الجيش السوداني يطلق المعركة الفاصلة في الخرطوم

تسارعت الأحداث في السودان بعد أن حقّق الجيش خلال الأيام الأخيرة الماضية تقدماً ميدانياً مهماً في حربه مع قوات الدعم السريع، خصوصاً في العاصمة الخرطوم، وتمكن من استعادة عدد من الأحياء السكنية والمواقع العسكرية، في وقت لا تزال فيه بعض المواقع الهامة وعلى رأسها القصر الجمهوري بالعاصمة، في قبضة “الدعم السريع”، لكن الجيش السوداني يتوجه نحوها شيئاً فشيئاً، ما ينذر باقتراب معركة فاصلة بين الطرفين تتركز في العاصمة الخرطوم، والتي منها انطلقت الحرب للمرة الأولى قبل أكثر من عشرين شهراً.
ويدور في السودان منذ 15 إبريل/نيسان 2023 صراع عسكري بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ويخضع كلاهما لعقوبات فرضتها الولايات المتحدة في يناير/كانون الثاني الحالي. وقد خلّفت الحرب دماراً هائلاً في المدن والقرى والبنية التحتية للبلاد، وأسقطت آلاف القتلى والجرحى وملايين النازحين، وفق بيانات الأمم المتحدة.
الجيش السوداني يتقدم في العاصمة
واحتدم القتال خلال الأيام الأخيرة الماضية، في مدن العاصمة الثلاث التي تشكل منطقة العاصمة الكبرى، وهي الخرطوم وبحري وأم درمان. وبينما تخوض قوات الجيش معارك متقطعة في أم درمان، تشنّ الطائرات المقاتلة هجمات على تمركزات الدعم السريع في الخرطوم، خصوصاً المناطق الجنوبية، في وقت تمكن الجيش في بحري من السيطرة على جسر المك نمر (جهة بحري)، ما يضع القصر الجمهوري الذي لا يبعد عن الجسر سوى مئات الأمتار في مرمى قواته.
تسيطر “الدعم” على القصر الجمهوري منذ بداية الحرب بسبب وجودها آنذاك ضمن القوات المكلّفة بحمايته
وتمكن الجيش السوداني في 24 يناير الحالي من بسط سيطرته على مناطق واسعة في مدينة الخرطوم بحري، الضلع الآخر للعاصمة المثلثة الخرطوم، حيث فكّ الحصار عن مقر قيادة سلاح الإشارة، وتمكن بعدها من فك الحصار عن قيادته العامة في مدينة الخرطوم التي يفصل نهر النيل بينها وبين الإشارة. وأعلن المتحدث باسم الجيش نبيل عبد الله، في تصريح صحافي في 24 يناير، أن قواته تكون بذلك قد أكملت المرحلة الثانية من عملياتها بعد التحام قوات مدينة بحري وأم درمان مع القوات المرابطة في القيادة العامة. من جهته، أكد رئيس هيئة الأركان في الجيش السوداني محمد عثمان الحسين، في مؤتمر صحافي من مقر القيادة العامة يوم 26 يناير، أن القوات المسلحة في أحسن حالاتها وستنطلق بخبراتها لإكمال المهمة، مضيفاً أن هذه الانتصارات هي البداية فقط للمرحلة المقبلة والتي ستكون مختلفة.
وفي حين تسيطر قوات الدعم السريع على مواقع مدنية وعسكرية متعددة في الخرطوم، تبرز مواقع أخرى أكثر أهمية بوصفها ساحة متوقعة للمعركة الفاصلة بين الطرفين، إذ تسيطر “الدعم” على القصر الجمهوري منذ بداية الحرب بسبب وجودها آنذاك ضمن القوات المكلّفة بحمايته، وخاضت هناك أعنف المعارك، كما تسيطر على مصنع اليرموك العسكري منذ يونيو/حزيران 2023 وتتمسك به موقعا استراتيجيا، إلى جانب مطار الخرطوم الملاصق للقيادة العامة للجيش حيث ما زالت “الدعم” تسيطر على جزء منه.
وتنتشر “الدعم السريع” أيضاً في جنوب الخرطوم عند منطقة جنوب الحزام وطيبة الحسناب التي تضم معسكراً ضخماً لـ”الدعم”، وتنتشر قواتها حتى منطقة جبل أولياء التي تحوي قاعدة “ود النجومي” الجوية الخاصة بالمروحيات، ومعسكراً سابقاً للجيش السوداني، وتمثل بوابة الدخول الجنوبية للعاصمة الخرطوم من الولايات الأخرى، وهي المناطق المتوقع أن تدور فيها آخر المعارك في الخرطوم.
