نحو إعادة تعريف العلاقة الخليجية

نحو إعادة تعريف العلاقة الخليجية
عبدالمحسن محمد الحارثي

تمثّل المملكة العربية السعودية-بحكم الجغرافيا والتاريخ والثقل السياسي والاقتصادي- الركيزة الأساسية للاستقرار في محيطها الخليجي.

هذا الدور لم يكن يومًا موضع ادّعاء، بل واقعًا تكرّس عبر عقود من المسؤولية، والالتزام، وتغليب منطق التوازن على منطق الهيمنة.

ومن هذا المنطلق ؛ جاء تأسيس مجلس التعاون الخليجي تعبيرًا عن إرادة واعية في بناء إطار جامع، يحفظ للدول الصغيرة أمنها، وللدول الكبيرة مسؤوليتها، ضمن منظومة تقوم على الثقة وحسن الجوار وتكامل المصالح.

وقد لخّص الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان-رحمه الله- جوهر هذه الفكرة حين قال:

«الاتحاد قوة، والتفرّق ضعف».

وهو مبدأ شكّل الأساس الأخلاقي والسياسي لقيام المجلس ؛ لا بوصفه تكتلًا مصلحيًا ضيقًا، بل كيانًا يُفترض أن يعكس وحدة الموقف قبل وحدة الشكل.

إلا أن التجارب السياسية، مهما سمت نواياها ؛ تبقى خاضعة لاختبار الزمن.

فمنذ قُرابة نصف قرن من الزمن ؛ ظهرت بين الحين والآخر تساؤلات مشروعة حول مدى الالتزام الفعلي بروح المجلس، وحول الفجوة بين ما يُعلن في البيانات الرسمية وما يُمارس على أرض الواقع ، ومع ذلك ؛ آثرت المملكة طوال هذه المرحلة تغليب منطق الاحتواء ؛ انطلاقًا من قناعة راسخة بأن استقرار المحيط جزء لا يتجزأ من استقرارها.

غير أن تكرار بعض الإشكاليات، وظهور أنماط من العمل السياسي المتوازي خارج الإطار الخليجي ؛ يفرض اليوم قراءة أكثر واقعية للتجربة.

فالدول-كما يقول هنري كيسنجر-

«لا تربطها صداقات دائمة، بل مصالح دائمة».

والمشكلة لا تكمن في اختلاف المصالح، بل في غياب الوضوح حول حدود الالتزام المشترك، وهو ما يجعل أي إطار جماعي عرضة للاهتزاز مع كل منعطف إقليمي أو دولي.

من هذا المنطلق ؛ لا تبدو الدعوة إلى إعادة تعريف العلاقة الخليجية خروجًا عن الحكمة، بل استجابة لها.

فإعادة التقييم ليست نقيض الوفاء، بل شرط استمراره.

وقد عبّر شارل ديغول عن هذا المعنى حين قال:

«السياسة هي فنّ الممكن»،

والممكن اليوم يقتضي التفكير في صيغ تعاون أكثر مرونة ؛ تحفظ التعاون حيث يكون مجديًا، وتخفّف من الالتزامات حين تصبح عبئًا على القرار السيادي.

وتقدّم التجربة البريطانية في إعادة صياغة علاقتها مع الاتحاد الأوروبي مثالًا معاصرًا على هذا المسار؛ إذ اختارت لندن الانتقال من اندماج شامل إلى علاقة أقل مستوى ؛ تحافظ على المصالح المشتركة دون أن تُقيد استقلال القرار.

وهي تجربة تؤكد ما ذهب إليه الفيلسوف السياسي جون ستيوارت ميل حين قال:

«الحرية لا تعني غياب العلاقات، بل القدرة على اختيارها».

وفي السياق الخليجي ؛ فإن إعادة تعريف العلاقة لا تعني الانسحاب من المحيط، ولا التخلي عن مسؤوليات الجوار، بل تعني الانتقال من افتراض الوحدة إلى اختبارها، ومن المجاملة السياسية إلى الصراحة المؤسسية. فالشراكات الناجحة، كما يقول المثل العربي :

«ما قامت على الوضوح ؛ لا تهزّها الرياح».

وفي المقابل ؛ يبقى الباب مفتوحًا أمام من يرغب في شراكة أعمق وأكثر التزامًا، تقوم على وحدة الرؤية وتكامل القرار، لا على ازدواجية المواقف.

فالوحدة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأعضاء، بل بدرجة الانسجام بينهم.

وقد لخّص ابن خلدون هذه الحقيقة بقوله:

«الملك لا يقوم إلا بالعصبية»،

أي بتماسك الإرادة قبل تماسك الشكل.

إن التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة اليوم-في ظل رؤيتها الطموحة ومكانتها المتنامية- تستدعي وضوحًا أكبر في التحالفات، واتزانًا أدق في إدارة العلاقات ، وإعادة النظر في تجربة مجلس التعاون بعد خمسة وأربعين عاماً ؛ ليست انتقاصًا منها، بل قراءة ناضجة لمسارها، تميّز بين الفكرة في مثالها، والتجربة في واقعها.

وفي هذا الإطار ؛ يصبح النقاش الهادئ حول مستقبل العلاقة الخليجية ضرورة سياسية لا رفاهية فكرية.

فكما تقول الحكمة:

«مراجعة الطريق لا تعني الخطأ في اختيار الوجهة».

وإنما تعني الحرص على الوصول بأقل كلفة، وأوضح مسار، وأكثر قدر من الاستقلال والمسؤولية.




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.