الفانوس انطفأ والعثرات كثُر والآمال تلاشت وفي التشييع صفحة جديدة فتحت…. “ما لا يمكن تجاهله” ظل “الترابي” وتركته

كأنها أزفت، والإسلاميون يتلفتون يمنة ويسرى، والكل يحدق في وجه أخيه عسى يظفر بإجابة، ولكن لا شيء سوى الحيرة والانشداه، وحسن الترابي محمول على نعش، والبكاء والعويل لا حد له، الدموع مدرارة، والآهات حرى، النهاية والخاتمة والفقد، عبارة باتت لها مدلول ومعنى، احتشدوا خفافا إلى مقابر بري، وبعد أن أهالوا على الشيخ التراب، شق عليهم أن يغادروا، الأفق سد، والآمال تلاشت إلى غير رجعة، هو الذي كان يتحامون به عند الدلاهم العظام، ومن يرسم لهم الطريق منه وإليه، ساعات والناس تنتظر أن ينفضوا من حول القبر ولم يفعلوا..
أمس كان يوم تشييع الترابي، كان يوم يتم الإسلاميين.. الإسلاميون من هنا وهناك، الذين ناصروه وانشقوا معه، والذين أداروا له ظهورهم.
يوم رحيل القائد
في الصحافة والشارع وبين الناس، قالوا: من سيخلف الشيخ؟ في مثل هذه الحالات – يوم رحيل القائد – يكون السؤال جوهريا ويتحرى إجابة، أولى المفارقات أنه في يوم أمس عند التشييع، وليلة رحيل الشيخ لم يكن كذلك، لم يكن جوهريا ولا يتوخى إجابة، من يخلف الشيخ كان في ذيل القائمة، ولا ينفي أننا تطارحناه ولكن عندما تكر المسبحة وتستعرض الأسماء والشخوص، تزهد وربما لا تجد معنى للإجابة، وستنتقل فورا إلى المصير الكبير، مصير بدايات لم تهنأ بالنهايات وإن قاربتها وإن شارفتها، والمشروع الكبير – أن نزع بالسلطان – أجهضته مقاليد السلطان، والأحلام بددتها الشهوات، والحناجر التي تردد “لا لدنيا قد عملنا” كانت قلوبها محشوة بها إلى حد الثمالة.. والله وحده يعلم.
“المزالق لا حد لها”
الأيتام الصغار، شباب المؤتمر الشعبي، بكاؤهم كان يفطر القلوب، الفوانيس تنطفئ وهم في خضم اللجة، فتح عقولهم على الأفق الكبير، قال لهم إن الله واحد، وإن الأصل واحد، وإنها خلافة وإعمار، وإن أرض الله واسعة، وإن العقل هو البداية والنهاية والمصير، حدثهم: “إن هذا القرآن محفوظ لتتدبروا، لا لتتحجروا، وإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، افعلوا وسعكم، وإن فيكم ابن كثير والطبري، ومالك، إلا فكيف يكون الدين محفوظا؟”. ولكن الفانوس انطفأ، والعثرات كثر والمزالق لا حد لها، وللخير تسعة وتسعون بابا ولكنها قد تنتهي إلى داعش أو إلى جحد كل شيء.

آلام الشيخ
هل اعتذر الترابي؟ إن كنا نبحث عن الإجابات السهلة، أو المستنبطة من الوقائع “نعم فعل”، خرج وانتقد وأعلن أن المسيرة حادت عن المقاصد، دفع ثمن ذلك حبسا وتنكيلا وتشريد، غير أنك ستجد من يستخفك ويقول: “صراع سلطة”، ومن يمسك بتلابيبك ويقول لك: هل فعلا يؤمن بالديمقراطية والحرية؟ ولماذا سكت عن هذا وذاك، ولماذا عاد وصفح وحاور؟.. غير أن العالمين ببواطن الأمور يعلمون أن الشيخ عاد من التجربة بالكثير، وأن الأرض تحته لم تكن دائما ثابتة، والطريق لم يكن ممهدا حتى داخل حزبه الحاكم وقتها، وأن مصالح الرجال وشهواتهم، وأيضا من تتحدث إليهم من المقربين من الراحل، يكلمونك عن كثير من آلام الشيخ وندمه على كثير مما جرى، ووقتها والشيخ بين الناس كان الحديث صلدا ومتماسكا ومقنعا إلى الحد البعيد ولكن ماذا بعد أن رحل؟.

“لو بسطوا لكان خيرا كثيرا”
في السنة الأخيرة والتي قبلها حجب الشيخ عن الناس، بات مقلا في ندواته الجماهيرية، وفي محاضراته العامة وفي مقابلة الصحافة، وكان معلوما للصحافيين أن ذلك لصالح إنجاح الحوار، أو أن الذين وقفوا بينه وبين الناس ألمحوا لذلك، وظني أنهم لو بسطوا الأمر موقنين بالمقادير، لكان خيرا كثيرا، ولعل أحاديثه في الجلسات المغلقة وللخاصة وخاصة الخاصة كانت ستكون أفيد لو تداولها عامة الناس ولفضت كثيرا من الإبهام، وأظنهم في مقبل الأيام سيفعلون ويقولون إن الترابي كان يرى ويرى، ولكنها ستكون أقوالا ممزوجة بعاطفة لرجل فارق الدنيا.

المصدر: اليوم التالي




رنا طه

محرر بشبكة سودافاكس الإخبارية ، الشبكة الاولى في متابعة الأحداث والتغطيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.