توطين أو سعودة الوظائف

العزف على وتر توطين أو سعودة الوظائف، ماذا نسميه عادة أم هو فن قديم عزف على وتره «الحساس» وزراء سابقون وسيعزف عليه آخرون؟ الشيء الجدير بالملاحظة أن ما بين أولئك وهؤلاء روابط مشتركة، فلو أحسنا الظن لقلنا حب الوطن والمواطن، ولو أسأنا الظن لقلنا حب الظهور والتشخيص على حساب الوطن والمواطن، ومع هذا وذاك لن نعوّل كثيراً إلا على نتائج كل هذه الادعاءات، فقط لنقرأ بتأنٍ وروية مخرجات هذا التبني.
توطين أو سعودة الوظائف بدأت حملتها قبل أكثر من 40 سنة، ومع ذلك ما نزال نعاني من بطالة، لم نصل بعد إلى حلول ناجعة تستوعب طموحات الوزراء الوطنيين جداً، وتصريحاتهم المثخنة بالثناء على قدرات السعودي الفذة في تحمل أعباء وظائف القطاع الخاص، بكفاءة لا تقل عن كفاءة الوافد الأجنبي، حتماً هذا يغمرنا بالزهو، وهو ليس بعيداً عن الواقع والتحقق، شريطة أن تكون الشركات العاملة بكفاءة وقدرات «أرامكو» مثلاً، التي استطاعت برمجة السعوديين داخل أعمال تليق بهم وسمحت لهم من خلال أنظمتها بتطوير أنفسهم حتى تسلقوا سلم الترقيات الوعر حتى وصلوا إلى مراتب عليا، لذلك فإن أي طموحات مشمولة بإطراءات فجة لا يصادق عليه واقع العمالة المتفشية بنسب عالية في القطاع الخاص، يصبح كالتطبيل والرقص على لا شيء، فلو كان العاملون على هذا الملف منذ أن بدت نبرته الأولى تطفو على السطح قدّروا مسؤوليتهم الحقيقية وقدموا برامج تسرع من وتيرة هذا التوطين، لاكتسبوا أولاً ثقة القطاع الخاص، وثانياً ثقة هذا الطابور الطويل من الشباب المنتظرين لوظائف حقيقية لا وهمية، إلا أنه كما يبدو ثمة تناقض هنا ما بين ما ندعيه وما نراه بأعيننا.
الدكتور غازي القصيبي – رحمه الله – في محاضرة قديمة له أشار بما معناه إلى أن السعودة مطلب ملح، وأن كل ما يرمى به الشباب من صفات سيئة أولها العجز وآخرها عدم تحمل المسؤولية هو كلام باطل جملة وتفصيلاً، وأنحى باللائمة على الشركات التي لا تزال تعمل بأنظمة متخلفة، فيها إجحاف كبير بحق الشباب، مشيراً إلى نجاح «سابك» و«أرامكو»، اللتين استطاعتا بكفاءة إدارية عالية أن تحفز قدراتهم وتستثير لديهم روح العمل والمنافسة حتى وصلوا إلى المراتب العليا، كل ذلك كان بسبب الإنصاف والاحترام والتقدير.
مضى وقت طويل جداً على محاضرة الدكتور غازي، والمشكلة لا تزال تتفاقم، قد تكون وزارة العمل نجحت جزئياً في إلزام محال التجزئة وأصحاب المستوصفات الخاصة بتوظيف الشباب ذكوراً وإناثاً، إلا أن هذه الوظائف لا تتجاوز الأعمال المباشرة كوظائف الاستقبال والبيع والشراء، ولا يمكن أن تتيح لهم فرصة كاملة لتطوير أنفسهم، كما أنهم عرضة للطرد لأي سبب واهٍ من دون الحصول على مستحقات نهاية الخدمة، إضافة إلى لعبة الاضطهاد التي قد يتعرضون لها، وما يتبعها من مساومات، وأبسط ما يمكن أن يقال عن هذه الوظائف أنها وسيلة للحصول على لقمة العيش عند حدود الكفاف، فهي أشبه ما تكون بذر الرماد في العيون، فمتى علمنا أن نسبة الوظائف ذات المواصفات العالية لا يشغلها السعوديون، في جميع مرافق القطاع الخاص وبعض القطاعات الصحية التي بحسب آخر إحصاء تذهب لغير السعوديين، فإننا سنأْسى على واقع الشباب السعودي المرير.
إذا أردنا معرفة حجم التلاعب الذي يسوق على المواطن السعودي المنتظر دائماً ليوم الفرج المسكون بوعود مثخنة بأرقام كبيرة لا يصادق عليها ثقل الأحبار التي كتبت بها، لنتأمل واقع دعاية السعودة المزورة، تلك التي ظهرت علينا أخيراً بوجه استغلالي قبيح ويسوّق لها بشتى الوسائل، فتغري الشباب بتوقيع عقود وهمية، برواتب محددة لا يتسلمون منها إلا النزر القليل على فترات متقطعة، فقط لأجل إدراجهم أرقاماً بلا رصيد لاستصدار شهادة السعودة. أسألكم بالله إلى أي مستوى «منحط وكريه» يتم به التعامل مع شبابنا من بعض الشركات، من دون أن يجدوا من يحامي عنهم ويدفع عنهم الأذى والاستغلال.
الشباب ضاعوا بين سندان الوظائف الوهمية ورحى الوظائف غير المستقرة، حتى ازدحمت الوزارة بآلاف القضايا المرفوعة ضد القطاع الخاص، ثم أسألكم أين هي ملايين الوظائف التي وعدوا بها مع إنشاء المدن الاقتصادية؟ وأتعجب كغيري أيما عجب، ماذا وفرته الشركات العملاقة العاملة في مشروع المترو وغيره لشبابنا. لم لا يفرض عليهم توظيف نسبة معينة من السعوديين؟ أنا لا أقصد تلك الوظائف الهامشية التي للأسف يدفع لها شبابنا دفعاً تحت وطأة الحاجة ويكون بنداً مفروضا داخل العقد، فكم من مهندس «حفي» بحثاً عن وظيفة محترمة ثم لا يجد، صدقوني لو فعلنا لما وجدنا شاباً «حفيت» قدماه بحثاً عن وظيفة، سؤال آخر، لم لا يُستأنس بنظام «أرامكو» في وضع القوانين والأنظمة الإدارية ذات العلاقة بالتوظيف والتشغيل تلزم بها كل الشركات؟ كي لا تتكرر قضايا الفصل التعسفي و«غمط» حقوق الموظفين.
أكاد أجزم أن أكثر القضايا المنظورة لدى الهيئة الابتدائية والعليا هي قضايا «التعسف» التي يتعرض له العمال، لذلك تستغرق شهوراً طويلة للبت فيها، وهذا يمنح الشركات فرصة لإطالة قضاياها مع خصومها، وتطفيشهم، فلم لا تتجه الدولة لإنشاء محاكم عمالية مستقلة تستوعب هذه القضايا وتفوت على أرباب العمل استغلال العاملين لديهم؟ خصوصاً أن البلد ينتظر نقلة اقتصادية عظيمة تعد به وثيقة التحول الوطني 2020 يحتاج معه إلى نقلة نوعية أيضاً في القوانين والأنظمة العمالية ومؤسساتها، أخيراً أملنا أن تسهم «الرؤية» في حل أزمة التوظيف نهائياً. إن غداً لناظره لقريب.
السعودية العربية



