بعد أن تحولت حياتهم إلى “كابوس مرعب”… المدنيون هم من يدفعون ثمن الحرب في السودان

قاربت الحرب السودانية على العام ولا يزال الصراع مشتعلا والآمال في السلام تبدو بعيدة المنال، ومعاناة المواطنين وهم المتضرر الأول، تتفاقم مع اتساع رقعة الحرب.

وتعالت استغاثات وقف الحرب ومبادرات الحل رحمة بالمدنيين من نساء وأطفال وشيوخ، لكن لا آذان تستمع لتلك المأساة الإنسانية، العالم منشغل عنها، بعد أن تحول أبناء السودان إما إلى نازح أو لاجىء أو مقيد في منزله لا يستطيع الخروج بلا طعام أو شراب أو دواء.. فقد باتت الأمور يصعب وصفها.
متى يستمع العالم للسودانيين ويضغط على أطراف الصراع لوقف الحرب ومنع أكبر كارثة إنسانية يشهدها السودان؟

أوضاع قاسية
بداية، يقول عادل عبد الباقي علي، رئيس مبادرة منظمات المجتمع المدني لحل الأزمة في السودان، إن الحرب لا تزال مستعرة رغم أنها قاربت على العام منذ اندلاعها في 15 أبريل/ نيسان من العام الماضي، ولا يزال الملايين من السودانيين يعانون من النزوح واللجوء وتردي الأوضاع المعيشية وانعدام الأمن بصورة ربما غير مسبوقة.

وأضاف في حديثه أنه مع مرور الوقت دون حل يتمدد الصراع في طول البلاد وعرضها، وقد رصدت منظمات المجتمع المدني من خلال مكاتبها ودوائرها المختلفة عمليات النزوح واللجوء والأوضاع الإنسانية القاسية التي يعيشها المدنيون، وقد كانت ولاية الخرطوم والتي اندلعت منها الشرارة الأولى للحرب وكانت تحتضن 14 مليون مواطن قبل الحرب هي الأكثر تضررا.

تحت القصف
وتابع عبد الباقي: “وفقا للتقرير السنوي الذي أعدته منظمات المجتمع المدني، فإن عدد معسكرات ومراكز الإيواء منذ اندلاع الحرب تجاوز 3 آلاف مركز ومعسكر، ورغم الظروف القاسية بل والمأساوية، فإن ما يقارب 7 ملايين من المواطنين لا يزالون يعيشون تحت القصف، وارتكبت بحقهم انتهاكات إنسانية جسيمة من أطراف الصراع”.

وأشار رئيس المبادرة، إلى أن الإحصاءات التي أعدتها منظمات المجتمع المدني تشير إلى أن نسبة النساء من عدد الضحايا منذ اندلاع الحرب تمثل تقريبا 32 في المئة، في حين بلغت نسبة الأطفال 58 في المئة، ولا تزال تلك الانتهاكات في كل من الخرطوم وولايات دارفور وكردفان والجزيرة وسنار والبحر الأحمر في ظل استمرار الحرب.

المرافق والخدمات
وأوضح عبد الباقي، أن استمرار العنف والاشتباكات انعكس سلبا على المرافق الصحية وأدى إلى خروج نحو 72 في المئة من المستشفيات والمراكز الصحية في السودان خارج الخدمة بصفة عامة، كما أن هناك نقص كبير في المعدات والكوادر الطبية، وسبل الحركة للوصول إلى المتضررين من المرضى نظرا لشدة المواجهات بين طرفي الحرب وتدهور الوضع المعيشي بعد خروج المنظمات الأجنبية من السودان في بداية النزاعات.

ولفت رئيس المبادرة، إلى أن 6.3 مليون سوداني داخل العاصمة السودانية الخرطوم يعانون من أوضاع إنسانية صعبة لا سيما بعد التطورات الأخيرة الجارية في مناطق متعددة داخل العاصمة الخرطوم من نقص تام في الخدمات الإجتماعية، والصحية والغذائية والمياه والمواد التموينية، والوقود، والكهرباء.

ويكمل عبد الباقي: “معاناة المواطنين العزل في مناطق الاشتباكات أسوأ وكارثية بمعني الكلمة، إذ أنه في الكثير من الأحيان لا تتوفر سبل الخروج من المنزل لشراء لوازم الغذاء أو المواد الضرورية من الأسواق، ولأن بعض المرافق الحيوية تم تدميرها بالكامل، تسعى المنظمات إلى الوصول إلى العالقين في حال توفر لها ضمانات أمنية من كل الأطراف المتنازعة”.

“أوقفوا الحرب”
وطالب رئيس المبادرة الأمم المتحدة والدول المحبة للسلام بأن تعمل بأقصى سرعة من أجل وقف فوري إنساني للقتال ولو لمدة أسبوعين، من أجل فتح ممرات آمنة لتوصيل المساعدات الإنسانية للمواطنين العزل، وأيضا تعزيز الحماية للمنظمات والجهات الإنسانية المحلية والدولية العاملة في مجال الإغاثة والسماح لهم بالدخول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الطرفين، بالإضافة إلى وقف القصف الممنهج بالطيران والأسلحة الثقيلة وعدم استهداف معسكرات النازحين.

