ارتفاع أسعار المنتجات السودانية.. كيف يؤثر على سفرة رمضان؟

من أزقة سوق أمدرمان العتيق، انتقلت الحاجة زينب إلى شوارع الجيزة في القاهرة، وتحديدًا في منطقة فيصل المكتظة بالسودانيين، لتبيع المنتجات السودانية بذات النسق. تضعها أمامها في صينية مستديرة مصنوعة من الألمونيوم، فيما تجلس على صندوق خشبي قصير مجوف من الاتجاهين الأمامي والخلفي، في محاولة منها لجعله أشبه بـ”البنبر”.

تمتلئ شوارع القاهرة، خاصة في محافظة الجيزة، التي اختار العديد من السودانيين أن تكون مستقرًا لهم، بالمحال التجارية المتخصصة في بيع المنتجات السودانية
تبيع الحاجة زينب المنتجات السودانية أمام المحال التي توفر الكميات الكبيرة للراغبين، فيما تتعامل هي مع الأشخاص الذين يطلبون كميات صغيرة، كما أشارت لهم في حديثها لـ “الترا سودان”: “بيشترو على قدر الحال”.

ومنذ وصولها إلى مصر مع ابنتها قبل عام، مارست نشاطها في بيع الدكوة وزيت الفول، الذي يُعتبر نادر الوجود في السوق المصري بشكل عام، ومع اقتراب رمضان، تقوم بإضافة بعض المنتجات مثل “الويكة”، والعرديب، والتبلدي، مشيرة إلى أنها تخطط لإعداد الكسرة أيضًا مع انطلاق الشهر الفضيل.
ومع اندلاع الحرب في السودان، وجد العديد من الأشخاص أنفسهم خارج حدود البلاد، فيما استقبلت مصر، الجارة الشمالية للسودان، نحو 1.2 مليون سوداني. ورغم الابتعاد القسري عن الأرض، يتمسك السودانيون في مصر بملامح السفرة السودانية الرمضانية وروائح الأطعمة المميزة، التي لا تزال حية في قلوبهم، على الرغم من ارتفاع الأسعار.
ولم تنفرد الحاجة زينب وحدها ببيع المنتجات السودانية في قلب القاهرة، بحيث تمكنت المجتمعات السودانية هناك من خلق نشاطات اقتصادية تنبض بالحياة، وتوفير المنتجات المحلية التي كانوا يتناولونها في السودان، بحيث لا غنى عنها في مطبخهم الرمضاني. فكيف استطاعوا الحفاظ على هذا التقليد وسط الأوضاع المعيشية الصعبة التي خلفتها الحرب؟
محال متخصصة
تمتلئ شوارع القاهرة، خاصة في محافظة الجيزة، التي اختار العديد من السودانيين أن تكون مستقرًا لهم، بالمحال التجارية المتخصصة في بيع المنتجات السودانية، بما فيها الأواني الخاصة بالمطبخ السوداني، مثل الصاج الذي يُعد من خلاله الكسرة والقراصة، بجانب المفراكة التي تستخدم في صناعة الإدام المعروف محليًا بـ”الملاح”، وهي أداة مصنوعة من الخشب تستخدم لهرس محتويات الإدام من البصل وغيره.
وفي الشهر الفضيل، درجت هذه المحال على توفير أشهر المنتجات الرمضانية السودانية، مثل “الحلومر”، العصير الرمضاني السوداني الأشهر، بجانب الثمار الجافة التي يستخدمها السودانيون مثل التبلدي والعرديب، و”الويكة” وهي عبارة عن بامية مجففة ومطحونة تستخدم في “الملاح” لتعطيه قوامًا ثقيلًا بعض الشيء، وهي مكون رئيسي في إعداد معظم الأطباق التي تُقدّم في رمضان.
وتوفر هذه المحال أيضًا أنواع التمور السودانية المميزة، بجانب البليلة بشقيها، بالرغم من تواجد بليلة الحمص والمعروفة محليًا بـ”الكبكبي” في السوق المصري بشكل كثيف. بحيث لا تخلو المائدة الرمضانية في السودان من البليلة التي تُقدّم في وجبة الإفطار بشكل يومي.
وتأثرت المحال السودانية في القاهرة بالطابع المصري بشكل كبير، بحيث توضع الزينات والأنوار والفوانيس على أبوابها وجدرانها احتفالًا بقدوم الشهر الفضيل على الطريقة المصرية. وفي المقابل، بدأت بعض المحال المصرية بتوفير المنتجات السودانية نسبة للإقبال الكبير عليها في المناطق المكتظة بالسودانيين.

بالرغم من توفر المنتجات الرمضانية، إلا أن السودانيين يشتكون من ارتفاع الأسعار بشكل كبير، خاصة أسعار “الحلومر”
أسعار مرتفعة
وبالرغم من توفر المنتجات الرمضانية، إلا أن السودانيين يشتكون من ارتفاع الأسعار بشكل كبير، خاصة أسعار “الحلومر”، بحيث بلغ سعر الطرقة الواحدة من “الآبري”، التي تقوم بإعداد كمية تكفي ليوم واحد فقط، (100) جنيه مصري. وتشير آلاء الفاضل في حديث لـ “الترا سودان” أنها ستقوم بالاستغناء عن العصير المفضل لها هذا العام، نسبة لارتفاع أسعاره مقارنة بالمنتجات المحلية المتواجدة في السوق المصري، والتي يمكن أن تكون كمشروبات بديلة، بحيث يبلغ سعر كيلو الفراولة (35) جنيهًا مصريًا، وسعر كيلو البرتقال نحو 30 جنيهًا مصريًا.

وتتابع آلاء أن كيلو الرقاق بلغ (450) جنيهًا، فيما يبلغ سعر الكيلو لكل من التبلدي والعرديب (380) و(300) جنيه على التوالي. أما بالنسبة للدقيق بشقيه (القمح والذرة)، فتبدو أسعارهما جيدة إلى حد ما، بحسب ما أفادت، مشيرة إلى أن الكيلو من دقيق القمح يبلغ (45) جنيهًا، فيما وصل كيلو دقيق الذرة إلى (50) جنيهًا مصريًا. وأشارت إلى أنه بالرغم من ارتفاع الأسعار، إلا أن هناك إقبالًا كبيرًا على المنتجات الرمضانية، بحيث هنالك الكثير من الأشخاص الذين في مقدورهم توفير هذه المنتجات بشكل يسير، خاصة الأسر التي تعتمد على أبنائها المغتربين في دول الخليج.
وأثرت الحرب في السودان على الأوضاع الاقتصادية للأسر بشكل أو بآخر، بحيث فقدت معظمها مدخراتها ومقتنيات منازلها. ويشير محللون إلى أن الحرب تكاد بالفعل أن تقضي على الطبقة المتوسطة في البلاد. وفي خضم ذلك، لا تزال الأسر السودانية في مصر تحاول أن توفر ولو بعض المستلزمات الرمضانية السودانية، ليتمكنوا من صنع أجواء مشابهة لأجواء الشهير الفضيل في البلاد.
وانخرط العديد من الأفراد في السوق المصرية سواء بالمشاريع الخاصة، أو العمل في الشركات والمؤسسات، وذلك من أجل توفير حياة مستقرة لهم ولأسرهم في رحلة النزوح التي شارفت على عامها الثاني، فيما عاد بالفعل إلى السودان الآلاف بعد أن أصبحت الحياة بالنسبة لهم مستحيلة، خاصة بعد أن قاموا بإنفاق مدخراتهم في ظل فقدان مصادر الدخل.

الترا سودان



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.