انهيار إرادة القتال
ويرى الصحافي السوداني محمد محمود، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “الدعم السريع” دخلت مرحلة الانهيارات المتتالية ولن تستطيع الصمود في العاصمة ولا في بقية المناطق. ويضيف أن مقاتلي المليشيا لن تكون لديهم الإرادة للقتال مرة أخرى على الأقل في الوقت القريب بعد الهزائم المتلاحقة وتفكك سلسلة القيادة، وستركز العناصر الهاربة في كيفية الخروج بالمنهوبات والابتعاد قدر الإمكان عن المناطق الحضرية أو العبور إلى دول الجوار.
ويشير محمود إلى أن الجيش سيطر على كامل مدينة الخرطوم بحري بما فيها جسر المك نمر ولم يتبق سوى جيوب في أحياء كوبر وكافوري، لافتاً إلى أنه بوقوع بحري في قبضة الجيش، ليس أمام قوات “الدعم” المتبقية في تلك المناطق، خيار، سوى الهروب عن طريق النهر نحو جزيرة توتي حيث تتمركز بعض قواتهم، مع صعوبة العبور عن طريق جسر المك نمر إلى وسط الخرطوم بسبب انتشار قوات الجيش على مقربة من مدخله من الناحتين.
محمد محمود: إعلان عموم العاصمة الخرطوم خالية من “الدعم السريع” مسألة وقت
ويتوقع محمود أن تكون نهاية معركة الخرطوم حين يقتحم الجيش القصر الجمهوري، أما معركة جبل أولياء المتوقعة جنوباً، فستكون برأيه بمثابة “أم دبيكرات جديدة” (معركة طاحنة في عهد المهدية) على الرغم من اختلاف الظرف والأطراف والسياق التاريخي، معتبراً أن إعلان عموم العاصمة الخرطوم خالية من “الدعم السريع” مسألة وقت فقط.
وفي السياق، يرى المحلل العسكري حسام الدين ذو النون، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن ما فعلته المؤسسة العسكرية السودانية يمكن وصفه بأنه تحقيق المستحيل عبر مواجهة قوات منشقة كانت جزءاً من الدولة في مختلف مفاصلها ولديها الدعم والسند الدولي والإقليمي والسياسي المحلي، والتفوّق من حيث عديد الجنود والآلة العسكرية القتالية والموارد المالية المهولة، ما جعل التفكير في انتصار القوات المسلحة والشعب السوداني في تلك الحرب لدى الأغلبية هو ضرب من ضروب المستحيل.
ويشرح ذو النون أن إدارة الحرب كعلم وخبرات تراكمية وقيم أخلاقية اجتازت مرحلتها الثانية باستعادة السيطرة على ما يزيد عن 60% من ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار، وأجزاء من إقليم كردفان في مرحلتها الثانية، عبر عمليات العزل والاجتياح الممرحل لكل مناطق انتشار مليشيا “الدعم السريع”. ويوضح أن هذه الاستراتيجيات عملت على عزل قوات “الدعم” وتقطيع أوصالها وإفشال استراتيجيتها الأساسية القائمة على خفة ومرونة الحركة، والإمداد المستمر، واستغلال النجاحات غير الاستراتيجية عبر السرقة والنهب وتجريد المواطنين من ممتلكاتهم كدافع أساسي، وهو جزء من الإرث القتالي القبلي في غرب السودان وله سوابقه في التاريخ، باعتبار أن الحرب هي أحد مصادر التكسب لدى جماعات كثيرة، والغنائم والنهب دافع أساسي كما ظهر لدى مختلف مكونات “الدعم السريع” وعناصرها.
وينوه ذو النون إلى أنه “على الرغم من انكسار قوات المليشيا وعمليات الهروب المستمر وسط صفوفها، وعدم قدرتهم على الصمود في أي مواجهات قتالية حقيقية، بعد انتقال القوات المسلحة السودانية إلى مرحلة الانتشار والسيطرة؛ إلا أن هناك ثلاث عمليات أساسية للقضاء على “الدعم” وإعلان هزيمتها بوسط السودان”. ويوضح أن هذه المعارك الختامية سوف تكون مسارحها في مناطق شرق النيل جنوب وشرق الخرطوم، والتي سوف تشهد بعضها أو كلها القضاء على المليشيات وأسطورتها. ويضيف: “بعد ذلك سوف تنتقل العمليات لتحرير غرب السودان من المليشيا الإجرامية والقضاء على أحلامهم السلطوية والاستيطانية، وقبر أحلام دولة الامارات الاقتصادية التوسعية، والأجندة الدولية الاستعمارية الحديثة”.
العربي الجديد