أحلام المستقبل غائبة عن أطفال السودان النازحين

في أحدث مآسي الحرب بولاية سنار، جنوب شرقي السودان، جرت معارك ضارية بعدد من المدن، ما اضطر أكثر من 60 ألف شخص للفرار إلى ولايات أخرى، غالبيتهم سيراً على الأقدام لمسافات تبلغ عشرات الكيلومترات، سارها الأطفال أيضاً، طبقاً لما أظهرته عشرات من مقاطع الفيديو.
ومنذ اندلاع الحرب، وصل عدد الأطفال النازحين إلى أكثر من أربعة ملايين طفل، من بينهم من لجأوا مع أسرهم إلى دول الجوار. وخلال رحلات الفرار تلك، فقدت أسر أطفالها. أحد المفقودين كان الطفل علي الذي تناقل كثيرون رسالة من والده، يطلب فيها المساعدة في البحث عنه.

أكثر من 136 ألف نازح من ولاية سنار جنوب شرقيّ السودان
يقول الوالد المكلوم: “علي طفل لا حول له ولا قوة، كان سنداً وعوناً في البيت والمدرسة، وكان باراً بأمه، وذراعها اليمنى في قضاء احتياجات البيت. لا يعرف من الدنيا إلا مساعدة أخواته، وفجأة تغيرت الأمور وتبدلت الأشياء. علي مفقود، ولا نعرف مكانه، وأخواته الصغار وصلن القضارف نازحات، وكن حافيات لا يملكن سوى ملابسهن، وأحلام الطفولة، وأمهم ربنا يلطف بها ضائعة ومكلومة، لكن ثقتنا في الله كبيرة أن ولدنا سوف يظهر في أي لحظة حاملاً معه البشارات لأمه وأخواته”.
وتسببت الحرب في السودان في توقف نحو 19 مليون طفل عن التعليم، وكشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن نحو 14 مليون طفل يحتاجون إلى مساعدات عاجلة، ومنهم من يعانون سوء التغذية الحاد، ويعيشون في مناطق يصعب الوصول إليها.
وتقول “يونيسف”: “استمرار الأعمال العدائية الضارية والمجاعة المحتملة يخلقان ظروفاً مشؤومة لخسارة مأساوية في أرواح الأطفال، والحرب غذت مزيجاً مميتاً من النزوح وتفشي الأمراض والجوع. الجوع وسوء التغذية يجعلان الأطفال أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، ونحذر من توقف تطعيم الأطفال، ومن افتقار مئات الآلاف منهم إلى إمكانية الوصول إلى مياه الشرب الآمنة، ومن الزيادات الحادة في معدل الوفيات، خاصة بين الأطفال النازحين، كما نحذر من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الطفل، خاصة تجنيد الأطفال، واستخدامهم من قبل القوات المتحاربة”.
بعد اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بقي زين العابدين مصطفى (13 سنة) في منزل أسرته بحي العرب في مدينة أم درمان لنحو خمسة أشهر، وفي أغسطس/آب الماضي، اضطرت الأسرة إلى النزوح بسبب المعارك والقصف المدفعي، وتوجهوا إلى منطقة شمال أم درمان للعيش في مخيم نزوح داخل مدرسة في حي الحتانة، يضم العشرات من الأسر التي تحصل على الغذاء بجهود ذاتية، أو بدعم من الخيرين ومنظمات تطوعية.

في داخل المخيم، كان الطفل زين العابدين يلهو مع عدد من أقرانه بآلة موسيقية تابعة لفرقة حضرت للترفيه عن أطفال المخيم، لكنه لا يبدو سعيداً بوضعه، ويحلم بالعودة إلى المنزل، وأن يلتقي أصحابه من أبناء الجيران، والكثير منهم لجأوا مع عائلاتهم إلى مصر، كما يحن كذلك للعودة إلى المدرسة، واستكمال تعليمه حتى لا يضيع مستقبله.
يقول مصطفى لـ”العربي الجديد”، إنه لم يكن يتخيل أن يتغير حاله إلى هذا النحو، وأن يعيش داخل مركز إيواء لا تتوفر فيه الخدمات، معرباً عن أمله في أن تتوقف الحرب، ويرجع كل شيء إلى وضعه الطبيعي كما كان.
أما الطفلة ماريا بله، وهي نازحة مع أسرتها من منطقة أمبدة، غربي العاصمة، فتقول لـ”العربي الجديد”، إن الوضع في أمبدة كان شديد السوء، والقصف المدفعي كان يومياً، وكنا نعاني من نقص الغذاء، والوضع في المخيم أفضل، رغم وجود مشكلات مثل انقطاع المياه والكهرباء، وأنها تأمل في العودة إلى منزلها من جديد.
وتتفق معها الطفلة لبنى القاسم، وتقول لـ”العربي الجديد”، إن حياة المخيمات تفتقر للكثير مما يحتاجه الأطفال، بما في ذلك أسرة النوم، ووسائل الترفيه، مؤكدة أنها لم تشاهد التلفاز منذ نزوحها من منزلها قبل تسعة شهور، رغم أنها كانت متابعة جيدة للأفلام السينمائية، وهي تتوق لمشاهدتها من جديد، لكنها رغم كل شيء ممتنة لكل الأيادي التي تقدم لهم المساعدات.
وتقول الناشطة الإنسانية، إجلال جلال، إن “حياة الأطفال في مراكز الإيواء والمدارس لن تكون مماثلة لحياتهم قبل النزوح، فهم يواجهون صعوبات جمة، ولا يجدون الوجبات الغذائية المكتملة، وغالب وجباتهم ليس فيه اللحم، وليس هناك حليب، كما يعانون من عدم وجود أسرة أو مفارش وأغطية وملابس”. وتضيف لـ”العربي الجديد”: “عدد كبير من الأطفال تعرض لحالات اكتئاب أو صدمات نفسية، وهم يحتاجون إلى الدعم النفسي والاجتماعي، ونحث المنظمات العاملة في المجال الإنساني على مضاعفة جهودها لمساعدة الأطفال في شتى المجالات، خاصة في مجال المساعدات الغذائية والخدمات العلاجية، والاهتمام بالتعليم، ونأمل عودة الحياة في البلاد إلى طبيعتها قريباً”.