وحذر عبد الباقي، من تداعيات سلبية وخطيرة من التسليح العشوائي للمجتمعات المختلفة والذي أصبح مهددا للنسيج الاجتماعي والأمن المجتمعي في السودان.

الإغاثة الخارجية
من جانبها، تقول المسؤولة في منظمات الإغاثة بولاية الجزيرة، عائشة أبكر، إن أوضاع النازحين من الأطفال وكبار السن والنساء مأساوية بمعنى الكلمة، ليست هناك أي مقومات كافية للحياة، والإغاثة الخارجية شبة منعدمة، إذ يحاول سكان المنطقة التي يستقر بها النازحون أن يقدموا لهم ما لديهم من طعام وأغطية وأدوية وفق إمكانياتهم.

وأضافت في حديثها أن الحالة التي يعيشها الناس من الجوع والخوف وفقدان الأمل في الحياة، مؤلمة جدا والأشد ألما أن ترى مريضا يفارق الحياة أمامك نظرا لنقص الأدوية أو المستلزمات الطبية ولا تستطيع فعل أي شيء.

بدورها، تقول فاطمة إلياس، منسقة ولاية البحر الأحمر في منظمات المجتمع المدني، لـ”سبوتنيك”، إن “أعداد النازحين في الولاية قارب على 800 ألف نازح بعد أن قمنا بعمل إحصاء، حالاتهم بائسة ولا تصل إليهم المواد الإغاثية نتيجة السطو عليها أو عرقلتها، ونحن لا نملك سوى مناشدة المسؤولين والقائمين على العمليات الإغاثية بأن تصل تلك المعونات إلى مكانها الصحيح”، مشيرة إلى أن “مشاكل النازحين كثيرة ونحاول بالجهود القليلة تخفيفها، لكن لا نمتلك إلا القليل”.

أخطر المراحل
وقالت منظمات المجتمع المدني السودانية في بيان : “تابعنا بشده الأحداث الدامية في السودان منذ 15 أبريل الماضي، بين المنظومة العسكرية (الجيش) والدعم السريع، الذي أدى إلى مقتل الآلاف ونزوح واللجوء وتجويع ملايين السودانيين ونأمل في القريب العاجل أن يعم السلام والاستقرار في البلاد”.

وتابع البيان: “تدخل الحرب شهرها العاشر ومازالت معاناة النازحين والمدنيين تزداد يوما بعد يوم بعد توسيع دائرة الاقتتال في ولايات مختلفة، ولم نلحظ حتى الآن أي تحرك دولي أو إقليمي فعال تجاه الأزمة، وقد قمنا بتقديم مذكرة ومبادرات لكل من دول الإيغاد ومجلس الأمن وجامعة الدول العربية، وما شاهدناه هو مماطلة دولية وإقليمية حول حل الأزمة في السودان”.

وأكد البيان أن “الحرب الآن تتجه نحو مسار عرقي وعنصري وإقليمي بصفة خاصة، وهذه قد يضع السودان في دائرة مشتعلة بالحرب داخلية بعيدة المدى وقد يكون لها تأثير على دول الجوار والمهجر بصفة عامة”.

ودعا البيان “المجتمع الدولي والإقليمي بعقد جلسات طارئة لمناقشة التطورات الأخيرة في السودان والتعجيل بوقف الحرب وإحلال السلام الاجتماعي والمجتمعي وإرسال منظمات الإغاثة العالمية إلى معسكرات ومراكز الايواء للنازحين”.

وتتواصل منذ 15 أبريل/ نيسان الماضي، اشتباكات عنيفة واسعة النطاق بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في مناطق متفرقة بالسودان. واتفق طرفا النزاع عدة مرات على وقف إطلاق النار، لكن لم يتم الالتزام به.

واتضحت الخلافات بين رئيس مجلس السيادة السوداني قائد القوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو للعلن بعد توقيع “الاتفاق الإطاري” المؤسس للفترة الانتقالية بين المكون العسكري والمكون المدني في ديسمبر العام الماضي، الذي أقر بخروج الجيش من السياسة وتسليم السلطة للمدنيين.

واتهم دقلو الجيش السوداني بالتخطيط للبقاء في الحكم، وعدم تسليم السلطة للمدنيين بعد مطالبات الجيش بدمج قوات الدعم السريع تحت لواء القوات المسلحة، بينما اعتبر الجيش تحركات قوات الدعم السريع تمرداً ضد الدولة. وتسببت المعارك في سقوط الآلاف بين قتيل وجريح، فضلا عن نزوح الملايين داخل السودان وخارجه.

سبوتنك

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.