سودافاكس ـ الكاتب: أهم حصانة ضد الانفلات الهوياتي، هو الاعتراف بالخصوصيات، بناء على واقع موضوعي (شترستوك)
لم تعد قضايا الهوية قضايا ثقافية، تتمحور حول التعدد الثقافي، أو سياسية، من أجل تمثيل الطوائف والجماعات، أو تدبير المجال من خلال إيلاء منطقة ذات خصوصية الحرية في تدبير شؤونها، أو اجتماعية من خلال الارتقاء بشرائح مهمشة استنادا للميز الإيجابي، بل أمنية وجيوسياسية، من شأنها أن تضعف التلاحم الداخلي، ويمكن توظيفها خارجيا، للتأثير والضغط،، ورسم خرائط.
باسم الهويات تنزع كثير من الوحدات الثقافية في العالم والعالم العربي إلى الانفصال عن السلطة المركزية، أو الوطن الأم. خلال السنة المنصرمة، ظهرت في العالم العربي حركات لم تبقَ في دائرة الحقوق الثقافية، أو تدبير المجال، أو الحكم الذاتي، بل أعلنت عن نزوع انفصالي، كما في السويداء في سوريا، مع بعض الاتجاهات الدرزية، وحركة الحكم الذاتي بالقبائل في الجزائر، المعروفة بحروفها الأولى بالفرنسية “الماك”، والمجلس الانتقالي في اليمن، ودارفور في السودان مع الدعم السريع، وإقليم أرض الصومال، في الصومال.
لا يمكن الزعم طبعا، أن كل خطاب هوياتي، أو حركة تدافع عن هوية ثقافية، تحمل بالضرورة نزوعا انفصاليا، إذ لو قلنا بذلك، لنزعنا عن الوحدات الهوياتية شرعيتها، والحال أن التوجه العالمي، يقر بالحقوق الثقافية لجماعات، باسم الحق في الاختلاف، والتعددية الثقافية، ودواعي الكرامة، والتوزيع العادل للرموز، وواجب الاعتراف، أو مثال الأصالة، كما يقول الفيلسوف الكندي شارل تايلور، أو لتصحيح أوضاع جانحة للغة مهددة بالانقراض، أو عرضة للإهمال، أو لجماعة تتعرض للتبخيس، أو تحمل ما يسميه البعض ندوب الاحتقار، أو الذوبان، أو الطمس، أو تحويل جماعات من مكان لآخر.
عدم الاعتراف بالخصوصيات لا يسعف في حل المشكل، بل يجعله أكثر تعقيدا، ويمنح التبرير لأطراف خارجية في التدخل
ما يؤجج النزوع نحو الانفصال، هو عدم الاعتراف بالحقوق الثقافية، لكن إذا كان ذلك العنصر ضروريا، فليس كافيا، إذ ما يشعل فتيل الانفصال هو التدخل الأجنبي.
لا يقوم الانزياح من مطالب ثقافية مشروعة، إلى الانفصال، إلا بتدخل أجنبي. تصبح القضايا الهوياتية حصان طروادة الذي تنفذ منه قوى أجنبية، وتتذرع بمبادئ نبيلة، تروم تقويض وحدة الدول.
التعدد الثقافي حقيقة موضوعية، عرقية أو عقدية أو لسانية، في كافة دول الجنوب، أو بفعل الهجرة، في بلدان الشمال، ولئن كنا لا نستطيع الحديث عن انفصال في دول الشمال، لجماعات ذات خصوصية ثقافية، فنحن أمام ظاهرة قريبة منها، هي ما يسمى في فرنسا النزعة الانفصالية، أي التمايز عن قواعد الجمهورية، أو ما يسمى في الولايات المتحدة الانسلاخ. تعيش المجتمعات الغربية ما يسمى بالقلق الهوياتي، أما دول الجنوب، والعالم العربي، فتعرف ما قد نسميه الانفلات الهوياتي.
أهم حصانة ضد الانفلات الهوياتي، هو الاعتراف بالخصوصيات، بناء على واقع موضوعي، لخصوصية بارزة، عقدية، أو عرقية أو لسانية، أو في حيز جغرافي محدد لإقليم، أو بناء على تحولات ديمغرافية، و تغيرات جيوسياسية. عدم الاعتراف بالخصوصيات لا يسعف في حل المشكل، بل يجعله أكثر تعقيدا، ويمنح التبرير لأطراف خارجية في التدخل.
كل البلدان تعرف تنوعا ثقافيا، بنسب مختلفة، والرهان يكمن في حسن تدبير التنوع، في موازنة بين الحقوق الثقافية والمواطنة. ليس ذلك فحسب بل ينبغي رؤية استباقية، أي لا تكتفي بتدبير الآني، وهو شأن السلطات عموما، ولكن استشراف المستقبل من خلال ما قد تضطلع به مراكز بحثية أو الجامعة.
