ماذا بعد رفع الحظر العسكري المفروض على السودان؟

سودافاكس – أصدر الكونغرس الأميركي قراراً رسمياً برفع الحظر المفروض على السودان في مجال التعاون العسكري، مع منع أي مساعدات عسكرية أميركية تقدم إلى السودان دون موافقة المكون المدني في الحكومة الانتقالية ولأغراض محددة.

وظل السودان أثناء الحظر معتمداً على دعم عسكري من دول مثل الصين، وربط ذلك التعاون بمجالات الاستثمار في النفط والتجارة. فقد كان ينظر إلى الأسلحة الصينية كبدائل رخيصة بالنسبة للأسلحة الغربية، مقابل حصول الصين على شروط تجارية وموارد طبيعية، بالإضافة إلى تأسيس موطئ قدم لها في أفريقيا.

ولكي ينتهج السودان سياسة خارجية وأمنية وعسكرية موثوقاً بها بعد الثورة، يحتاج إلى قدرات تحظى بمصداقية وتعاون عسكري دولي غير مشبوه. وبما أن الإنفاق العسكري السوداني لن يرتفع في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، فلا بد من البحث عن طرق أخرى للتعامل مع هذه القضية.

قرار الكونغرس

جاء قرار الكونغرس بإيقافه آخر تشريعين ضد السودان، وعليه سيفتح الباب للتعاون مع القوات المسلحة السودانية التي تتبع إلى رئيس الوزراء عبدالله حمدوك.

وسيلي ذلك صرف مساعدات تقدمها واشنطن، وتشمل التدريب والتعليم العسكري. وجاء هذا التحسن في العلاقات وفق اعتبارات دعم أميركي للسودان بعد اندلاع الثورة وسقوط نظام البشير، واستئناف العلاقات السياسية بعد انقطاع طويل، وتمثلت في تبادل الزيارات لكبار المسؤولين من الجانبين بعد إصدار قرار فك الحظر عن دخول المسؤولين الحكوميين وأفراد القوات المسلحة السودانية للولايات المتحدة، ثم شطب اسم السودان رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب، متزامناً مع موافقة السودان على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وكذلك تمت الموافقة على استعادة السودان حصانته السيادية التي فقدها منذ عام 1993.

هذه التطورات نتيجة لعدد من الإجراءات التي أسفرت عن دفع السودان تعويضات قيمتها 335 مليون دولار لعائلات ضحايا هجمات تنظيم “القاعدة”، وتفجيره سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998، وسقوط أكثر من 200 قتيل، ولعائلات 17 بحاراً أميركياً قتلوا عندما استهدف تنظيم القاعدة سفينتهم المدمرة “يو أس أس كول” عام 2000 في ميناء عدن، وعائلة الدبلوماسي الأميركي جون غرانفيل عام 2008، الذي قتله منتمون للتنظيم في الخرطوم.

ونتيجةً لذلك صادق الكونغرس على حزمة من المساعدات المالية المباشرة وغير المباشرة للسودان، إضافة إلى التزام الولايات المتحدة بدفع مبلغ مليار دولار لسداد متأخرات السودان المستحقة للبنك الدولي.

حقيقة التعاون

عندما وقعت العقوبات الأميركية على السودان عام 1993، حظرت فعلياً صادرات الولايات المتحدة إلى السودان، سواء من البضائع أو المنتجات أو التكنولوجيا، وشملت حظر التعاون العسكري كالسلاح والذخيرة، إن كان عبر المنح أو القروض أو عبر مؤسسات حكومية أو شركات خاصة.

وفي الواقع عندما جاء قرار الحظر فإن القروض الأميركية كانت قد توقفت عن السودان منذ عام 1988، ولم يستأنف إلا العون الخاص بمشروعات بناء السلام والتنمية الذي نشط بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) عام 2005. وعموماً، لم يكن الدعم العسكري للسودان بيّناً، فوفقاً للأهداف الأميركية المرتبطة بالدعم مثل بناء الديمقراطية وتعزيز التنمية، وتعزيز الأمن، ثم تجيء بعد ذلك التجارة، لم تكن فترة الديمقراطية الثالثة (1986-1989) كافية لترسيخ ذلك التعاون.

