سودافاكس ـ في العام 2021م، تلقيتُ دعوة لحضور إفطار رمضاني في منزل الفريق أول ركن ياسر العطا، مساعد القائد العام للقوات المسلحة وعضو مجلس السيادة، بمدينة أم درمان.
حضر ذلك الإفطار الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة، ونائبه آنذاك حميدتي، إلى جانب كباشي، وإبراهيم جابر، ومدير جهاز المخابرات.
كما حضر عدد من أعضاء لجنة إزالة التمكين من بينهم وجدي صالح، وصلاح مناع، إضافة إلى غالبية وزراء حكومة عبدالله حمدوك.
وصلتُ مع مرافقي قبل أذان المغرب بنحو نصف ساعة، ولكني وجدتُ نفسي محرجةً بعض الشيء، إذا كان جميع الحضور من الرجال، ولم تكن هناك امرأةً واحدة. فضحكتُ في نفسي قائلةً: إما أنني مُصنّفة رجلًا، أو أنهم لا يرون أنني امرأة.
ما هي إلا لحظات حتى وصلت زوجة ضابط رفيع، ثم لحقت بها الزميلة العزيزة والصحفية المصادمة أم وضاح.
عقب الإفطار وأداء الصلاة، خرجتُ أبحث عن طاولة القهوة. وجدتها، لكن حرارة الجو كانت مرتفعة للغاية، فطلبتُ من مرافقي مفتاح سيارته، وقلتُ له: سأمكث داخل السيارة إلى أن تنتهي مراسم الإفطار ونغادر.
كنتُ حينها بحاجة إلى مكيّف السيارة، هربًا من حرارة الباحة الأمامية، و كان هناك أيضًا احتقان في العلاقة بيني وبين الفريق البرهان بسبب البلاغ الذي دونّه في مواجهتي بخصوص مقال كتبته عن فضّ الاعتصام، وقد حكمت المحكمة وقتها لصالحي، وتم شطب الدعوى.
أقول: في ذلك الوقت، كان من المقرر أن يغادر الفريق البرهان إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في اليوم التالي للإفطار، وقد دارت الكثير من التكهنات حول أهداف الزيارة.
استغللتُ فرصة وجودي في السيارة، وبدأتُ كتابة مقالي اليومي للصحيفة، وكنت أهاجم فيه البرهان وزيارته المرتقبة للإمارات.
لم تمضٍ دقائق حتى طرق مرافقي باب السيارة، وبرفقته أحد رجال المراسم، ليبلغني أن الفريق البرهان يريد الحديث معي.
ترجلتُ من السيارة، وسرتُ بصحبة الرجلين إلى حيث كان الفريق البرهان، الذي أشار إلى كرسيّ بجانبه ودعاني للجلوس.
جلستُ إليه، وأطلقتُ العنان لمجموعة من الأسئلة رأيتُ أنها تعبر عن هموم المواطن، وتساؤلات الشارع، ومن بينها زيارته للإمارات في الغد، وعن حديث الشارع بأنه سيمنح أراضي الفشقة المحررة لهم.
أجاب الفريق البرهان عن الأسئلة بهدوء وسعة صدرٍ ، رغم حدة بعض الطرح.واستمر الحوار لأكثر من نصف ساعة.
لاحقًا، غادرتُ إلى سيارة مرافقي، فوجدتُ على هاتفي عدة مكالمات من الصحفية أم وضاح، التي سألتني باستغراب:
“سهير، إنتِ مشيتي وين؟ فتشت عليكِ كتير بعد الفطور وما لقيتكِ، وطلعتا؟”
قلتُ لها: “كنتُ أجلس في السيارة في انتظار رفقتي للمغادرة، ولكن تمت مناداتي للحديث مع الفريق البرهان.”
قالت لي أم وضاح بدهشة:
“معقولة؟ قعدتٍ مع البرهان؟”
أجبتُها: “نعم.”
سألتني: “وماذا قال؟”
قلتُ: “كلام كتير … جلستُ معه أكثر من نصف ساعة .”
قالت: ” طيب متى ستكتبين ؟”
قلتُ: “لن أكتب.”
أُصيبت بالذهول، وقالت :
“كيف يعني ما ح تكتبي؟”
فأجبتها:
“ما قاله ليس مناسبًا للنشر في هذا التوقيت.”
مازحتني قائلة:
“بتبالغي يا سهير! إنتِ عارفة في صحفيين لو سلّم عليهم سااااي، بيعملوا سلسلة مقالات بعنوان:
صداقتي مع البرهان؟”
ضحكتُ وقلتُ لها:
“هؤلاء لديهم مرّكب نقص، يُكملونه بالتقرب زلفى للمسؤولين. أنا شخصيًا لن أكتب ما قاله حتى يأتي أوانه، إن أتى.”
بعد نحو شهر، أُثيرت حملة واسعة ضد البرهان على خلفية ملف الفشقة والعلاقة مع الإمارات، فرأيتُ حينها أن من الواجب ذكر ما قاله لي تحديداً هذه الجزئية، مؤكداً أنه لن يمنح الإمارات أرض الفشقة، ولن يفرّط في دماء الشهداء.
لاحقًا، التقيتُ بالفريق البرهان مرتين أخريين، ودار بيننا حديث مطوّل امتد قرابة الساعة، سألته عن كل ما يمكن أن يحتاج لإجابات، ولكنني لم أنشرحرفًا واحداً منه حتى اللحظة، ذلك لأنه لم يأذن لي بالنشر.
ما ينبغي قوله إننا في مهنة الإعلام نحتاج إلى معرفة المعلومة التي تساعدنا في التحليل وقراءة المعطيات، وما خلف الأسوار وبين السطور، وفي كثير من الأحيان فهم القرارات هنا وهناك.
أقول هذا وأنا أتابع حُمّى تجتاح البعض في الوسط الإعلامي، والمتغوّلين على المهنة، تحت شعار: “المسؤول قال لي!”
يا هؤلاء، هذه ليست صحافة، ولا علاقة لها بألف باء المهنة، كما أن التقرب من المسؤولين لا يصنع صحفياً محترماً،.
ابتعدوا ما استطعتم عن رجال الحكومة والوزراء، فالقرب الشديد من المسؤول يضر الصحفي ويشوّش بوصلته ولا يفيده، كما يفقدكم القدرة على النظرة الموضوعيةوإعلاء مصلحة الوطن على العلاقة الشخصية.
اعتزّوا قليلًا بأنفسكم، وارفعوا رؤوسكم المطأطأة، واعلموا أنكم سلطة رابعة، وأن أيديكم خُلقت لتمسك القلم، لا أن تكون السفلى. وتذكّروا: ليس كل ما يُعرف يُقال.
خارج السور:
كنتُ أول صحفية سودانية تلتقي بمسؤول سوداني رفيع، وتلتقيه أيضا عدة مرات قبل عدة سنوات ، والتقيتُ كذلك عقب اندلاع الحرب بمسؤول إقليمي رفيع معنيٍّ بملف حرب السودان. لم أذكر شيئًا من ذلك، فالقيمة الحقيقية بما نقدمه لمجتمعنا من فكر ورؤية وطرح وموقف، وليس بمن نقابلهم.
#سهيرعبدالرحيم
#السودان
#جيشواحدشعبواحد
#الدعم־السريع־مليشا־ارهابية
سهير عبد الرحيم