وتعدد الباحثة الاجتماعية ثريا إبراهيم مشاكل الأطفال النازحين، التي تبدأ من مغادرتهم مناطقهم الأصلية إلى مخيمات النزوح، في رحلة يتعرضون فيها للتعب والإرهاق والجوع والعطش، لا سيما إن كانت الرحلة سيراً على الأقدام، وغالباً ما يتعرضون لضربات الشمس، كما أن مراكز الإيواء قد تكون غير ملائمة للحياة الإنسانية، فالمساحات ضيقة، والتهوية سيئة، وتوجد ثلاثة أو أربعة أسر في كل غرفة أو فصل.
وتوضح إبراهيم لـ”العربي الجديد”، أن “المخيمات تشهد اختلاط الصغار بالكبار، ما يقلل فرص الحماية المطلوبة، ويفتح المجال لتعرض الطفل للعنف أو التنمر، كما تتلاشى خصوصيته، ويعاني من تحديد نشاطه، حتى في لهوه ولعبه كحق مكفول له بموجب المواثيق الدولية. مسألة الأكل والشرب أيضاً واحدة من المشكلات التي تواجه الأطفال، فقد يجدون أنفسهم مضطرين لتناول وجبات ليس فيها محتوى غذائي نافع، كما أن البنات في العمر الأقل من 18 سنة تزداد مشاكلهن في المخيمات، لا سيما من هن في طور المراهقة، حيث تنعدم الفوط الصحية ووسائل النظافة الشخصية، كما تتقلص الخصوصية، ما يجعلهن لا يستطعن ممارسة حياتهن بصورة طبيعية”.
وتتابع: “كثير من مراكز الإيواء تنعدم فيها أبسط حقوق الأطفال، بما في ذلك حق التعليم، وهناك تلاميذ في بعض الولايات يواصلون دراستهم، وآخرون محرومون من ذلك. الدول التي تقع فيها كوارث تقوم بنصب خيام في أماكن النزوح، وإنشاء فصول طوارئ لإلحاق الأطفال بالمدارس، وهذا لم يحدث في السودان. هناك جهود كبيرة من جهات مختلفة في مجال دعم الطفولة النازحة، لكن من الواجب زيادة الجهود الحكومية والمجتمعية لحلحلة كل المشكلات”.

وفي ظل تلك الأوضاع، تجتهد منظمات شبابية وتطوعية لتقديم مساعدات اجتماعية ونفسية، منها منظمة “شباب الخير” التي يطوف متطوعوها المخيمات لتقديم برامج ترفيهية للأطفال. تقول زلفى زين العابدين، وهي إحدى متطوعات المنظمة، إنه جرى تصميم برنامج باسم “فرحة خير”، يهدف إلى تقديم دعم نفسي، من خلال برامج ترفيهية تطوف المخيمات، ويقوم على استخدام الموسيقى والرسم والألعاب والمسابقات في الترفيه، مع توزيع الهدايا، في محاولة لإخراج الأطفال من أجواء الحرب وتأثيراتها النفسية.
وتؤكد زين العابدين لـ”العربي الجديد”، أن “التجربة أثبتت أن الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال مقدم على أي دعم آخر، حيث ظهرت نتائجه سريعاً، فبدا الارتياح النفسي على وجهوهم، وباتوا يتقبلون وضعهم الجديد، ويتفاعلون مع مجتمعهم المؤقت، وبعضهم أصبح جزءاً فاعلاً ضمن البرنامج”.

العربي الجديد


انضم لقناة الواتسب

انضم لقروب الواتسب


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.