وبعد الانقلاب العسكري عام 1989 تراجع الانفاق الدفاعي خلال بداية تسعينيات القرن الماضي، ولكن وجد السودان منفذاً بتوطين الصناعات الدفاعية مستعيناً بإيران والصين.

ولم يكن انفاقاً لتعزيز القدرات الدفاعية بالاستثمار في البحوث العسكرية وتأهيل الضباط، بقدر ما كان نوع من محاولة إقامة ترسانة حربية تعتمد على عون الدولتين والمكونات المحلية الضعيفة، ولم ينجح الأمر لأن الحرب في الجنوب استنزفت القدرات الموجودة. وعموماً، فإن السودان يفتقر إلى سياسة صناعة دفاعية وتسليح لعدم وجود البنية التحتية في إنشاء معدات.

الآن، يتفاقم التحدي المتعلق بالقيود الشديدة من رقابة المجتمع الدولي على أي غرض من التطوير، خصوصاً لو كان على يد المكون العسكري، وتقف عقبات في طريق ذلك، منها القضايا القانونية والمتعلقة منها بحقوق الضحايا في دارفور والجنوب، كما يتعلق بقصور الميزانية والعجز الاقتصادي وقضية الديون.

ويتوقع أن يحل خلاف آخر حول تمويل عمليات تطوير الجيش، وستحاول الولايات المتحدة إدخال الاتحاد الأوروبي للإيفاء بتكاليف هذه العمليات. وحتى إذا تمت كل هذه الجهود، فإنها لن ترقى إلى مستوى التعاون التسليحي بين الولايات المتحدة والسودان، لأسباب تتعلق بمحاذير الولايات المتحدة من التعاون العسكري مع الدول الأفريقية، نظراً لعدم الاستقرار واستمرار النزاعات.

ماذا بعد؟

بعد صدور هذا القرار، يمكن أن تدعم الولايات المتحدة مجال التدريب ورفع القدرات وفق ملف الترتيبات الأمنية في اتفاق جوبا الموقع عليه في 3 أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة، بغرض إيقاف الحرب وإصلاح المؤسسة العسكرية بالسودان من خلال عمليات دمج قواتها.

فوضى الرتب العسكرية تعرقل تكوين الجيش السوداني الموحد
وأقرت لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ الأميركي مشروع اعتمادات العام المالي 2022، وينص على “منع أي مساعدات عسكرية أميركية تقدم إلى ‎السودان دون موافقة المكون المدني في الحكومة الانتقالية ولأغراض محددة منها إصلاح القطاع الأمني”.

وما اقترحته الولايات المتحدة من تدريب عسكري يمكن أن يفعل السياسة الأمنية والدفاعية السودانية التي تستهدف منسوبي الجيش الذين ترعرعوا في ظل المؤسسة العسكرية تحت حكم النظام السابق، سواء أكانوا منتمين له أم لا، إضافة إلى منسوبي الحركات المسلحة الذين يتم دمجهم في الجيش، وهذا ما يحاول المكون المدني استباقه بتصفية الجيش من منسوبي النظام السابق عبر لجنة إزالة التمكين.

ينبع تركيز الكونغرس لفتح باب التعاون مع القوات المسلحة السودانية، على تبعيتها لرئيس الوزراء من شكوى المدنيين مما سموه تجاوزات عسكرية على صلاحياتهم فيما يتعلق بالسياسة الخارجية ومفاوضات السلام، وخصوصاً محاولات ضغطهم من أجل الرقابة على الجيش وإعادة هيكلته بما في ذلك الشركات التجارية التابعة له ونقل ملكيتها إلى وزارة المالية، وهو ما يتحفظ عليه المكون العسكري على الرغم من اتفاقهم على ضرورة الهيكلة.

