تحذيرات دولية متوالية.. هل ينزلق السودان إلى مجاعة؟

تتوالى تحذيرات المنظمات والوكالات الإنسانية الدولية من انزلاق السودان إلى أتون أزمة غذاء حادة يصل توصيفها في بعض الأحيان إلى “المجاعة”، إذ تقول وكالات الأمم المتحدة إن ملايين السودانيين يواجهون مستويات متدنية من انعدام الأمن الغذائي.

وفي منتصف أبريل/نيسان الماضي، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إن الصراع العنيف في السودان أدى لتفاقم انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، ووضع 5 ملايين شخص على بُعد خطوة واحدة من المجاعة، وجعل 18 مليونا يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

في المقابل، يؤكد المسؤولون السودانيون أن الأوضاع في البلاد ليست بالمستوى الذي تصوّره التقارير الدولية المتواترة، وأن ما تعانيه بعض أجزاء البلاد ناتج عن وضع الحرب الاستثنائي الذي أدى إلى “نقص غذائي مقدور على احتوائه”.

لكن المدير الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي لشرق أفريقيا مايكل دانفورد، يقول -في تصريحات خلال يونيو/حزيران الماضي- إن “السودان بات في قبضة الجوع وسوء التغذية على نطاق واسع”.

والشهر الماضي تحدثت ثلاث وكالات أممية عن توقعات جديدة مثيرة للقلق بخصوص الأمن الغذائي في السودان، قائلة إن هذا البلد يواجه “كارثة مجاعة مدمرة” لم يسبق لها مثيل منذ أزمة دارفور مطلع العقد الأول من القرن الحالي.

وحذّرت كل من منظمة الأغذية والزراعة (فاو) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) وبرنامج الأغذية العالمي من التدهور السريع في أوضاع الشعب السوداني، وخصوصا الأطفال، مع انهيار الأمن الغذائي جراء الحرب التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عام.

ووفقا لأحدث بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، أسفر التدهور السريع في الأمن الغذائي بالسودان عن وصول 755 ألف شخص إلى أوضاع كارثية (المرحلة الخامسة في التصنيف)، حيث يلوح خطر المجاعة في 14 منطقة.

وتوجد أسوأ الظروف في المناطق الأشد تضررا من القتال والتي يتجمع فيها النازحون جراء المعارك.

ويكابد قرابة 25.6 مليون شخص مستويات عالية من الجوع الحاد (المرحلة 3+ من التصنيف). وهذا يعني بالنسبة لنصف سكان السودان المتضررين من الحرب، أن عليهم الكفاح كل يوم لإطعام أنفسهم وأسرهم.

وهذه هي المرة الأولى -بحسب الوكالات الأممية- منذ إنشاء التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي في عام 2004 التي يتم فيها تأكيد وصول السودان إلى الأوضاع الكارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف).

وعلى عكس أزمة دارفور قبل 20 سنة، تقول الوكالات الثلاث إن الأزمة الحالية تشمل السودان بأكمله، حيث وصلت مستويات الجوع الكارثية إلى العاصمة الخرطوم وإلى ولاية الجزيرة التي كانت سلة غذاء السودان ذات يوم.

تُظهر البيانات الجديدة أيضا تدهورا حادا في أوضاع سكان السودان مقارنة بآخر التوقعات المعلنة في ديسمبر/كانون الأول 2023 والتي بيّنت أن 17.7 مليون شخص يواجهون الجوع الحاد (المرحلة +3 من التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي).

وبين هؤلاء قرابة 5 ملايين شخص وصلوا مستوى الطوارئ من الجوع (المرحلة الرابعة)، في وقت مضت فيه التوقعات الحالية إلى أن يبلغ 8.5 ملايين شخص، مما يمثل مستويات المرحلة الرابعة.

فجوات غذائية
وفي مقابل البيانات الأممية، لا يعترف المسؤول بإدارة الأمن الغذائي في وزارة الزراعة السودانية عمار حسن بشير بكارثية الوضع الغذائي في البلاد. ويرى أن التقارير المثارة بهذا الخصوص “مغرِضة”، كما أنها “تعكس فشل الأمم المتحدة في التعامل مع أزمة الجوع عالميا”.

ويوضح المسؤول، في حديث للجزيرة نت، أن أوضاع عدم الاستقرار الناجمة عن الحرب والهجمات المتواصلة من قوات الدعم السريع على كثير من الولايات خلقا تذبذبًا في الإنتاج، مما قاد إلى نقصان توفر الأغذية الموجودة.

ومع النقصان وازدياد الطلب، يقول بشير إن أسعار المنتجات الاستهلاكية الغذائية ترتفع، وبالتالي يصبح الوصول إليها من بعض فئات المجتمع صعبا. ويشير إلى أن الفجوات الغذائية تنشأ عادة عندما يكون الاستهلاك أعلى من الغذاء الموجود، وهو عامل تتحكم فيه حركة السكان بشكل كبير.

