سودانير ستحلق من جديد

الطائر الميمون سيحلق من جديد
الدكتور ميرغني محمود

حينما تتأمل كيف تتنازل من فازت بجائزة نوبل للسلام عن جائزتها للرئيس الأمريكي، ستفهم جيدًا كم هي عظيمة سودانير وهي تقف صلبة قوية أمام الحصار الاقتصادي الجائر لأكثر من عقدين من الزمان. ذلك الحصار الذي أعيا مجموعة “عارف” الكويتية، كبرى شركات القطاع العام الكويتي، فانسحبت مستسلمة لتعود سودانير بعد تغريب ست سنوات إلى حضن الوطن، وهي تلعق جراح الكنود الذي قابلوها به أصحاب المصالح حينما جردوها من حقوقها السيادية، ومنعوا عنها الدعم والتمويل، وأفشلوا كل خططها.
الذين حرروا الأجواء بلا ثمن ورهنوا السيادة الوطنية للأجنبي ليصول ويجول في مطار الخرطوم، الذي حسبناه في لحظة ما يرتدي الكوفية والعقال!

عادت سودانير سودانية 100%، ولكن لم يعجب عودتها من ترصدوها بالبيع آنفًا وعرضوها في سوق النخاسة الجوي بجنيه سوداني أو أقل. رفعوا أيديهم عنها، فكانت كاليتيم الذي أُكل ميراثه، وكالأرملة التي تنكر لها ذوو القربى. حاولوا زعزعتها بشتى الطرق، ولكن إرادة الله فوق كل كيد ومكر.

الطائر الميمون يحلق بجناح مهيض، ومع ذلك يعلو ويسد قرص الشمس ليعيد أمجاد شمسه المشرقة. حيثما حل تتقاطر البركات، وتتجمع البسمات في كل الوجوه، ويعود الأمل في سماء سوداني معافى وعفيف.
واهمٌ من ظن بعشيرة سودانير الظنون، وانساقت به الأوهام فتدفق حبره الموتور ذمًا أو قدحًا، وقليل من كان قصده شريف.

لا يعلمون…
– لو أن التخطيط وحده يرفع القامات لقامت سودانير فارعة تعانق السماء.
– ولو أن الحب وحده يرفع الشأن لما بقي سمت لم تصله سودانير بحب بنيها.
– ولو كان العمل الدؤوب وحده يرفع الأعمال لكانت صحائف سودانير ملأى بشتى الإنجازات.
ولكنها عملاق يواجه أكبر قوة في الأرض تملك مفاتيح الطيران وتتحكم فيه. أن تدير شركة طيران بهذا التحدي هو في حد ذاته إنجاز يرتقي إلى مصاف الإعجاز.
سودانير تُعلن استئناف رحلاتها إلى 4 وجهات إقليمية بدءًا من ديسمبر
في منتصف التسعينات امتلكت سودانير أربع طائرات إيربص، منها أول طائرة A320 في إفريقيا، بتمويل من مصرف “كريديت أقريكول” الفرنسي. وبعد تسديد ما يقارب المائة مليون دولار، يقوم البنك المعتدي على مال الشعب السوداني بحجز طائرتي A310 في مطار هيثرو بذريعة كاذبة بأن سودانير مهددة بالقرار 1070 من مجلس الأمن بالحظر الجوي، وهو قرار لم يصدر أصلًا. ثم يسحب الطائرة الثالثة ويهدد بسحب الرابعة الأحدث لو هبطت في أي مطار في العالم، مما اضطر سودانير للتخلص منها مكرهة وهي تغالب دموعها، لتعود مرة أخرى إلى طائرات البوينج العتيقة التي عفا عليها الزمان.