ويرى المكون العسكري أن عملية هيكلة الجيش والاستخبارات هي من صميم عملهم وتتم بخبراء من القوات المسلحة ولقطع الطريق أمام أي نشاط حزبي في القوات المسلحة، وطلب المكون المدني المشاركة في هذه العملية هو نتيجة لعدم الثقة بين الطرفين، إذ يتخوف أن يتم الاحتفاظ بضباط من التيار الإسلامي في الهيكلة الجديدة، بينما يرى المكون العسكري أن مطالبة المكون المدني غرضها تمديد الفترة الانتقالية. وهناك خلاف آخر حول تسليم جهازي الشرطة والاستخبارات العامة للسلطة التنفيذية، إذ يتمسك المكون المدني بتسليمهما بحسب ما نصت عليه الوثيقة الدستورية، بينما يرفض المكون العسكري تسليمهما إلا لرئيس منتخب.

حلقة مفقودة

لم تختلف معدلات التراشق بين المكونين المدني والعسكري فيما يتعلق بالسياسة الأمنية والدفاعية فحسب، بل تعدتها أيضاً إلى الأهداف داخل كل مكون. وخلق ذلك عقبة تضاف إلى العقبات أمام التحول الديمقراطي، ما أجبر الجميع على الوقوف عند عتبة الانتقالية دون التقدم خطوة. يصاحب ذلك سيناريو يوضحه تحذير الولايات المتحدة من أن أي استئثار بالسلطة من جانب العسكريين، سينتج عنه عودة العقوبات والرجوع عن إعفاءات الديون والتمويلات الدولية.

هناك حلقة مفقودة تظهر أن كل طرف يحاول التغول على اختصاص الطرف الآخر، فإلى الآن لم يطرح تطوير القدرة على إدارة الحكم المدني بموازاة تطوير القدرة العسكرية، بدلاً من تغول كل سلطة على غيرها.

فالفرق بين الإدارة المدنية والعسكرية يكمن في أربعة مجالات هي حكم القانون والشرطة والإدارة المدنية والحماية المدنية، ويمكن أن تقودها منظمات دولية أو إقليمية. ويمكن أن تكون هذه الطريقة التي تطور بها هذه القدرات مماثلة لتلك المتبنّاة في المجال العسكري، أي تحديد أهداف ملموسة يتم الوفاء بها بانتهاء أمد الفترة الانتقالية، على أن يستمر التطوير في ظل حكومة منتخبة. وتدخل الشرطة في إدارة الأزمات المدنية نسبة للانفلات الأمني، إذ إن تقييدها أدى إلى انعدام أمني خطير، وهذا ما يرفضه المكون العسكري.

ويرتكز جانب كبير من القدرة على إدارة هذه الأزمة على ما يمكن أن يسخره المجتمع الدولي لحكومة الفترة الانتقالية كوحدة واحدة، ولكن المكونين المدني والعسكري لم يتوافقا على تشجيع التعاون بينهما، إذ يرى كل منهما أن يكون هناك دعم موازٍ ومنفصل لكل طرف على حدة.

وقد حددت مواطن القصور في التعاون المدني والعسكري منذ بداية الفترة الانتقالية، حتى ظهرت تجلياتها في الخلافات والبيانات والتصريحات، ومن ثم الاعتصامات الأخيرة.

وقد تستجيب قوى إقليمية لتقوية التنسيق والتعاون المدني والعسكري، لكن زخم الثورية الذي لا يزال مسيطراً على المكون المدني وعدم الثقة بين المكونين يحدان من الاستفادة من فرص تطوير التنسيق الداخلي.

إندبندنت



انضم لقروب الواتسب - اضغط هنا

انضم لقروب الواتسب - اضغط هنا

انضم لقروب الواتسب - اضغط هنا

   

اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.