ويقول بشير إن مصطلح المجاعة “واسع وكبير”، إذ إن المجاعة تنتج عن أوضاع مركبة تحدث بعد فترات زمنية طويلة وتكون ذات آثار سيئة على البشر، ويرى أن استخدامها في حالة السودان “يجانبه الصواب”. ويردف “ما يحصل الآن فجوات غذائية ليس إلا”.

ويتساءل المسؤول السوداني عن كيفية قياس الوكالات الدولية مستوى انعدام الأمن الغذائي الحاد في بلاده، والذي تتحكم فيه حزمة عوامل ويحتاج لآليات قياس عديدة بينها العوامل الاقتصادية والاجتماعية وعوامل الإنتاج. كما أن السودان نفسه، كما يشير، يفتقر للوسائل الحديثة التي تقيس المجاعة.

وبحسب خبراء الأمن الغذائي، فإن المجاعة تحدث عادة عندما يعاني بلد ما من نقص حاد في الغذاء بحيث يواجه سكانه سوء التغذية الحاد أو الجوع أو الموت.

ولإعلان المجاعة رسميا، يجب أن تحدث ثلاثة أشياء في منطقة جغرافية محددة وهي:

مواجهة 20% من الأسر نقصا شديدا في الغذاء.
معاناة 30% من الأطفال من سوء التغذية الحاد.
موت شخصين بالغين أو 4 أطفال من كل 10 آلاف شخص يوميا بسبب الجوع المباشر أو لتفاعل سوء التغذية والمرض.

أوضاع صعبة
خلقت حرب السودان أوضاعا صعبة في عديد من المناطق بالخرطوم ودارفور على وجه خاص، حيث شكا مواطنون من حالات وفاة وسوء تغذية وسط الأطفال في مناطق خاضعة لسيطرة الدعم السريع بالعاصمة بعد تعذر حصولهم على الأطعمة لأشهر طويلة. كما توقفت المطابخ المجانية التي يديرها متطوعون لنقص الإمداد المالي وعدم التمكن من توفير المواد التموينية.

وقال عضو في غرفة طوارئ شرق النيل شرقي الخرطوم -للجزيرة نت- إن الوضع الإنساني في المنطقة صعب للغاية، وإن حالات وفاة بسبب الجوع تم تسجيلها وسط أطفال صغار.

وفي 23 أبريل/نيسان الماضي، أعلن متطوعون عن وفاة 3 أطفال جوعًا في “أمبدة” بأم درمان، ثالث مدن العاصمة الخرطوم التي يعتمد العالقون فيها على “مطابخ تكافلية” ترعاها غرف الطوارئ الشبابية.

وفي دارفور تبدو الصورة أكثر تعقيدا حيث تتزايد أرقام المتأثرين بسوء التغذية خاصة بين الأطفال. وتشير أحدث إحصائية لمعاناة نحو 5975 طفلا من سوء التغذية بـ”معسكر كلمة” في جنوب دارفور.

كما يؤكد المتحدث باسم “المنسقية العامة للاجئين والنازحين” في دارفور آدم رجال أن الوضع في المخيمات آخذ في الانهيار بسبب افتقارها للمقومات الأساسية كالغذاء والدواء ومياه الشرب. وأشار إلى أن طرفي النزاع يعرقلان وصول المساعدات للمحتاجين، ويستخدمان الغذاء كسلاح للتجويع والموت البطيء ضد النازحين.

ويرفض وزير الزراعة السوداني أبو بكر عمر البشري، في تصريح له الجمعة الماضية، الإقرار بأزمة جوع في البلاد، لافتا إلى أن تقرير الفاو قبل شهرين أكد أن السودان أنتج أكثر من 3.1 ملايين طن من الذرة تكفيه حتى الموسم المقبل.

و”بالإضافة للمخزون الإستراتيجي الموجود من الموسم الشتوي الماضي، عملت لجنة على حصر إنتاجية القمح، وخلصت إلى أن هناك 761 ألفا و300 طن أنتجت رغم الحرب وخروج نصف ولاية الجزيرة”، على حد تصريح الوزير.

وشدد على أن “السودان لن يجوع، وما يتردد من مجاعة هو محض حديث لإشاعة الإحباط”، متسائلا عن كيفية إجراء المسوحات التي تتحدث عن معاناة أكثر من 25 مليون نسمة من نقص غذائي حاد في ظل سيطرة قوات الدعم السريع.

ويضيف الوزير “الحديث في التقارير عن أن 755 ألفا يعانون الجوع.. نقول هذا الرقم ضئيل في بلد سكانه 48 مليون نسمة.. هذا رقم يشكل 2% فقط أو أقل، وهي نسبة لا تؤخذ في الاعتبار لأنها لا تُعد مؤشرا. السودان لن يجوع، مشكلتنا ليست المنتج، كما تقول تقارير الأمم المتحدة، مشكلتنا كيفية إيصال هذا الغذاء للمواطنين المستحقين في المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع”.

الجزيرة نت


انضم لقناة الواتسب


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.