وللآن لم ينبرِ ابن مقنعة من القانونيين ليرجع هذا الحق السليب.
هذا غيض من فيض العقوبات الأمريكية التي طالت حتى الأصول المالية ومحركات الطائرات المرسلة للعمرة، والاسبيرات، والتحويلات المالية بملايين الدولارات.
حتى نهاية شركة “عارف” لم تكن سعيدة، وتظل هنالك أموال في ذمتها بدولة الكويت هي حق لسودانير كتعويض لفض الشراكة، وسنقف بكل ما نملك من قوة وحجج لاسترجاعه مهما طال الزمان.
لم تكن سودانير تتعشم في شيء أكثر من ضمانات سيادية وورقة بيضاء ممهورة بتوقيع حبر أخضر أو أسود لتنطلق. وليرجع لها حقها المسلوب من “الرويالتي” ورسوم الكستوديان أو الأتاوة للشحن الجوي، ولكن جفت الأقلام وطويت الصحف.
وقد كان صوت الزاعمين أن إفريقيا والدول العربية كلها حررت الأجواء وأن الاتفاقيات الثنائية انتهت لغير رجعة هو الأعلى دون حق، وهو الغالب دون حجة. ولكن شاءت إرادة الله أن أمثل السودان في ورشة الكوميسا للمصادقة على أنموذج موحد للاتفاقية الثنائية، في محاولة لتفعيل قرار “ياماسوكورو” الذي حرر الأجواء الإفريقية على الورق، بينما حررها السودان على الواقع بلا دراسة، فكانت النتيجة وبالًا على الناقل الوطني وعلى كل الشركات السودانية قاطبة.

في تلك الورشة قُطع قول كل خطيب، وظهر أن الاتفاقية الثنائية لم تُلغ ولم تنته كما يزعمون. وتفاجأ المؤتمرون أن السودان وحده هو من حرر الأجواء تمامًا منذ العام 2010، ولم تحررها بقية الدول. بل إنه منح الإثيوبية والكينية الحرية الخامسة لنقل ركاب من الخرطوم إلى القاهرة، وحررها مع المصرية دون قيود، بل ومع إحدى دول الخليج بنفس الكيفية، ومنحها أيضًا الحرية الخامسة.
كل ما يدور في الوسائط من أفكار، وما لم يتم التطرق له، وُضعت له الدراسات اللازمة من خبراء سودانير ومن بيوتات الخبرة العالمية، وآخرها “إيربص” و”لوفتهانزا”. فقط تنتظر التنفيذ حتى لا يظهر لنا أحدهم مدعيًا أنه من فكر في حل مشاكل سودانير.
بصريح العبارة: لدينا ما يكفي من أفكار إبداعية وخطط أعمال متنوعة وخطط استراتيجية لجعل هذه الشركة في أعلى القمم وفي زمن وجيز. نحتاج فقط لإرادة الدولة وللتمويل. ولو أُعيدت معها حقوقنا المسلوبة، فإننا على ثقة أن مساهمة سودانير لن تقل عن الإثيوبية والمصرية في الدخل القومي، وربما تفوقهما بدرجات.

أتعجب ممن يطالب بتحويل سودانير لشركة مساهمة عامة وهو في نفس الوقت يوصمها بالفشل. قل لي بربك: من يشتري أسهم شركة تروج لها أيها الداعي ومعك الأقلام الأخرى أنها فاشلة؟
ما أُنفِق على تعويض العاملين المفصولين عام 2018 كان يكفي لانتعاشها. وما فقدته من كفاءات — طيارين، مهندسين، مضيفين، فنيين، موظفين — لا يُعوض بعد إنفاق ملايين الدولارات في تأهيلهم. ومع ذلك يطاردها الظالمون أو الناقمون عليها باللعنات، وكأنهم لم يكتفوا بما حل بها من نكبات.

أتعجب من إنسان يزهد في أعضائه الحيوية وهو حي يرزق؛ هذا حال المهاجمين لسودانير. أتعجب ممن يريد أن يحيا بلا قلب، ومن يفرط في روحه وهو يظن أنه سيعيش بعدها ويطول به العمر.
ليت بوسعنا أن ننشر لكم خرائط الطريق المتاحة الآن حتى تصمت الأفواه قليلًا ويسكت صرير الأقلام.
دعوا سودانير، فإنها في لحظة مخاض ستولد فيها من جديد. لم يبق إلا القليل لينهوض طائر العنقاء من تحت الرماد ليعانق السماء ويشرق شمسًا تتوارى بأنوارها كل النجوم.

طيران بلدنا




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.