دجالون في جلابيب فقهاء أم أولياء صالحين؟ وَفِي الحَقِيقَة مَا لا يُدْرِكُ الدَّجِلُ

الخرطوم: عبير مزمل
المجتمع وما أدراك ما المجتمع، كان ولا يزال المجتمع في وطننا الحبيب له كلمة الفصل في كل الشؤون، ويمكن اعتباره المحرك الأساسي لكل أفراد الوطن، فانتصرت العادات والتقاليد على القيم والمبادئ، وسحق التفكير الجمعي كل محاولات التميز الفردية، ولم يستطع إلا قلة قليلة أن يهربوا من قبضة المجتمع الحديدية التي لا تبقي ولا تذر.
إلى الفكي
من منا لم يلفت نظره مشهد صباحي لعدد من النسوة اللاتي تلفحن بثيابهن في الصباح الباكر وغطين جل وجوههن وتسارعت خطواتهن للحاق بالحافلة، كثيراً ما غلبني فضول الأطفال، وتساءلت عن سبب خروجهن في ذلك الوقت المبكر، وعندما ألححت على والدتي بالسؤال أخبرتني أنهن ذاهبات لأحد الشيوخ (الفكي) – كما نطلق عليه بالعامية – ليقضي لهن حاجة تعسرت وصعب تحقيقها. بالرغم من صغر سني وقتها إلا أنني أيقنت أن هذا الأمر منافٍ للفطرة السليمة، فأثار كثيراً من علامات الاستفهام داخل عقلي الصغير الذي أدرك بفطرته أن الواهب هو الله عز وجل، وليس لنا أن نطلب حاجتنا من سواه.
انتشار وتفشي ظاهرة الذهاب للدجالين لتحقيق ما طال انتظاره، وفي إطار بحثنا عن ماهية الأسباب التي مكنت من هذه الظاهرة في المجتمع وثبتت جذورها فيه عميقا، التقينا شريحة من النساء اللاتي لا يرين أي حرج من التردد على الشيوخ لقضاء حاجاتهن.
نقص القادرين على التمام
بدءاً التقينا بسماح محمد وهي طالبة جامعية في منتصف العقد الثالث من العمر وأخبرتنا أن عادة زيارة الشيوخ لتحقيق الأحلام المعلقة في علم الغيب هي عادة قديمة في أسرتهم، وكثيراً ما رافقت جدتها ووالدتها للذهاب إلى الشيوخ، بل إنها ترى أن هناك بعض الشيوخ القادرين على المساعدة في تحقيق ما استعصى من رغبات.
من جهتها وبعد أن ترددت في الحديث إلينا قليلاً، أقرت أماني مصطفى – ربة منزل ومطلقة وأم لأربعة – بأنها لم تكن تؤمن بالشيوخ وقدرتهم على تحقيق الأحلام إلا أن صديقتها استطاعت إقناعها بأن الشيخ (…….) قادر على إرجاعها لزوجها، وأنها منذ ذلك الوقت أصبحت تتردد على الشيوخ على أمل أن يتحقق المراد.
لم تخف فاطمة على أرملة وأم لثلاث بنات حماسها الشديد للتردد على الشيوح والدجالين، واعترفت أنها تنفق مبلغ وقدره في سبيل تحقيق أمنيات طال انتظارها، وعن أسباب ذهابها ذكرت فاطمة أن زيارتها للشيوخ هي المتنفس الوحيد في حياتها والذي يعطيها بارقة أمل في تحقيق الرجاءات الصغيرة والكبيرة، وأنها تؤمن بأن الشيوخ قادرون على تحقيق المعجزات ومنع الشر والعين والحسد عن أسرتها.
لأغراضٍ مُحددة
إلى ذلك، وبعد جهد جهيد استطعنا أن نلتقي بالشيخ (ك – ا) الذي تحدث إلينا باقتضاب وحرص شديدين، سألناه عن أبرز أسباب الزيارات، فكشف أن أغلب زائراته نساء تتراوح أغراضهن ما بين الرغبة في الزواج أو الإنجاب وتسوية الخلافات الأسرية ورد الغائبين، أو طلب بعض التمائم الواقية من الحسد والأرواح الشريرة، وعن نوعية الحلول التي يستخدمها لإجابة الطلبات رفض رفضاً قاطعاً أن يطلعنا على أدواته العلاجية، وأصر أن هذا سر المهنة.
فيما اعتبر الشيخ زكريا أحمد تيم الدار الأمر محض دجل وشعوذة، أفسدا كثيراً من شؤون الناس وأمورهم، وأن كثيراً من هؤلاء يمارسون السحر، وهو من الجرائم العظيمة، ومما يُبْتَلى به الناس قديمًا وحديثًا وفي الجاهلية، وعزا تردد النساء إلى الدجالين ممن يدعون أنهم شيوح إلى قلة العلم، ونقصان الوازع الإِيماني، لذلك يكثر أهل السحر والشعوذة، وينتشرون في البلاد للطمع في أموال الناس والتلبيس عليهم، ولأسباب أخرى، وعندما يظهر العلم ويكثر الإِيمان، يقل هؤلاء الخبثاء وينكمشون.
وختامًا، نطرح الأسئلة: هل صرنا نؤمن بأن تحقيق مطالبنا الدنيوية يحتاج إلي وسيط، ولم نعد نصدق أن الله عز وجل هو وحده القادر على ما لا يقدر عليه سواه من مخلوقاته الضعيفة؟ وهل أهملنا الفطرة السليمة وتناسينا أنه لا يجوز إشراك أي مخلوق في منزلة الخالق؟ وإلى متى ستسيطر هذه الظواهر على مجتمعنا؟

اليوم التالي




رنا طه

محرر بشبكة سودافاكس الإخبارية ، الشبكة الاولى في متابعة الأحداث والتغطيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.