجارية، الخيارات هنا تحددها الحكومة، فتفكيك مستشفى الخرطوم – مثلاً – ونقل أقسامه لمستشفى “إبراهيم مالك” قرار اتخذته الحكومة وحدها، ولم تشاور فيه المواطن، مع أنه قرار يرتبط بحياة أو موت آلاف المواطنين، فلم تشاورهم إذن في قرار دراسة بناتهن في (طب الخرطوم) أو (طب سنار) !!
وفروا على الدولة ميزانيات أطنان الأسمنت والسيخ المهولة .. واتركوا بناتنا هناك .. في أحضان أمهاتهن .. يذهبن للجامعات صباحاً ..ثم يعدن لبيوت آبائهن عصراً .. يأكلن ما تبقى من (كسرة وملاح)، ويشربن شاي اللبن (المقنن) مع (المغيرب).. ينمن آمنات .. تحرسهن عائلات .. لا (مشرفات) في داخليات .

المصدر : النيلين




رنا طه

محرر بشبكة سودافاكس الإخبارية ، الشبكة الاولى في متابعة الأحداث والتغطيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.