فيلم أجساد بطولية لسارة سليمان.. أيّ وعدٍ نحملُ لنساء السودان؟

رغم أنّ حربَ الجنرالات الدائرة في السودان منذ أكثر من شهرين قد قطعت مسارَ الأنشطة الثقافية في البلاد، إلّا أنّه ما يزال يُمكن الوقوف عند العديد من المعارض الفنية، وإصدارات الكتب، وعروض الأفلام، التي ينشط سودانيون وسودانيّات في الخارج بطرح قضاياهم المختلفة من خلالها.

هذا هو حال الفيلم الوثائقي “أجساد بطولية” (2022)، الذي وقّعته المُخرجة السودانية سارة سليمان، وحاز مؤخّراً على “جائزة الجمهور” ضمن فعاليات “مهرجان مالمو للسينما العربية”، ومن المقرّر عرضُه في النسخة الثالثة من “مهرجان القدس للسينما العربية”، بين 11 و16 تموز/ يوليو الجاري في القدس المحتلّة. وهو بذلك، لا يُذكِّر بموضوعِه (قضيّة النساء) فحسب، بل يؤكّد، أيضاً، استمرارية حضور الثقافة السودانية في المحافل العربية والدولية.

يروي العمل (95 دقيقة) قصّة نضال المرأة السودانية، عبر عددٍ من الشهادات واللقاءات المُختلفة، والتي تُغطِّي في مجموعها قرابة تسعين عاماً من صُور الكفاح، بدايةً من مطلع القرن العشرين، مروراً بمحطّات بارزة كتأسيس “الاتحاد النسائي السوداني” (1952)، على يد عزيزة مكّي عثمان، وأُخريات. كما تلتقط سليمان بعدستها سِيَرَ رائداتٍ حضَرْن في تاريخ البلاد الحديث، مثل فاطمة بابكر، مؤسّسة “منظّمة تحرير المرأة الأفريقية”؛ وإحسان الفقيري، رئيسة “مبادرة لا لقهر النساء”؛ والتشكيلية سعدية الصلحي؛ والباحثتَين فدوى عبد الرحمن طه، وهادية عبد الله؛ والناشطة النسوية فاطمة القدّال؛ وبلقيس بدري مديرة “المعهد الإقليمي لدراسات الجندر”، وغيرهنّ، مُستعينةً على ذلك بإطارٍ نظريّ تُحدّده قراءةٌ تفكيكية لسياسات الجسَد، وما يترتّب عليها من قَمْع وسيطرة ونَبْذ للنساء من الحيِّز العام.

توثيق سياسات الجسد وما تفرضه من نبذ للنساء من الحيّز العام

تنتقل مركزية الجسد، في الشريط، من فضاء العنوان إلى الصُّورة نفسها، حيثُ تُعيد المُقابلات النَّظر في علاقات القوّة المُهيمنة بين الرجال والنساء، وكيف تُحاول الأخيرات تمكينَ أنفسهِنَّ خارج السردية الأبوية. عند هذا الحدّ، بل عند الأبوية بالذات، ينقلنا العمل إلى سَرْدٍ حيويِّ يشتبك مع التاريخ السياسي للبلاد: نضالاتٌ واحتجاجاتٌ تنتهي بسقوط ديكتاتوريّة جعفر النميري عام 1985، ومن ثمّ حضورٌ واختراقٌ للمساحات العامة لعقود طويلة، أبهى ما تجلّيا في الانتفاضة التي أطاحَت بحُكم عمر البشير العسكري عام 2019، وقد شهد العالَم كلّه ما لعبته المرأة السودانية في هذه المواجهة. وهنا يُمكن التنبُّه أيضاً إلى ما تُعانيه النساء من الحرب الحالية، والتي جاءت لتنقلبَ على كلِّ ما في السنوات الأربع السابقة من طموحات ديمقراطية.

كذلك يُضيء الفيلم المُمارسات التقليدية التي تحكمُ جسدَ المرأة بالأذى البَدني والنَّفسي، مثل ختان الإناث، و”الشلوخ” (خدش الخدّين والجبهة كرمز للجمال أو الانتماء القبَلي)، و”قَطْع الرَّحْط” (سُيور من جِلد أحمر ترتديه العروس “البِكْر”، ويُلزَم العريس بقَطْعِه)، و”دقّ الشلّوفة” (وخْزُ الشفتين بالإبر)، وغيرها. في هذا كلِّه لقطاتٌ إثنوغرافية تُفصِح عن ارتباطٍ وثيق بين سُلطتَين: تقليديّة وسياسيّة، وخيطِ الاستمرارية الرفيع الواصل بينهما. يستعيد “أجسادٌ بطولية” كلّ ذلك، في محاولة لمُساءلة الراهن: أيّ وعدٍ يحمله للنساء السودانيّات، إنْ لم تكن كلّ تلك السنوات والنضالات كفيلة بتغيير وضعهنّ؟

العربي الجديد

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.