بالاسماء مبدعون سودانيون يرحلون في صمت برصاص طائش – حصاد

مبدعون سودانيون يرحلون في صمت برصاص طائش
فقدت البلاد رموزاً لها قيمة كبيرة وتمثل جزءاً من تاريخها

أدت الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع”، منذ الـ15 من أبريل (نيسان) الماضي، إلى مقتل عدد من أعلام الفن والثقافة والرياضة، وكذلك نجوم المسرح والموسيقى ورموز المجتمع، منهم من لقي مصرعه بطلقات الرصاص والقذائف الطائشة، وآخرون لعدم حصولهم على العلاج والرعاية الصحية بسبب الظروف الأمنية في مدن العاصمة الثلاث الخرطوم وبحري وأم درمان.

وأكثر من 18 مبدعاً في مجالات عدة رحلوا في صمت من دون أن يتمكن آلاف من محبيهم ومعجبيهم من توديعهم أو تشييعهم كما درجت العادة قبل اندلاع الصراع المسلح، وخلفوا وراءهم الأماكن التي شغلوها، عقوداً، وتركوا فيها أثراً يتوازى مع دورهم الكبير في عطاءات جذبت إليهم جمهوراً من النخبة والمثقفين والشباب والعمال.

ضحايا القتال

وفي منتصف مايو (أيار) الماضي، خيَّم الحزن على الوسط الفني برحيل المطربة شادن محمد حسين على أثر سقوط قذيفة طائشة داخل منزلها في مدينة أم درمان، وظلت الفنانة الملقبة باسم “الحكامة” داعية سلام عبر أغنياتها التراثية لإيقاف القتال ونبذ الفتن والعنف، ولكونها شاعرة شعبية حملت في رسالتها الفنية ومشروعها الغنائي ثنائية نبذ الحرب والدعوة إلى السلام والوئام المنشودين، لتخاطب أمنيات ملايين السودانيين في حث الخطاب الجمعي للدعوة إلى وقف الحروب.

وفي نهاية أغسطس (آب)، حصد رصاص الحرب عضو فرقة “عقد الجلاد” الغنائية ذائعة الصيت عركي عبدالرحيم مختار جراء قصف مسجد الحماداب بمنطقة الشجرة في الخرطوم، وفي مطلع مايو الماضي، قتلت رائدة المسرح السوداني آسيا عبدالماجد على أثر إصابتها بشظايا قذيفة سقطت على مؤسسة تعليمية تعمل فيها، والراحلة هي أرملة الشاعر محمد مفتاح الفيتوري، وأول ممثلة مسرحية محترفة في البلاد، واعتزلت التمثيل لاحقاً لتصبح معلمة، ولحق بها، الأسبوع الماضي، ابنها الأديب تاج الدين محمد مفتاح الفيتوري نتيجة سقوط قذيفة على منزله بالخرطوم.

وفي يونيو (حزيران)، تلقى الشارع الرياضي السوداني صدمة كبيرة برحيل لاعب فريق الفئات العمرية بنادي المريخ أحمد عبدالسلام جراء مقذوف ناري تسبب في تعرض اللاعب لإصابات بالغة أودت بحياته.

وكان قد سبقه لاعب المنتخب الأولمبي السوداني وحي الوادي نيالا حسن بركية، الذي توفي بطريقة مماثلة، ولقي مسؤول الإعلام باتحاد كرة القدم السوداني نائب رئيس نادي “المريخ” الفاشر الأسبق أمير أحمد بحسب الرسول مصرعه بطلق ناري أمام منزله.

صدمة وفواجع

كذلك، توفي الموسيقار خالد السنهوري في منزله بأم درمان نتيجة هبوط حاد في الدورة الدموية، بعد أن عاش، أياماً، من دون مأكل أو مشرب في ظل أوضاع صعبة وانقطاع للكهرباء بسبب القتال المحتدم في المنطقة، واضطرت أسرته إلى دفنه أمام المنزل بعد تعثر نقل جثمانه للمقابر.

