ضبابية واختلاف سعر الدولار في مصر.. وقود يلهب التضخم!

دفعت مخاوف بعض الشركات المصرية من الزيادة المستمرة في سعر الدولار بالسوق الموازية، والصعوبات التي تواجهها في تدبير العملة والإفراج عن خامات الإنتاج المستوردة، إلى اتخاذها إجراءات تحوطية عند تسعير منتجاتها، للحفاظ على هوامش أرباحها من التآكل في حالة ارتفاع تكاليف الإنتاج بنسب أعلى من المخطط لها – فيما يعرف بتكلفة الاستبدال – أو مواجهة صعوبة في العملية الإنتاجية في فترات لاحقة من العام، وهو الأمر الذي دفع أسعار السلع والمنتجات خلال الأشهر الماضية لتجاوز مستويات قياسية، تخطّت في كثير من الأحيان التكاليف الفعلية، مضافاً إليها الهوامش الربحية التي تحددها في الظروف الطبيعية.

المركزي المصري: التضخم الأساسي تراجع إلى 34.2% في ديسمبر

رجل الأعمال المصري، ياسين منصور، قال في حوار الأسبوع الماضي لـ “العربية Business”، إن مطورو العقارات في مصر يضعون أسعار أعلى من سعر السوق الموازية عند تسعير الوحدات التي لم يتم تنفيذها بعد، خوفاً من ارتفاع التكلفة، مشيراً إلى “تكلفة الاستبدال”، أو السعر اللازم لشراء وحدات جديدة محل الوحدات المباعة من المنتجات بكافة أشكالها في السوق.

ويرى ممثلو منظمات أعمال في مصر وخبراء ومحللون، تحدثت معهم “العربية Business”، أن الإجراءات التحوطية التي اتبعتها الشركات ساهمت في بلوغ التضخم في مصر مستويات قياسية خلال 2023، وتهدد مساعي الحكومة للهبوط به إلى ما دون الـ 10% بحلول 2025، إذا ما استمرت العوامل الرئيسية المؤثرة في التضخم وفي مقدمتها السوق الموازية للعملة الخضراء، التي تعتمد بعض الشركات على سعر تداول الدولار فيها لتسعير منتجاتها، في ظل استمرار أزمة نقص العملة بالمصادر الرسمية.

وارتفع معدل التضخم العام في مصر من مستوى 25.8% مطلع يناير 2023 إلى نحو 34.5% بنهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري.

النزول بمعدل التضخم
وقبل أيام أعلن رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، إن بلاده تستهدف النزول بمعدل التضخم إلى ما دون 10% في 2025، مشيرا إلى أن حكومته لديها خطط ومستهدفات للتعافي من الأزمة التي تعاني منها الدولة حالياً بحلول العام المقبل.

وقال رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، علي عيسى لـ “العربية Business”، إن أزمة نقص العملة في المصادر الرسمية وارتفاع سعرها في السوق الموازية دفعت الشركات المصرية لـ “وضع حيز أمان” عند القيام بتسعير منتجاتها، تحسباً لزيادة تكاليف الإنتاج في حالة تغيّر سعر العملة، وهو الأمر الذي انعكس على أسعار السلع والمنتجات خلال الفترة الماضية.

“أزمة الدولار أثارت بلبلة في السوق المصرية منذ أشهر.. كل قطاع صناعي يضع أسعار منتجاته حالياً على سعر مختلف للدولار يحدد وفقاً لتوقعاته للسوق.. هناك مستثمرون يقومون بتسعير منتجاتهم على السعر الرسمي للدولار، وآخرون على سعر السوق الموازية، وغيرهم وفقاً لتوقعاتهم للسعر في المستقبل القريب أو بعد شهرين أو ثلاثة.. هذا خطأ كبير.. لابد من وضوح الرؤية في هذه الأزمة.. وضوح الرؤية في الاقتصاد أمر هام”، بحسب عيسى.

إقدام الدولة المصرية على تحرير جديد لسعر الصرف لن يسهم في حل الأزمة الحالية، وفقاً لـ “عيسي”، خاصة مع عدم توفر العملة، قائلاً “إذا قامت الدولة حالياً برفع سعر الدولار الرسمي لنفس سعر الدولار المتداول في السوق الموازية دون توفير عملة في المصادر الرسمية سيرتفع سعر الدولار عن المستويات الحالية”.

زيادات مستمرة في التكاليف
من جانبه قال عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية، محمد البهي، إن الشركات لم تبالغ في تسعير منتجاتها، لكن عدم وضوح الرؤية أحدث نوعاً من الضبابية للشركات عند التسعير، في ظل الاختلاف المستمر في تكاليف الإنتاج نتيجة صعوبات تدبير العملة وتزايد أسعارها، بجانب الغرامات التي تفرض على الشركات عند تأخر الإفراج عن الخامات التي تكدست في الموانئ لفترات طويلة.

