خواطر لا تنسي مع (نقد)

في 1988 كان الجو السياسي ملبداً بالغيوم،وكانت لدي حزبنا الشيوعي معلومات عن تهديدات محتملة،فتقرر تعلية سقف حماية زملاء من بينهم السكرتير السياسي محمد إبراهيم نقد.

وهكذا ومع ترتيبات الحماية الروتينية،كانت هنالك حراسة ليلية يومية يقوم بها(زميلان)،يتناوبان ساعات الليل لتأدية مهام محددة.
ذات ليلة وجدت نفسي وحدي في تيم(الحماية)الليلي،بعد أن اضطرت ظروف مقدرة الزميل الآخر على الإعتذار.
وصلت إلي المنزل الذي يسكنه نقد بالرياض فتعشينا سوياً،ولما أخطرته بتغيب زميلي في التيم،وقلت له لا مشكلة في السهر طوال الليل،رد علي الفور(أنا زميلك في الحراسة اليوم)،فقلت له هذا يخالف التوجيه الحزبي،قال إذن إرجع لمكان سكنك وابلغهم قراري هذا،وأنا سأتحمل التبعات.
لم أكن لأغادر منزله،فقد كانت حياته مهددة آنذاك،واقتسمنا الليل،هو من الثانية عشر منتصف الليل إلي الثالثة صباحاً،وأنا من الثالثة وحتي السادسة صباحاً،تركني أنام وكنت متعباً،وصحوت وحدي عند الثالثة،فلم يذهب لسريره إلا بعد أن صنع لي (كوب شاي).
وبخلاف هذه الحادثة العالقة بذهني طيلة هذه السنوات،فقد حدثني زملاء وزميلات،صادفتهم مصاعب أو ظروف مرضية ،عن مساعدات أو أدوية،كانت تصلهم في بيوتهم،ومعها رسائل شفوية بأن نقد قال(يدوكم الحاجة دي)،لقد كان نقد حتي في اختفائه لا تشغله واجباته الحزبية،ومطاردات الأمن عن ما يراه مهما على الصعيد الرفاقي والإجتماعي.
في الإجتماعات التي تعقدها الهيئات الحزبية،ويحضرها(نقد)كان يستمع باهتمام لما يقوله الزملاء،يسجل بعض الملاحظات،وعندما يأتي دوره في الكلام،يقول ما قل ودل بكل تواضع،ويستفسر عن بعض التفاصيل بأدب جم،ولا يغادر إلا بعد أن يطمئن إلي كيفية انصراف الجميع.لم يكن سياسياً من طراز فريد بل مفكر وماركسي لا يشق له غبار.
بدأ تفكير الجبهة الإسلامية في الإنقلاب العسكري مبكراً،حينما رأت عشرات الآلاف يحتشدون في الميدان الشرقي بجامعة الخرطوم في احتفال أول مايو 1985،عندما خرج نقد للعلن بعد الإنتفاضة،وخاطب الندوة بكلمات صارت حديث القاصي والداني،تحدي حينها الحزب الشيوعي حظر التجول،وجماهيريته تلك أزعجت المجلس العسكري والجبهة الإسلامية،وكان ما كان من حكومة الإنتفاضة الهزيلة،وقانون الإنتخابات المفصل على مقاس الجبهة الإسلامية،ومع ذلك لم يحصد حزب الترابي إلا 18.7% من الأصوات،لكنه حصل على 51 مقعداً من 260 مقعداً،ومن ضمنهم 23 من مقاعد الخريجين(المزورة).
وبعد الإنقلاب كانت مسرحية (إذهب للقصر رئيساً،وأنا سأذهب للسجن حبيساً)،فقال نقد قولته الشهيرة للترابي في السجن(كتّر خيرك جاملتنا قوم أطلع لي انقلابك)..
في الذكري الرابعة لرحيله لا نقول إلا ما قالته فايزة نقد(نم هانئاً يا نقد)فحزبك بخير والشعب على طريق الإنتفاضة.
المصدر: الراكوبة




رنا طه

محرر بشبكة سودافاكس الإخبارية ، الشبكة الاولى في متابعة الأحداث والتغطيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.