وفي يوليو (تموز) الماضي، فجع السودانيون برحيل الشاعر الصادق إلياس بعد معاناة مع المرض، وتسببت الحرب في عدم تلقيه رعاية صحية كافية، ورفد إلياس الساحة الغنائية بأعمال رسخت في وجدان الشعب السوداني وأسهمت في تشكيله.

وفي نهاية أغسطس، غيَّب الموت الموسيقار والملحن عمر الشاعر بمستشفى السلاح الطبي في أم درمان، وألَّف ولحن الراحل، خلال مسيرته الفنية التي امتدت نحو 50 عاماً، أجمل المقطوعات الخالدة في ذاكرة الفن السوداني والتي تغنى بها أشهر الفنانين.

كما شهدت الأشهر الأولى للحرب رحيلاً حزيناً لعدد من أبرز نجوم الرياضة في مقدمهم أسطورة حراسة المرمى بنادي “المريخ” حامد بريمة، أكثر اللاعبين تتويجاً بالبطولات.

وغيَّب الموت قائد الهلال السابق فوزي المرضي متأثراً برحيل ابنته التي فارقت الحياة بعيار ناري خلال الاشتباكات المسلحة بين طرفي الصراع.

رحيل النجوم

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، فجع السودانيون بخبر وفاة مطربهم الكبير الموسيقار الرائد محمد الأمين، في الولايات المتحدة، خاتماً رحلة دامت أكثر من نصف قرن من التعبير الموسيقي والغناء.

وكان قد سبقه عازف آلة “الفلوت” العالمي ذائع الصيت حافظ عبدالرحمن بعد أن أثرى الساحة الفنية، على مدى عقود، بألحان شكلت وجدان المستمعين.

كما غيَّب الموت الفنان محمد ميرغني بمستشفى الشرطة في مدينة ود مدني بولاية الجزيرة. وضمت قائمة الراحلين القانوني والأديب كمال الجزولي.

وفقد الوسط الصحافي السوداني الناقد الرياضي ميرغني أبو شنب والكاتب محمد الطاهر الزين الفوال والصحافيين أسامة أبو شنب وعايدة قسيس.

ذاكرة الشعوب الحية

وعن رحيل نجوم الفن والثقافة والرياضة في زمن الحرب، قال الناقد الأدبي حامد بخيت الشريف إن “الصراع المسلح قسى على المبدعين أكثر من غيرهم، بين من راح ضحية الرصاص أو القذائف الطائشة أو أزمة في الحصول على الرعاية الصحية”. أضاف بخيت أن “فقدان الرموز في البلاد يسهم في تهالك الذاكرة والأرشيف الثقافي، في وقت لا ينتبه فيه طرفا الصراع لما يحدثانه من خراب”. وأشار الناقد الأدبي إلى أن “المبدعين هم ذاكرة الشعوب الحية وجزء من تاريخ البلاد الفني والرياضي والاجتماعي والسياسي”.

كلفة باهظة

واعتبر الناقد الفني هيثم أحمد الطيب أن “هذه الحرب وضعت السودانيين أمام اختبارات صعبة، وفاجأتهم المعارك القتالية من دون أن يكونوا مستعدين لتبعاتها وكلفتها الباهظة، وأصبح الجميع يكابد البقاء بين نيرانها داخل الخرطوم أو خلال النزوح والتشرد”. وأوضح الطيب أن “المبدعين وبقية سكان العاصمة، بمدنها الثلاث بحري وأم درمان والخرطوم، تعرضوا للحصار داخل منازلهم بخاصة الذين لم يتمكنوا من المغادرة خلال الأشهر الأولى للاشتباكات المسلحة، ونتيجة لذلك راح بعضهم ضحايا القتال برصاص وقذائف طائشة، ولقي آخرون مصرعهم جوعاً أو بسبب عدم توفر العناية الطبية”. ولفت الناقد الفني إلى أن “المدنيين في السودان، بمن فيهم المبدعون في مجالات الفن والثقافة والمسرح والرياضة دخلوا في ساحة حرب مرغمين وليس باختيارهم، مما تسبب في فقدان البلاد رموزاً لها قيمة كبيرة وتمثل جزءاً من تاريخ السودان، وهو أمر مؤسف للغاية”.

اندبندنت البريطانية

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.