و الغالب أن القوى الأجنبية، تستند إلى معرفة أكاديمية، وصناعة نخب، بفضل الإعلام، والدعم المالي بل العسكري أحيانا. وتزداد الخطورة مع جماعات ثقافية، تتوفر على مليشيات، وهو الأمر الذي يتناقض مع مفهوم الدولة، التي من شأنها احتكار العنف المنظم، حسب تعبير ماكس فيبر.
لم تعد قضايا الهوية مجرد قضايا ثقافية، ولا حتى سياسية، من خلال حسن التمثيل، بل أمنية، لأنها تتهدد سبيكة الدول، مع الانزياح نحو الانفصال، أو مليشيات، أو حروب أهلية.
حملت السنة المنصرمة معالم انزياح هوياتي، انتقل من مطالب ثقافية، أو تم توظيفها على الأصح، لتبرير نزوعه الانفصالي. ومن الوارد أن تستفحل قضايا الهوية، في المنطقة، إن لم يتم تدارك الأمر، أمام اهتزاز المرجعيات القديمة، والسرديات الجامعة، ومخططات إعادة تشكيل المنطقة، واستعمال الهويات كروافع للتدخل.
لكل بلد خصوصيته، وطريقة تعامله مع التنوع الثقافي. وحتى الدول التي وُفقت في حسن تدبير تنوعها الثقافي في المنطقة لا تخلو مما يسمى حروبا أهلية ثقافية دائمة، مما يطفح به الفضاء الأزرق، من بذاءة، ويقع في دائرة الكراهية، مع الافتراء والتضخيم.
أمام تعقد قضايا الهوية، تسعى دول الشمال إلى إعادة الاعتبار للمواطنة كإطار جامع، يؤلف بين عناصر مجتمع بغض النظر عن العرق واللون والعقيدة واللسان، ولكن هذه الدعوة تصطدم بواقع يحد منها:
أولا، الدعوة إلى المواطنة ليست مجرد شعار، بل ينبغي أن تستند إلى قيم، منها تكافؤ الفرص، والحق في مرافق عمومية فعالة، من تعليم و صحة، والتوزيع العادل للرموز.
و هو الأمر الذي يدحضه الواقع، إذ تبقى شرائح عدة تشكو الحيف في الشغل والسكن، وضعف الاستفادة من المرافق العمومية، بسبب هويتها الثقافية، وعدم احترام خصوصيتها الدينية.
أما الأمر الثاني، فيعود إلى انتشار التوجهات الهوياتية “البيضاء”، وهي إحدى دعائم الشعبوية اليمينية التي تغذي “الزينوفوبيا”، أو كراهية الغريب.
أما في دول الجنوب، بما فيها العالم العربي، فتظل المواطنة ضمن اللامفكر فيه، وتشكو ضعف المؤسسات البحثية التي من شأنها فهم ظواهر اجتماعية وثقافية، واستباق التطورات، مع انحسار دائرة النقاش، وتواري الهيئات الوسيطة، من أحزاب، ونقابات، ومجتمع مدني، كانت تضطلع لفترة باستقطاب النخب، وصهر التنوع الثقافي.
و أمام هذا الوضع، يمكن لخطابات الهوية أن تستفحل، ليس في اتجاه مطالب ثقافية مشروعية، بل كعناصر لاحتدام العلاقة بين الهامش والمركز، أو الطائفة والدولة، أو بين مجموعات ثقافية فيما بينها، إن لم يتم تدارك الأمر.
الرهان ليس التضحية بجماعات لها هوية مميزة، بل إيجاد الصيغة المثلى التي تقر بحقوق جماعات ثقافية لها خصوصية، دون أن تثلم رباط المواطنة.
و المواطنة ليست مجرد شعار، بل تستند إلى ميكانيزمات، منها العدالة الاجتماعية، والعدالة المجالية، والتوزيع العادل للرموز، وحسن التمثيل في كل مرافق الدولة، بما فيها المؤسسات السيادية، كالخارجية والأمن و الجيش، ومدرسة تكون مصعدا اجتماعيا، وليست إطارا لإعادة إنتاج الأوضاع السارية.
ينبغي تجاوز سردية الهويات المتناحرة، أو حتى العيش المشترك، إلى هويات متفاعلة، ومصير مشترك. يمكن فهم خطاب العيش المشترك، في أوروبا، لأن هناك اختلافات هوياتية حادة، أما في منطقتنا، فالدعوة للعيش المشترك، هي دعوة مبطنة للانكفاء.
الجزيرة