وأضاف “المصانع المصرية لم تقم بزيادات مبالغة في الأسعار خلال الفترة الماضية خاصة أن أغلبها لا تقوم بالبيع المباشر لمنتجاتها، من يتولى البيع هو التاجر.. المصانع دائماً أسعارها ثابتة لحين استيراد الخامات وبدء عملية التصنيع والانتهاء منها، ثم تقوم بالتسعير بناءً على التكلفة، لكن التوقع بزيادة الأسعار مستقبلاً والتحوط بشأنها أمر يخص التجار”.

ويرى البهي أن الأزمة الحالية لا تتطلب قيام البنك المركزي المصري بتعويم الجنيه مرة أخرى، لكنها تحتاج حلولا عاجلة لتوفير العملة، خاصة أن التعويم سيكون له أثر سلبي على زيادة أسعار السلع وارتفاع معدلات التضخم، كما أنه يتطلب توفير العملة أولاً حتى لا يزداد سعر الدولار بالسوق الموازية.

على جانب آخر، قالت الخبيرة المصرفية ونائبة رئيس بنك مصر سابقاً، سهر الدماطي لـ “العربية Business”، إن بعض الشركات تحدد أسعار المنتجات التي انتهت من تصنيعها بناءً على السعر الجديد الذي تتداول به العملة الأجنبية وقت طرح المنتجات في الأسواق، لتأمين قدرتها على تصنيع مخزون جديد من السلع بأسعار مناسبة عند انتهاء البضائع التي قامت بطرحها.

“هذا الأمر تقوم به المصانع، ثم التجار، لذا شهدنا الأشهر الماضية زيادة أسعار السلع كل ساعة وليس حتى كل يوم، وهو الأمر الذي انعكس بصورة واضحة على معدلات التضخم في البلاد، بحسب الدماطي، التي قالت “حتى نكون منصفين كان هناك بعض المنتجيين الجيدين لكن كان هناك أيضاً جشع غير آدمي من بعض التجار”.

رؤية ضبابية
وقالت خبيرة الاقتصاد الكلي، منى بدير، إن أغلب الشركات المصرية تسعّر منتجاتها على سعر الدولار بالسوق الموازية غير المستقرة التي تحركها “المضاربات والشائعات”، وإن الرؤية ستظل ضبابية في عملية تسعير المنتجات طالما استمرت السوق الموازية.

وأضافت بدير أن عدد كبير من الشركات خاصة المنتجة للسلع الأساسية والأغذية، والتي تمتلك قدرة على تمرير زيادات الأسعار للمستهلكين، قامت بإجراءات تحوطية عند تسعير منتجاتها، حتى لا تتأثر هوامشها الربحية بالأزمة الحالية بشكل كبير.

“شهدت الفترة الماضية قيام بعض الشركات باعتماد زيادات سعرية كبيرة وغير مبررة على منتجاتها رغم ثبات أسعار الدولار في بعض الأحيان بالسوق الموازية.. الشركات كانت تسعّر منتجاتها بهوامش ربحية كبيرة لعدم معرفتها إلى أي مدى سيصل سعر العملة خلال الفترات المقبلة.. هذا الأمر أعتقد ساهم في زيادة معدلات التضخم لنسب أعلى من النسب التي كان يفترض أن يزداد بها”، وفقاً لبدير.

خفض التضخم
توقعت بدير، صعوبة بلوغ مستهدفات التضخم التي أعلنت عنها الحكومة المصرية والبنك المركزي خلال 2024، مرجحة في الوقت نفسه تراجع معدلات التضخم إلى مستوى يتراوح بين 17 و19%.

“هناك أسباب عديدة تؤثر على البيئة التضخمية في مصر بجانب وجود ضغوط تصاعدية كبيرة.. فعلى الرغم من أن العام الحالي سيكون لدى مصر تأثير سنة أساس قوي سيدفع التضخم على الأغلب إلى مسار تنازلي، لكن ستظل معدلات التضخم أعلى من مستهدف البنك المركزي المصري (± 7%)”، بحسب بدير.

وأَضافت أن جزءا كبيرا من المخاطر المرتبطة بالتضخم يتعلق بتغيرات سعر الصرف، خاصة مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وتزايد توقعات انخفاض العملة بأكثر من المتوقع، وهو الأمر الذي يدفع الشركات لتحريك أسعار السلع أكثر من مرة.

العربية نت

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.